لا ندري بالضبط كيف نشأت فكرة تحريف القرآن الكريم. ربما بعض الأحاديث والآثار التي روتها المجاميع الحديثية في الفريقين هي التي أوهمت أن القرآن الكريم في الأصل نزل على غير هذا الذي عندنا بين الدفتين. ثم ثبنّت فئة قليلة من العلماء ـ سنّةً وشيعةً ـ فكرة نقصان القرآن الكريم، بناءً على فهم بسيط من هذه الأحاديث. أما الرأي العام والغالبية العظمى من العلماء رفضوا الفكرة تماماً وصنّفوا كتباً ورسائل مفردة في الردّ على هذه النظرية، مستدلّين بنفس آيات القرآن الكريم وبالأحاديث الشريفة وكذلك سيرة المسلمين طوال العصور. ثم فسّروا تلك الأحاديث الموهمة بأشكال أخرى حتى لا تتعارض مع بقاء القرآن خالداً غير محرّف.

النقطة اللافتة للانتباه أننا حتى لو وضعنا هذه الأدلة النقلية جانباً وتركناها تماماً فإن العقل هو الذي يحكم بعدم إمكان التحريف في القرآن الكريم وذلك من عدة طرق، نتطرق هنا لواحدة منها باختصار شديد:

إنّا نعرف جميعاً أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ سيحتجّ يوم القيامة على الناس بالمبشّرين والمنذرين الذين أرسلهم إليهم، وها هم الأنبياء والرسل. أما الذين عاشوا في زمن حياة الأنبياء ووصلتهم الدعوة فسيُحتجّ عليهم بهذه الدعوة الواصلة مباشرة، وأما الذين وُلدوا في أزمان الفترات بين الرسل أو بعد ختم الرسل ولم يعاصروا نبيّاً فيجب أن تصلهم تلك الدعوة كما هي عن طريق من الطرق. إذاً يلزم أن تبقى دعوة النبي بلا زيادة ولا نقصان حتى تبلغ الأجيال القادمة، ولو لم يكن كذلك لم يستطع ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ أن يحتجّ على المذنبين والمجرمين، إذ كان بإمكانهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ﴾ [القصص: 47]

هذه من جهة؛ وأما من جهة أخرى، فالكل يعرف أن الديانات والكتب السماوية قبل الدين الإسلامي الحنيف كلّها محرّفة على أيدي علماء أهل الكتاب، وصرّح بذلك القرآن الكريم في غير موضع، مثلاً يقول: ﴿مِنَ الَّذينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا﴾ [النساء: 46] ويقول: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: 13] ويقول أيضا: ﴿وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَريقٌ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101].

فيجب أن يبقى على الأقل واحد من تلك الأديان وخاصة تلك الكتب بلا تحريف حتى يكون حجّة على الذين يتركون الدين ولا يخضعون أمام ربّ العالمين.

بناءً على ما سبق، فلا بدّ من عدم تحريف القرآن الكريم. إذ لو كان محرّفاً بأي نوع من الأنواع وبأي شكل من الأشكال لما بقيت حجّة على الناس، واللا حجّة تعني اللا احتجاج يوم القيامة!