القانون يهدف الى تأبيد حكم جهات بعينها والتخلص من منافسيها " اصحاب الاوزان الثقيلة "تمكنت الجماعات المسلحة التابعة لجهات سياسية في ليبيا من فرض ما يسمى بـ " قانون العزل السياسي " على المؤتمر الوطني(المجلس التأسيسي) وذلك بعد أيام من سيطرة هؤلاء المسلحين على مباني وزارات للضغط على الجهات الحكومية. وقد أثار هذا القانون الكثير من الجدل وهو ما يفسر تلكؤ حكام ليبيا الجدد في إقراره رغم أنه جاهز منذ فترة طويلة بانتظار الحسم لإحالته على المؤتمر الوطني للمصادقة عليه. وعلى غرار ما يحصل في تونس، فإن من يقفون وراء إقرار هذه القانون غايتهم بالأساس، بحسب كثير من المحللين، هي إقصاء الخصوم السياسيين الحقيقيين خلال الإنتخابات القادمة لضمان أوفر الحظوظ للفوز بها. فهذا القانون يشمل قرابة النصف مليون ليبي، وهو رقم على غاية من الأهمية بالنظر إلى عدد سكان ليبيا الذي لا يتعدى الملايين الخمسة الموزعين على مساحات شاسعة ما يجعل البلاد من أقل دول العالم كثافة سكانية.قانون متشددويمنع بموجب هذا القانون كل من تولى مسؤوليات قيادية في مجال السياسة أو الإدارة أو الأمن أو الجيش أو المخابرات أو الإعلام أو حتى داخل الجمعيات والمنظمات الأهلية الداعمة لنظام القذافي، وكل من أيد العقيد الليبي المطاح به في وسائل الإعلام أو اتخذ موقفاً غير مؤيد لـ " ثورة 17 فبراير " التي أطاحت بالقذافي، من تولي مناصب " مهمة " في الدولة الليبية أو الإنخراط في الأحزاب السياسية الجديدة التي تشكلت بعد " الثورة ". فالقذافي كان يمنع الأحزاب من التواجد والنشاط في نظامه " الجماهيري " حيثيحكم الشعب، نظرياً فقط، بصورة مباشرة، من خلال اللجان الشعبية العامة وليس عبر الأحزاب.
محاصرة وزارة العدل الليبية
ويتضح من خلال ما ذكر التشدد المبالغ فيه لهذا القانون الذي أثار انتقادات واسعة، وخاصة أن المنع يشمل من تقلدوا هذه المناصب خلال كامل فترة حكم القذافي الممتدة على أربعين سنة، ومن بين هؤلاء معارضون لحاكم طرابلس الأسبق عذبوا وعاشوا في المنافي لعقود، تحمسوا للقذافي في البداية ثم سرعان ما انفضوا من حوله ليصبحوا من أشرس معارضيه. فمن الظلم بحسب كثير من المراقبين، أن يمنع هؤلاء من النشاط لسنوات عشر يدرك القاصي والداني أهميتها في حياة ممتهن العمل السياسي، كما أنه من الظلم أن يشمل الإقصاء من تقلدوا مناصب قيادية في الإدارة الليبية أو المؤسسة العسكرية، فهؤلاء خدموا الدولة الليبية بالأساس وليس نظام القذافي. وفي هذا الإطار تساءل البعض هل كان مطلوباً من الليبيين أن يمتنعوا عن خدمة بلادهم وعدم شغل الوظائف الإدارية والعسكرية لأن القذافي في الحكم؟.أزمة سياسية ومن المتوقع أن يثير هذا القانون أزمة سياسية حادة مع دخوله حيز التنفيذ بعد قرابة الشهر وخاصة أن العزل السياسي الذي أقره سيشمل مسؤولين كباراً في الدولة الليبية. ومن بين هؤلاء رئيس الحكومة الحالي محمد زيدان ورئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف ورئيس تحالف القوى الوطنية رئيس الحكومة الأسبق محمود جبريل. فهل سيفرض الإسلاميون الذين يقفون وراء هذا القانون أجنداتهم ويحيلون من ذُكر من المسؤولين السياسيين على التقاعد المبكر فيحصل الفراغ السياسي ويصعب إيجاد التوافق لانتخاب رئيس جديد للمؤتمر الوطني ورئيس حكومة؟ أم سيراعي هؤلاء المصلحة الوطنية ويتغاضون عن تطبيق القانون على المسؤولين الحاليين ويكتفون بإضعافهم لضمان ولائهم فحسب؟ وفي هذه الحالة ألا يمكن للباقين ممن سيطبق عليهم القانون بصرامة أن يمتنعوا عن الإمتثال لما جاء فيه بحجة غياب المساواة؟ جميعها أسئلة تؤرّق المراقبين وكذا الشارع الليبي الذي يخشى من أن يفرغ هذا القانون ـ الذي اعتبره رئيس الحكومة الأسبق محمود جبريل، غير مسبوق في التاريخ المعاصر ـ ليبيا من كوادرها. ويرى بعض المراقبين بأن محمود جبريل ـ وعلى غرار الباجي القائد السبسي في تونس المهدد بقانون مماثل يطلق عليه قانون تحصين الثورة ـ هو المستهدف بالعزل السياسي باعتبار قدرته المفترضة على اكتساح صناديق الإقتراع خلال الإنتخابات القادمة، وهو الفائز بالأغلبية خلال الإنتخابات السابقة، لكن تحالفات خفية قيل إنها تمت برعاية قطرية حالت دون ترؤسه حكومة بلاده. فالجهات التي تقف وراء عزل وإقصاء هؤلاء السياسيين في كل من تونس وليبيا تسعى، بحسب كثير من المراقبين، إلى تأبيد حكمها والتخلص من المنافسين الحقيقيين "أصحاب الأوزان الثقيلة" من خلال القوانين التي تتنافى مع مبادئ العدل والإنصاف، وتلقى انتقادات واسعة لتعارضها مع مواثيق حقوق الإنسان. فالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية يجب أن يتم بأحكام قضائية تدين المذنبين إذا ثبت جرمهم. لأن القضاء وحده، سواء تعلق الأمر بعدالة انتقالية أو بالمجالس القضائية العدلية الإعتيادية، هو المؤهل لمحاسبة من عمل مع الأنظمة الديكتاتورية المطاح بها إذا ثبتت التجاوزات من خلال محاكمات عادلة يصان فيها بالأساس حق الدفاع.