لم تكن مدينة القصير الواقعة على نهر العاصي في أسوأ حساباتها تتوقع ما حصل لها منذ عامين تقريبا، ولم يكن أهل القصير هذا النسيج المختلط الذي تعايش بسلام وود منذ مئات السنين يتصورون في أسوأ كوابيسهم النكبة التي حلت بهم، بسبب وصول آلاف التكفيريين الآتين من وراء البحار ومن خلف الضباب ليفرضوا عليهم نمط حياة وتفكير ليس من تاريخهم، ولا يتناسب مع النسيج المتعدد للمدينة  وطبيعة القرى والبلدات المنتشرة حول المدينة على ضفاف العاصي ، والتي تشكل بتركيبتها بيئة مناهضة لكل التكفيريين من الصومال وليبيا وتونس وداغستان وجماعات القاعدة الذين اتوا القصير وجعلوا منها إمارة تكفيرية ، وكان وجودهم لسبب خاص بهم ، وهدف عقائدي طائفي استئصالي حملوه معهم بعيدا عن المطالب في الديمقراطية والحرية ، وكل الشعارات التي حُمِلت منذ بدء الحرب في سوريا وعلى سوريا. القصير هذه المدينة التي شهدت انتعاشاً اقتصادياً في الثلاثين السنة الماضية خلافا لجوارها السوري ، حظيت بهذا الانتعاش والتطور بفضل جوارها لمدينة الهرمل حيث يدخل في كل صباح اكثر من الف عامل من القصير للعمل في الهرمل ، فيما تحولت المدينة وأسواقها الى سوق تبضع لأهالي الهرمل الذين يتمتعون بمداخيل أعلى بكثر من نظرائهم في القصير بسبب الفارق في مستوى المعيشة، وكانت سوق القصير تقفر عند تأخر معاشات الموظفين في الهرمل ، او عند اغلاق الحدود لسبب من الأسباب ، كما ان العلاقات بين المدينتين تطورت الى حالات زواج مختلط ومصاهرات بين عائلات المدينتين ، ويتواجد حاليا في قرى ( المصرية، حوش السيد علي ، المعيصرة ، زيتا) الاف السكان من أقرباء لقيادات في الجماعات المسلحة التي اجرمت خلال العامين الماضيين، وهؤلاء الناس يعيشون مع عائلات الهرمل لم يمسهم أحد بسوء رغم عدد الشهداء الذي سقط ، ورغم التهجير الذي حصل ، وهذا كله يعود الى نفوذ حزب الله في المنطقة الذي شكل في هذه الحالة مظلة حماية من الانتقام الطائفي ، وحافظ على وجود مئات العائلات السنية في هذه المنطقة. اكتب عن الحرب في القصير المدينة التي أعرفها منذ صغري ، كونها جارة مدينتي الهرمل التي ينبع منها نهر العاصي ليروي القصير وريفها ، قبل ان يمر عبر الجمهورية العربية السورية من الجنوب الى الشمال ليصب في تركيا، وقد يأتي يوم اروي فيه الكثير من الأخبار التي لم تعلن ، ولم تنشر عن سيطرة المد التكفيري بدايات العام 2012 على المدينة ، في تزامن مع العمل الطائفي المنظم الذي بدأ في حمص، التي عايشت بداية العمل الطائفي فيها عبر التواصل مع بعض الذين تم اختطاف أبنائهم في المدينة ، والذين طلبوا مني ايصال أسماء أبنائهم المختطفين الى بعض المراجع في المعارضة السورية التي أعرفها ، وكان يومها أسم (محمد صقر خليف) يتردد في المسؤولية عن عمليات الخطف الطائفي في حمص، ولكن خليف هذا بعد الاتصال به أخبر الوسطاء أن اولاد عائلة (دوم) الذين خطفهم تم تنفيذ حكم الشرع بهم وبكل من لا يغادر المدينة من الكفار والمرتدين ، كان (محمد صقر خليف) أول زعيم مجموعة تكفيرية شكلت في حمص وضواحيها قبل الذبح الطائفي الكبير منتصف 2012 والتهجير الطائفي الكبير الذي شهدته المدينة نهاية 2012 . وأذكر يومها اني التقيت في مؤتمر صحافي في فرنسا (برهان غليون) الذي هو ابن محافظة حمص ، وكان يومها رئيسا للمجالس الوطني السوري، وسألته عن اعمال التطهير الطائفي في حمص فرفض ادانتها . في القصير كان الوضع أخطر وأدق، فالمدينة التي يوجد فيها خليط ديني ومذهبي ، محاطة بقرى سورية موالية للنظام بتركيبتها ، وقرى سكانها لبنانيون شيعة ، ولكنها داخل الأراضي السورية بفعل التقسيم الذي فرضته فرنسا في أربعينات القرن الماضي، ولا أخفي سرا إن قلت ان كاتب هذه السطور له في هذه القرى أقرباء واملاك وبيوت تعود الى مائتي عام خلت. منذ بداية العام 2012 خرجت مدينة القصير عن سلطة الدولة السورية ، وبدأت ملامح الإمارة التكفيرية تظهر عليها مع توافد المئات من التكفيريين الغرباء عن بلاد الشام الى المدينة التي شهدت يومها أول عملية تهجير طائفي عبر حرق صيدلية لشخص سوري من آل (حمادي) بسبب رفضه اغلاق صيدليته والمشاركة في التظاهرات ضد النظام ، وما لبثت هذه الحالة ان عممت على المؤيدين للنظام او على الحياديين من المسيحيين والشيعة الذين هجروا من المدينة بعد توسع عمليات القتل ضدهم . بعد تنظيف المدينة طائفيا ، اتجهت العناصر التكفيرية التي شكل الغرباء غالبيتها وهم من (صوماليين ، توانسة ، ليبيين ، داغستانيين ، شيشان) اتجهت هذه العناصر الى السيطرة على ريف القصير خصوصا الريف الغربي لنهر العاصي الذي يتواجد فيه لبنانيون من أهالي الهرمل، وتم تهجير القرى التالية وافراغها من أهلها وهي: ( ابو حوري ، الحمام، الأظنية، الفاضلية، عين الدمامل ، سقرجة ، النهرية) وهذه القرى على تماس مباشر مع مدينة الهرمل ، وقد أقام المسلحون التكفيريون منظومة عسكرية متكاملة في كل من (النهرية وسقرجة ) التي أصبحت خط اشتباك يومي مع أهالي منطقة الهرمل حتى شهر نيسان/ابريل الماضي تاريخ طرد هذه الجماعات من هذه القرى. في تلك الفترة بدأت عمليات خطف وقتل طائفي بحق أبناء من الهرمل من الذين يعملون في التجارة او سائقي نقل عمومي على طرفي الحدود، وكان أول ضحاياه شاب من الهرمل اسمه (محمد سمير بليبل) من الذين ينطبق عليهم مقولة (على باب الله) خطف في ريف القصير، ولم يعرف مصيره الا عند عملية تبادل بين ال جعفر والمسلحين، عندما اعترف مخطوفون من القصير أن من خطفه زعيم الجماعات المسلحة (مصطفى صالح عامر) المعروف بعمليات الذبح والقتل، يومها تدخل حزب الله في الهرمل بشكل حاسم، ومنع فتنة طائفية كبرى في البلد خصوصا ان في الهرمل حوالي 600 عائلة سورية ، ومن الانصاف القول ان عشرة بالمائة فقط منها مسلمون شيعة فضلا عن علاقات (مصطفى العامر) في مدينة عرسال اللبنانية التي كان يتردد عليها دوريا. ولم تتوقف هذه الأعمال حيث تم اختطاف جعفر مدلج وقتله ، ومحمد عبد العباس الذي اختطف وتمت تصفيته، ومن