عندما قصفت الطائرات الاسرائيلية اهدافا قرب دمشق الاسبوع الفائت اعتقد البعض ممن اصيبوا بسوء التقدير ان الضربة قد شلت الجيش السوري وان دخول اسرائيل على خط الهجمات المباشرة سوف يقوض القدرات العسكرية السورية ويسمح للمعارضة المسلحة بالخروج من حالة الانهاك واستعادة نشاطها بعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها في مختلف مناطق البلاد. في المقابل ارتفعت اصوات تنتقد عدم حصول ردة فعل عسكرية تلقائية سورية على العدوان, وتدعو الى رد فعل عسكري في اقرب وقت حفاظا على المعنويات. هل اثرت الضربة على حيوية الجيش السوري وكيف كان رد سوريا وتحديدا رد الرئيس بشار الاسد؟
بالطبع الطائرات الاسرائيلية قصفت اهدافا عسكرية واصابتها الا ان الاضرار ليست من النوع الذي لا يعوض والجيش السوري قادر على الاستمرار والبقاء على جهوزية عالية وبالفعل ما ان مضى يومان الا واثبت الجيش ديناميته وسيطر على خربة غزالي احد معاقل المعارضة المسلحة على طريق دمشق درعا.
اما الرد السوري فهو رد استراتيجي شامل نفهمه بعرض واقع المواجهة السورية الاسرائيلية. منذ التوصل الى اتفاقية فصل القوات على جبهة الجولان في ايار 1974 وانتشار قوات الفصل الدولية على جانبي الحدود, ساد الهدوء على تلك الجبهة ونشأت قواعد اشتباك سورية اسرائيلية تمثلت في الهدوء بين البلدين. لكن اسرائيل نقلت الاشتباك الى خاصرة سوريا اي لبنان, ومنذ ذلك الوقت تشتبك اسرائيل مع المقاومة الفلسطينية وسوريا ومن ثم المقاومة اللبنانية. عام 2004 خرقت اسرائيل اتفاقية الفصل ونفذت غارتها على موقع عين الصاحب في ريف دمشق, وفي عام 2007 نفذت غارة على موقع الكبر في دير الزور من دون رد عسكري سوري. منذ اشهر شنت اسرائيل غارة على موقع جمرايا والاسبوع الفائت غارات على عدة مواقع في ريف دمشق, الهامة والديماس وجمرايا وقدسيا, وايضا من دون رد. بعد هذه الغارات تكون اسرائيل قد بدأت بتغيير قواعد الاشتباك مع سوريا وبانتهاك اتفاقية فصل القوات التي تراقبها القوات الدولية في الجولان. نعم رد الرئيس الاسد واعلن من طرفه ايضا تغيير قواعد الاشتباك. كيف؟
في البداية ما هي قواعد الاشتباك؟ في العلم العسكري انها تعني القواعد التي تلتزمها القوات المسلحة عند استعمال القوة اثناء خوض العمليات الحربية في المسرح الدولي أو الإقليمي أو الوطني, سواء في النزاعات المسلحة أو مهمات حفظ السلام. وهي قواعد لها أبعاد قانونية وعسكرية وإستراتيجية وسياسية وعملياتية. ويعرف حلف شمال الأطلسي قواعد الاشتباك بإنها إيعازات تصدر من جهة عسكرية مأذونة ترسم الظروف والحدود التي يسمح فيها للقوات المسلحة بالشروع في الإشتباك أو مواصلته. ليست قواعد الإشتباك تعليمات تكتيكية يسترشد بها القادة العسكريون, ولكنها ترسم اطارا للإشتباك مثل تنظيم استعمال الأسلحة أو التصدي لهجوم معادي. لذا فإن قواعد الإشتباك تعدل وتغير بما يؤمن الرد الكافي على اي طارئ.
