قدّمت السلطات السعودية عدداً من الشبان مؤخراً إلى المحاكمة بتهم التظاهر والتجمهر والخروج على ولاية الأمر وإثارة الفوضى، بعضهم من المعتقلين السابقين، وآخرون معتقلون حالياً، حيث يتم تحويل المتهم إلى المحكمة من دون توافر محام، وفي الكثير من الأحيان من دون علم أهله. وفي هذا الصدد، أشار عضو "مركز العدالة لحقوق الإنسان" أحمد المشيخص إلى أن المركز طالب خلال عامين بمحاكمة المعتقلين لدى السلطات الأمنية في المملكة، "سواء أولئك الذين تم اعتقالهم في الأحداث الأخيرة أو الذين يقبعون وراء القضبان منذ سنوات دون محاكمة"، فبدأت السلطات في تحويل 45 متهماً ممن تم الإفراج عنهم إلى جلسات محاكمة في القطيف، عادة ما يغيب فيها المحامون، لعدم قدرة المتهم على توكيل محام، أو لإيمانه بأنه يدافع عن نفسه، ويتم الحكم عليهم بالسجن لمدة أشهر أو سنة، كما أوضح المشيخص. واعتقل العشرات إثر الاحتجاجات التي بدأت منذ أكثر من عامين والتي تركزت على إطلاق سراح "المنسيين"، وهم المعتقلون التسعة لدى النظام السعودي لأكثر من 17 عاماً، ثم توسعت لتشمل المطالبة بإصلاحات في نظام الحكم، وبوظائف، وبتطبيق القانون ووقف التمييز الطائفي. وفيما حوّلت السلطات مؤخراً مجموعة من الشباب المعتقلين إلى المحاكمة في الرياض، قال المشيخص "ليس لدينا أرقام حول من تم تحويلهم إلى المحاكمة، حتى أن بعض الأهالي يعرفون عن تحويل أبنائهم إلى الرياض بعد الجلسات، وهم لا يزالون في مرحلة تقديم الادعاء للتهم والتي تتركز عادة على التظاهر والفتنة وأعمال الشغب".
السعودية تحكم قبضتها في المنطقة الشرقية: اعتقالات ومحاكمات
من جهة أخرى، بدأت محاكمة الشيخ نمر النمر، الذي اعتقل في شهر تموز من العام 2012، في مستشفى قوى الأمن في مدينة الرياض، بعد محاصرة سيارته، وإطلاق النار عليه، ما اضطره إلى حضور أولى جلسات محاكمته على كرسي متحرك إثر إصابة في فخده، بحضور محاميين اثنين، حيث عرض الادعاء العام التهم المتمثلة في "إثارة الطائفية وتحريضه لمطلوبين أمنياً على ارتكاب جرائم إرهابية وقتل رجال أمن، وبث الفتنة والإخلال بالوحدة الوطنية، وعدم الولاء للوطن، والتطاول على قادة دول الخليج والعلماء، والتهديد بالاستفادة من أية قوة خارجية"، بحسب زعم السلطات التي طالبت بإقامة حد الحرابة على الشيخ النمر. وفي هذا السياق، لفت المشيخص إلى أن الوضع في المنطقة الشرقية على ما هو عليه منذ أكثر من عامين، حيث الاحتقان لا يزال يملأ الشارع، ولا تزال الاعتقالات مستمرة للناشطين، قائلاً إن "عملية الاعتقال الأخيرة للمطلوب عبد الله آل سريح كانت أشبه بمحاولة قتل، فقد جاء أكثر من 20 عنصراً من قوات الأمن بلباس مدني للقبض عليه في منطقة العوامية، وأطلقوا الرصاص الحي على السيارة التي كان يستقلها، فأصابته ومن معه ومن ثم اعتقلتهما، كما تكسر زجاج النوافذ وأبواب البيوت القريبة من الحدث جراء الرصاص الحي الكثيف". آل سريح هو واحد من 23 مطلوباً كانت أعلنت وزارة الداخلية السعودية أسماءهم في كانون الثاني الماضي على خلفية التظاهرات في القطيف متهمة إياهم بـ"التظاهر وترويع المواطنين والتخريب والفتنة، والاعتداء على رجال الشرطة، وإن ذلك كله يأتي تنفيذاً لأجندات خارجية"، وفق إدّعاء السلطات. وبلغ عدد معتقلي أحداث القطيف الذين يقبعون في السجون السعودية في الوقت الحالي 172 معتقلاً. وفي سياق متصل، خرجت مسيرة سلمية أمس الجمعة في محافظة القطيف شرق السعودية تحت شعار "لم تنتهِ القضية" طالب المشاركون فيها بالإفراج عن جميع السجناء وعلى رأسهم آية الله الشيخ نمر آل نمر و"العلامة الشيخ العامر والسجناء المنسيين بالإضافة إلى سجناء الحراك المطلبي الذي انطلق منذ 2011. ورفع المتظاهرون من الشباب والنساء صور الشيخين آل نمر والعامر والسجناء المنسيين وسجناء الحراك المطلبي. وتضامناً مع الشعب البحريني وثورته، أكد نشطاء الميدان أن الحراك مستمر ومتمسك بقضيته "مادام درع الجزيرة يحتل البحرين". وفي ظل الحراك المتصاعد جاءت مسيرة "لم تنتهِ القضية" بدعوة من مجموعة تضامن الإسلامية، تأكيداً على التمسك بثوابت ومنطلقات الحركة الإحتجاجية في المنطقة الشرقية. وأصدرت المجموعة بياناً أكدت فيه أن "الشعب لن يتخلى أو يتراجع عن حق الكرامة والعيش بحرية"، مشيرة أن "كل الرهانات سقطت أمام تلك التلبيات الصادقة الأبية". بدورها، أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اليوم أن "على السلطات السعودية أن تضمن محاكمة عادلة للشيخ نمر النمر وحصوله الفوري على الرعاية الصحية الكافية لعلاجه من جروح ناجمة عن طلقات نارية أصابته عند توقيفه منذ 10 شهور، وإجراء مراجعة فورية لخروجه بكفالة، كما يتطلب القانون الدولي". وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش": "بينما تنظر المحكمة في ما إذا كانت ستقتل نمر النمر وتعلق جثته على سارية، يعاني الشيخ المعتقل من جروح الطلقات النارية التي لحقت به حينما ألقت قوات الأمن القبض عليه.. من المشين أن يتم استهداف رجل بمكانته على هذا النحو، وأن تتجاهل السلطات نداءات عائلته المتكررة بمنحه الرعاية الطبية الكافية".