حذرت خبيرة دولية وباحثون اجتماعيون من تنامي ظاهر الانتحار في السعودية، مؤكدين أن ما يعلن من أرقام لا يعكس إلا جزءاً من الحقيقة، فالوضع أسوأ بكثير، موضحين أن الأمراض النفسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مقدمة الأسباب.
وقالت د. منى الصواف، الخبيرة الدولية للأمم المتحدة في مجال علاج الإدمان عند النساء واستشارية الطب النفسي ورئيسة وحدة الطب النفسي بمستشفى الملك فهد بجدة أن الإحصاءات بعدد الحالات المسجلة غير دقيقة، ولا تعكس حجم المشكلة أو حتى توضح الأسباب المتعلقة بحالات الانتحار. وأضافت د. الصواف إلى قائمة الأسباب إدمان الكحول، والضغوط الاقتصادية الحادة وفقدان الدعم المادي والتعرض للأزمات النفسية الشديدة خاصة حالات الكوارثالتي يصنعها الإنسان مثل ضحايا الاغتصاب والحروب والقتل والتي زادت نسبة حدوثها في الفترات الأخيرة، وأيضا تلك التي تنتج عن وجود قناعات ومعتقدات إما سياسية أو دينية تجعل الشخص(وغالبا الرجال) يقدم على تفجير نفسه ضمن الأعمال الانتحارية ". وأشارت إلى أن هناك حالات كثيرة من الانتحار الجاد والتي تنتهي بالوفاة لا يتم الكشف عنها لعدة أسباب خاصة في بعض المجتمعات التي توجد فيها خلافات بين النظرة الدينية والنظرة الطبية لموضوع الانتحار، ويتم تسجيل أسباب أخرى، ولذلك لاغرابة عندما تعلن وزارة العدل السعودية انها سجلت 27 قضية محاولة " انتحار " خلال أول ثلاثة أشهر من العام الجاري، مؤكدة أن مدينة الرياض تصدرت بواقع 12 محاولة انتحار، خاصة وان الجهات المعنية تفضل إحالة الوفاة إلى " سبب غير محدد " دون عرضها على الطب الشرعي، ما يجعل الإحصاءات المذكورة غير دقيقة بما فيه الكفاية. ورغم غزارة الأخبار عن الانتحار، فإن الأرقام الرسمية عن عدد المنتحرين تظل مجهولة. لكن بعض الأطباء يقولون إن معدل الانتحار في السعودية، خصوصاً بين الأطفال والشباب، وصل إلى أرقام مخيفة نسبياً، ولم تعد احالة الامر الى اسباب نفسية واجتماعية مقنعة، وربط بعض الكتاب بين تزايد ظاهرة الانتحار هذه ومسالة الربيع العربي ومحاولة البعض تقليد بو عزيزي الذي كان لجوئه الى حرق نفسه سببا في اندلاع شرارة الثورات العربية التي انطلقت من تونس.حالتي انتحار يوميا في السعوديةوكانت اخر إحصائية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية السعودية تقول بأنّ عام 2009 شهد 787 حالة انتحار في السعودية، بمعدل حالتين يومياً، وأنّ عدد الحالات زاد عن عام 2008 بتسع وثلاثين حالة. وكانت إحصائية اخرى صادرة عن إدارة التخطيط والإحصاء في وزارة الداخلية السعودية كشفت عن زيادة في نسبة حالات الانتحار في البلاد خلال الفترة من 1994-2006، وهو العام الذي سجلت فيه 261 حالة انتحار، بنسبة 185 في المائة، محققة زيادة بمقدار الضعف في هذا العام مقارنة بسنة الأساس 1994. وسجلت العاصمة(الرياض) أعلى نسبة في حوادثالانتحار من بين جميع المناطق الاخرى في السعودية. والجدير بالذكر أنّ حالات الانتحار المسجلة أقل من تلك التي تحدثعلى أرض الواقع ويعود ذلك إلى حساسية اجتماعية