لا مناص أمام العرب سوى أن يعترفوا بأن أساليبهم التي يتّبعونها اليوم تقود إلى التهلكة، وأنّ عليهم الاعتراف بفشل هذه الأساليب على مدى نصف قرن ونيّف، وتغييرها كي يصبحوا قابلين للحياة وللاستمرار.

في عالم تتلاطم فيه أمواج المبادرات والجهود لصياغة المستقبل من كلّ حدب وصوب، تبدو لي الكتلة العربيّة الرسميّة العاجزة والشعبيّة التي فقدت أملها وقوتها، جاثمة أمام الشاشات لتشاهد وتتابع نتائج الاستفتاء البريطاني وتنشغل بعدها بتحليل الأسباب والنتائج، من دون أن تُغفل التفكير مليّاً في حظوظ المرشح دونالد ترامب أو المرشحة هيلاري كلينتون، قبل أن تُفاجأ برسالة اعتذار من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتحاول التقاط أنفاسها لفهم هذا التحوّل المهم في المنطقة، ومن ثمّ تصغي إلى التقرير عن خطاب الرئيس بوتين أمام سفراء روسيا الاتحادية في العالم، الذي تحدّث فيه بكل فخر واعتزاز عن عقيدة روسيا في السياسة الخارجية، التي ترتكز على احترام سيادة الدول والحفاظ عليها.
وضرَبَ مثلاً على ذلك جهود الدبلوماسية الروسية، ومن بعدها سلاح الجيش الروسي لكبح جماح شهية الغرب، بتدمير سوريا بعدما دمّر العراق وليبيا تحت ذرائع كاذبة عن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. 
وبعد هذا وذاك يترقب المواطن العربي نشر اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) تقريرها عن سبل إحياء جهود السلام، الذي من المرجّح أن يكتفي بتوجيه النقد إلى سياسة الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، من دون أن يتوقف المشاهد ربما عند كلمة ينتقد، أو كلمة سياسات، بدلاً من جرائم استيطانية وعنصرية ضدّ الشعب الفلسطيني، التي تتفاقم منذ سبعين عاماً، بينما تتراجع اللغة والمواقف الضاغطة التي يمكن أن تكون صادمة لإعادة الحقوق الفلسطينية إلى أصحابها الشرعيين. 
ومن ثمّ يفاجأ بخبر اقتراح أوباما على روسيا إبرام اتفاقية بشأن التعاون العسكري في مجال محاربة الإرهاب في سوريا، وقبل ذلك بزيارة وزير الدفاع الليبي حفتر إلى روسيا ولقائه وزير الدفاع الروسي، الأمر الذي لا يجري طبعاً من دون تنسيق روسي مع الولايات المتحدة، وبعدها مباشرة إعلان زيارة وزير خارجية تركيا إلى سوتشي للقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بينما تبذل دول تسمّى عربيّة جهدها لعدم لقاء الجيشين السوري والعراقي في محاربة الإرهاب، وتنشغل هذه الدول ذاتها بخدمة ما يمليه عليها أسيادها من أجندات، من دون أن يكون لديها مرجعيّة وطنيّة أو عربيّة أو حتى إقليميّة. 
وهنا في هذا المفصل الحساس والمهم جداً من تاريخ البشرية، من حقّ المواطن العربيّ أن يتساءل، هل تحوّل العرب إلى مراقبين لما يحدث في منطقتهم وما يحدث لهم؟  وهل تحوّل بعضهم إلى أدوات في أيدي أعداء العرب لتنفيذ مخطط استنزاف ثروات الأمة وشرذمتها وإضعافها، بينما يسعى الخصوم والأصدقاء، كلٍّ بطريقته، وبحسب الممكن له من الفعل، لتحسين مواقعه وحظوظه في صياغة عالم جديد يتكوّن أمام أعيننا؟ وهل يمكن أن نشاهد إخراج فلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي من محاولة التسويات، وحركة نتنياهو من عاصمة إلى أخرى لقضم حقوق الفلسطينيين وتغشية أبصار العالم بحديث عن دولتين لم يترك للفلسطينيين اليوم أرضاً تقارب حتى ما نصّت عليه القرارات الدولية، فضلاً عن حق العودة الذي يصادره الأعداء بخبث وتنسيق وتمويل، ونحن مجرّد مشاهدين للاحداث؟ 