ثم اختطف شخص من آل زعيتر ، وهذا الرجل ارسل الى أهله مقطعا في كيس من البلاستيك ، وطوال هذه الفترة كان حزب الله عامل التهدئة الوحيد في المنطقة التي كانت ستشهد حملة ثأر طائفي غير مسبوقة لولا تدخل حزب الله الذي كان له اكثر من دور في لجم هذه الفتنة في عمليات التبادل التي تمت أكثر من مرة بين آل جعفر والمسلحين في سقرجة أو في عملية الاختطاف الأخيرة لشخص من آل جعفر في بلدة عرسال شمال البقاع التي تشكل قاعدة دعم وامداد للمسلحين في القصير وحمص. تزامنت كل هذه التعديات مع وصول عدد المسلحين التكفيريين على حدود مدينة الهرمل الى ما يقارب 17 الف مسلح غالبيتهم من القادمين من خارج منطقة الشرق الأوسط ، وبدأت معالم جبهة تتشكل على حدود الهرمل ، وكان الأهالي يسمعون عبر اللاسلكي المسلحين بلهجات تونسية وليبية وخليجية حوارات بين المسلحين الذي كانوا يتوعدون اهالي الهرمل باقتحام مدينتهم وقتل رجالهم وسبي نسائهم، ومن الاتصالات التي رصدت في شهر رمضان الماضي حديث عن نية المسلحين الافطار في مدينة الهرمل. وتحولت المنطقة خلال العام الماضي الى جبهة حرب حقيقة بين أهالي الهرمل والمسلحين ، فيما كان موقف حزب الله لأهل القرى المواجهة ان من يريد ان يترك هو حر ومن يريد البقاء له الحرية، في وقت كانت الاشتباكات بين اهالي المنطقة والمسلحين الغرباء تستمر يوما بعد يوم. في شهر نيسان/ابريل الماضي حصل التطور الكبير والمرعب في تلك المنطقة بتمكن المسلحين التكفيريين من السيطرة على تل النبي مندو الاستراتيجي الذي يشرف على كل منطقة حوض العاصي ، وقد أعدمت الجماعات المسلحة حامية التل من جنود الجيش العربي السوري بدم بارد، وبدأت عملية تحصين في التل، وأتت بمئات المسلحين اليه في استمرار للهجوم نحو قرى شيعية أخرى ( حاويك، زيتا، الديابية) كانت مهددة بالتهجير، وبالتالي يصبح المسلحون يمسكون بجبهة تشكل طوقا من أربع جهات حول الهرمل من جهة سوريا في القصير ومن جهة الشمال اللبناني حيث كانت تدور من وقت لآخر معارك بين ال جعفر ومسلحين في اكوم السورية ، وثالثة في منطقة عكار ، ورابعة عبر الطريق المؤدية لبعلبك والتي انتشر فيها مسلحون من الجيش الحر في مزارع سيطر عليها ناشطون سلفيون من عرسال على امتداد سهل رأس بعلبك التي تعتبر طريق وصل الهرمل بمدينة بعلبك وبالبقاع. بعملية تل مندو اكتملت عملية عزل مدينة الهرمل وأهلها ، تزامنا مع عملية خطف حسين جعفر التي تطورت الى عمليات خطف مضادة هددت بفتنة طائفية شاملة في لبنان ، ومعها بدت سياسة الصبر والنأي بالنفس سياسة انتحارية بكل معنى الكلمة ، في وقت انخرط فيه الكثيرون في لبنان من قوى 14 اذار والجماعات السلفية في المعركة التي تحولت الى حرب تهجير وإبادة طائفية ليس لها علاقة بأية مطالب اصلاحية في سورية. مكره أخاك وبطل... هذا هو حال المقاومة وأهلها في حرب فرضت عليهم ، لم يريدوها ولم يسعوا لها، لكنهم قرروا خوضها ببطولة وشجاعة حتى الحسم الكامل القريب ومهما كلف الثمن.