تجعل الأهل يرفضون إرسال جثة المنتحر إلى الطب الشرعي، كما أنّ الجهات المعنية تفضل إحالة الوفاة إلى «سبب غير محدد» دون عرضها على الطب الشرعي، ما يجعل الإحصاءات المذكورة غير دقيقة بما فيه الكفاية. وأظهرت إحصائيات شبه رسمية بأن عدد العاطلين عن العمل يصل إلى مليون و700 الف شخص، أي ما يقارب %18.8 من القوة العاملة السعودية نهاية 2011، من بينهم آلاف الحاملين لشهادات الدكتوراه والماجستير، في حين أن وزارة العمل أشارت إلى أن عدد العاطلين هو مليون فقط، أي حوالي %11 من القوة العاملة.ظاهرة الانتحار وحالة اليأس لدى الشبابوأوضحت دراسة لثلاثة أكاديميين سعوديين أن 84% من محاولي الانتحار هم شباب لم يتجاوزوا سن الخامسة والثلاثين، وأن 58% من المنتحرين هم من الذكور، مقابل 42% من الإناث. وبعيدًا عن محاولة بعض وسائل الإعلام إحالة الظاهرة إلى الأمراض النفسية فإن كثيرا من حالات الانتحار ارتبطت بشكل مباشر بقضايا البطالة وانسداد الأفق أمام الشباب. وتصاعد التذمر بين الشباب في السعودية بسبب البطالة المتفاقمة في أغنى بلد نفطي في العالم، الأمر الذي يحوله إلى قنبلة سياسية تهدد الحكومة وتدفع بعضهم الى التطرف. وكشف استطلاع للرأي أن 84 في المائة من الشبان السعوديين يرون البطالة أهم مشكلة تواجههم، تليها قضيتا المخدرات والإرهاب بنسبة 72 في المائة. وكشفت الدراسات العلمية التي اجريت لاستبيان الخلفيات الكامنة في ظاهرة الانتحار واستفحالها في السعودية، فتوصلت دراسة قام بها الدكتور صالح الرميح، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك سعود بالرياض حول «العوامل المؤدية لمشكلة الانتحار وأساليب الحماية»، وهي دراسة اجتماعية ميدانية طبقت في مدينة الرياض. أوضحت الدراسة أن 91 في المائة من أفراد العينة لم يكن أحدهم يتمنى أن ينقذه أحد، وهذا يدل على نية الانتحار والإصرار عليه، وسجلت نسبة 9 في المائة من المبحوثين أنهم كانوا يتمنون أن ينقذهم أحد، وفي هذه الحالة ترى الدراسة أن الانتحار كان عملاً أقرب إلى التهديد منه إلى الفعل المقصود، بمعنى ان الانتحار كان بمثابة التعبير عن فعل احتجاجي ضد الواقع السلبي المعاش، وليس تبني الانتحار لذاته.اغلب حالات الانتحار احتجاج على الواقع المعاشومن النقاط التي توصلت اليها دراسة الرميح ان 57 بالمائة من المبحوثين هم من الذين لديهم شهادات المتوسطة والاعدادية، واوضحت الحالة المهنية للمبحوثين أن 79 في المائة منهم من العاطلين عن العمل، وعلى خلاف الراي الذي يقول ان معظم المنتحرين هم من متعاطي المخدرات، خلصت دراسة الدكتور الرميح الى أن 63 في المائة من المبحوثين لم يتناولوا أي مخدر أو مواد كحولية عند محاولتهم الانتحار، وعلى ان 88 بالمائة من المبحوثين لم يسبق ان انتحر احد افراد اسرهم. من هنا نستنتج ان ظاهرة الانتحار في السعودية يمكن مشاهدة تجلياتها في الياس من الاصلاح السياسي وغربة الروح من الانغلاق الاجتماعي، والتطبيق الفظ للشريعة، فضلا عن عوامل اخرى من قبيل الفقر والبطالة وعدم وجود فرص مناسبة للعمل. *احمد ابراهيم