كان محمد بن عبدالله (صلى الله علية وآله وسلم)، ينقطع في غار حراء اياما معلومة وشهرا متواصلا في كل عام، يقضي اوقاته بالعبادة والتأمل والانقطاع لرب العالمين، بعيدا عن اجواء الجاهلية ومفاسدها في جو خاص من الاعداد الالهي، لحمل الرسالة العظمى.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾(الأحزاب / 45 ـ 46) استمر النبي(صلى الله علية وآله) على عبادة الله تعالى في غار حراء حتى بلغ الاربعين من عمره الشريف، إذ نزل علية جبريل عليه السلام بالوحي، تاليا عليه آيات من القرآن الكريم، ليكون خاتم النبيين، وأول ماتلي عليه:(إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * إقرأ وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان مالم يعلم). العلق / 1-5. وهكذا تلقى خير البشر أول كلمات الوحي الذي كان ينتظره ليحمل الى البشرية مشعل النور والهداية. وكانت البشائر التي ذكرتها الكتب السماوية السابقة كالتوارة والانحيل تنبيء بقرب مبعثرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والاحاديثتلف الجزيرة عنه، وعلماء اهل الكتاب يقرأون في كتبهم عن اقتراب بعثة نبي جديد يملأ الدنيا نورا وهداية وبركة ورغم التحريف والتغيير الذي لحق بهذه الكتب، إلا انه مازال فيه بعض هذه الاخبار. عاد النبي محمد(صلى الله علية وآله) إلى داره يحمل مشعل الخير والهدى والخلاص للعالمين واضجع في فراشه ليأخذ قسطا من الراحة، وف تلك اللحظات كان النداء الثاني من الوحي الإلهي:(ياايها المدثر* قم فانذر* وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر) المدثر / 1-5. إنه نداء الانطلاق والتبشير بالدين الجديد وحل الدعوة الالهية الى الناس فما كان من رسول الله إلا ان صدع بالامر، فبادر إلى إعلام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي لم تدنسه الجاهلية بدنس، ولم يسجد لصنم قط، فقد كان يعيش في كنف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي بيته، فلبى دعوة الله، وعانقت روحها روحه. وعرض الرسول(صلى الله علية وآله) دعوته على زوجته خديجة عليها السلام، فلبت نداءه وآمنت برسالته، وبذلك تشكلت نواة المجتمع المؤمن المتيقن في الارض، من محمد وعلي وخديجة. راح الرسول الاكرم يدعوا سرا من يتوسم الاستجابة فازداد عدد المؤمنين بهذه الرسالة، ولكي يتحقق اعداد الطليعة كان الرسول يعلمهم القرآن وأحكام الرسالة كما كانوا يقيمون الصلاة في الشعاب بعيدا عن أعين الرقباء. ولما كثر عدد المؤمنين به وخشوا أن ينكشف أمرهم، اتخذوا من دار الارقم المخزومي مقرا للتعليم والاعداد والعبادة. مضت على هذا اللون من الدعوة إلى الاسلام ثلاثسنوات فبدأت قريش تتحسس حركة الدين الجديد وفي تلك الاثناء امر الله تعالى رسوله الكريم أن ينذر الاقربين من عشريته، وكان عدد المؤمنين قد بلغ الاربعين رجلا:(وأنذرعشيرتك الاقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فان عصوك فقل إني بريء مما تعملون). وهكذا انطلقت هذه المسيرة العظيمة لتنير الدرب للبشرية جمعاء للوصول الی ساحل البر والأمان، ويأخذ بيدها إلى الخير والسلام آمنة مطمئنة. وقد قال الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام مشيرا الی بعثة الرسول الاکرم(صلى الله علية وآله):(بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلاَّلٌ فِی حَيْرَة، وَحَاطِبُونَ فِی فِتْنَة، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ، وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْکِبْرِياءُ، وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِليّةُ الْجَهْلاَءُ; حَيَارَى فِی زَلْزَال مِنَ الأَمْرِ، وَ بَلاَء مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ و آلِهِ فِي النَّصِيحَةِ، وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِکْمَةِ، وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ). وفي الختام نرفع أكف الضراعة لله تعالى في أن يوفّقنا جميعا للسير على نهج رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، والاقتداء بهم في مسيرة الحياة الدنيا وما يحيط بها من مصاعب ومحن، وان يمن علی الاسلام والمسلمين بالنصر وظهور صاحب الامر والزمان الامام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف ليملیء الارض قسطا وعدلا کما ملئت ظلما وجورا، إنه سميع مجيب. السلام عليك يا نبي الله و رسوله، السلام عليك يا صفوة الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا أمين الله وحجته، السلام عليك يا خاتم النبيين وسيد المرسلين، السلام عليك أيها البشير النذير، السلام عليك أيها الداعي إلى الله والسراج المنير، السلام عليك و على أهل بيتك الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.