أمام المواطن العربي خياران: إما أن يستسلم لتعقيدات المشهد ويصيبه القنوط واليأس من واقع رسميّ عربيّ متردٍ ومتواطئ علناً مع الأعداء ضدّ الأشقاء في العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين وليبيا، هذا الواقع العربي المتخاذل يقف اليوم مع إسرائيل ضدّ شعب فلسطين، ويساهم في تدمير العراق منذ 1979 ويستمر في تدمير ليبيا ويموّل ويدعم حرب الإرهاب ضدّ سوريا ويقصف اليمن، أو أن يكون هذا المواطن قادراً على إعادة التفكير استراتيجيّاً وبعمق، تماماً كما يفعل كل الآخرين، ويراجع كل تاريخنا وحاضرنا من دون رياء أو مكابرة، أو على الأقل دراسة تاريخنا الحديث منذ احتلال فلسطين، أو حتى منذ حرب 1973، ليضع النقاط على الحروف ويُسميّ الأشياء بمسمّياتها ويدرك ويستنتج أين كانت المواقف التي قادت الأمة إلى هذه الحالة من التردّي والشرذمة. 
سيجد المواطن العربي من دون شكّ أن الإختراقات بين صفوف هذه الأمة تحت عنوان اختلاف الآراء كانت سبباً رئيساً في كل ما تعرضت له في تاريخنا الحديث. فها نحن نشهد لدى أعدائنا وخصومنا وأصدقائنا أن لا خلاف أبداً مسموحاً به على القضايا المصيريّة والجوهريّة، وأن الخلافات الوحيدة المسموح بها هي التي تصبّ جميعها في تعزيز المواقف والمصالح الوطنية. 
فكيف تقبل هذه الأمة في تاريخها الحديث أن تكون أصواتاً في سدة الحكم تقف ضدّ التحرير وضدّ المقاومة وضدّ فلسطين وضدّ عروبة وسيادة سوريا والعراق واليمن وليبيا ووحدة أراضيها؟ وهل وجد العرب يوماً عملاء لهم في صفوف خصومهم مستعدين لبيع مصالحهم الوطنية لقاء مال أو مراكز أو أي مغريات تُعرض عليهم؟ 
في حمأة هذه الأحداث المتسارعة لن يُحدِث ترامب أو هيلاري أي فرق في مجريات حياة العرب، ولن يؤثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في لقمة وصحة وتعليم المواطن العربيّ، ولكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغيّر من واقع العرب ومن مستقبلهم هو أن يؤمنوا بأنهم جميعاً في قارب واحد، وأن الحرب التي يشنونها على سوريا سترتد عليهم عاجلاً أم آجلاً، وأن خلاص سوريا هو خلاص لهم، وأن عودة الأمان إلى سوريا هو أمان للعرب وللمنطقة والعالم.  
لا شكّ أن مصير سوريا سيحدد مصير العرب جميعاً بغضّ النظر عن العجز الرسميّ العربيّ، وقد كانت دائماً بلاد الشام منارة العروبة وستبقى، برغم كل الآلام والدماء التي يتسبب بها عجز العرب أنفسهم عن كونهم فاعلين ومرنين في عالم يتميز بسرعة الإيقاع والتحوّل. 
لا مناص أمام العرب سوى أن يعترفوا بأن أساليبهم التي يتّبعونها اليوم تقود إلى التهلكة، وأنّ عليهم الاعتراف بفشل هذه الأساليب على مدى نصف قرن ونيّف، وتغييرها كي يصبحوا قابلين للحياة وللاستمرار. 

 

د.بثينة شعبان

مفكرة عربية