انطلاقا من مفهوم قواعد الاشتباك, اتخذ الرئيس الاسد جملة قرارات لتغيير هذه القواعد التي ارادت اسرائيل ان تتغير لصالحها. القرار الاول هو الاعلان ان توجيهات صدرت الى القادة الميدانيين بالرد الفوري على اي اعتداء اسرائيلي من دون مراجعة القيادة, اي ان الرد العسكري السوري على اية عملية هجومية اسرائيلية بات في خانة الاوامر الدائمة وليس من الاوامر الطارئة او الظرفية. تشكل هذه التوجيهات تطورا نوعيا في العمل القيادي العسكري. والقرار الثاني هو ان الاسد اعلن عن فتح جبهة الجولان امام العمل المقاوم بعدما خرقت اسرائيل اتفاقية فصل القوات مرارا من دون اي ادانة من مجلس الامن الدولي ولا من الامانة العامة للامم المتحدة التي هي فريق في الاتفاقية ومسؤولة عن مراقبتها بواسطة قوات الفصل. ان فتح هذه الجبهة يؤدي الى هجمات مقاومة داخل الجولان وهي حسب القانون الدولي هجمات محقة لان الجولان ارض عربية سورية محتلة وتأتي بعدما فشلت الجهود الدبلوماسية والسياسية في اعادتها الى سوريا ولم يعد هناك وسيلة الا انطلاق مقاومة مسلحة مشروعة لتحريرها. سيؤدي انطلاق المقاومة الى استنزاف اسرائيل جيشا وحكومة ومجتمعا وهو امر يصعب عليها ان تتحمله خصوصا في الظروف الحالية.
القرار الثالثهو رد واضح وصريح على الادعاءات الاسرائيلية من انها قصفت قوافل او مخازن اسلحة متطورة في طريقها الى حزب الله في لبنان. الاسد رد ان سوريا لن تكتفي بالسماح بمرور الاسلحة الى حزب الله فقط بل ستقوم بنفسها بتزويد المقاومة اللبنانية بالسلاح واضاف, واكد ذلك السيد حسن نصرالله امين عام حزب الله في خطابه الاخير, انه سيرسل اسلحة تكسرتوازن الامر الواقع القائم حاليا, اي انه سيرسل اسلحة نوعية تقلب موازين القوى في النزاع القائم حاليا. يعد هذا التطور انتقالا من مرحلة الى اخرى في الصراع مع اسرائيل تبدو فيها سوريا والمقاومة في مرحلة تغير فيها قواعد الاشتباك وتنتقل الى مرحلة جديدة مختلفة كليا عن المراحل السابقة. يسمح هذا الكلام باستشراف طبيعة المواجهة المقبلة حيثستكون مختلفة عن مواجهات عام 2006, لان الطيران الحربي الاسرائيلي سيفقد حرية التحرك والتحليق والعمل في الاجواء اللبنانية كما كان الحال في حرب 2006. يرجح ان تمتد تغطية الدفاع الجوي من سوريا الى لبنان وان تحصل المقاومة على سلاح دفاع جوي متطور يتصدى للطائرات الاسرائيلية التي تحلق في الاجواء اللبنانية.
لقد غير الرئيس الاسد قواعد الاشتباك التي كانت قائمة منذ عام 1974, وبتنا امام واقع جديد. وستدفع اسرائيل ثمنا باهظا في كلفة مواجهة هذا القرار, ولن يقتصر ذلك على المال بل على امنها واستقرارها وصورتها في المنطقة والعالم. سيدخل العالم العربي في مرحلة جديدة مع نشوب حرب مقاومة واستنزاف ضد اسرائيل. وسيتغير سلوك المجتمع الدولي تجاه حرب المقاومة الجديدة والتوازن الجديد في الردع بين سوريا والمقاومة اللبنانية من جهة والعدو الاسرائيلي من جهة اخرى ولن يكون امامه الا الاقرار بهذا الواقع الجديد والعودة الى قراراته السابقة التي تنصف العرب والفلسطينيين والمباشرة بتنفيذها بعد اهمالها لعقود من الزمن.