تلقي مقابلة حديثة مع مسؤول أمني قطري, مجهول الاسم, الضوءَ على شحنات الأسلحة السرية التي أشرفت “سي آي إيه” على إرسالها إلى المتطرفين الذين يقاتلون في سوريا. ففي هذه المقالة التي نشرتها “رويترز”, يؤكد هذا المسؤول الأمني وعدد من قادة المتمردين, الذين لم تذكر أسماؤهم, أن قطر قد “نسقت عمليات تدفق الأسلحة إلى سوريا” تحت غطاء القلق المزعوم من وقوع هذه الأسلحة في أيدي المسلحين الاسلامين المتطرفين المرتبطين بالقاعدة, وهم نفس المتطرفين الذين يشكلون, منذ البداية, القوة الضاربة للمسلحين الذين يقاتلون في سورية. يقول المتمردون المقاتلون في سوريا إن نظامَ توزيع الأسلحة أصبح أكثرَ مركزية في الأشهر الأخيرة, حيثيتم تسليم الأسلحة عن طريق القائد العام للائتلاف الوطني المعارض سليم إدريس, وهو الشخص المفضل لدى واشنطن. ” ما تم التأكيد عليه لوقت طويل من قبل “المصادر الرسمية” في الإعلام الرسمي هو أن شحنات الأسلحة هذه قد بدأت على الأقل في “مطلع 2012″. ويمكننا القول, والأمر ينطبق على معظم الجداول الزمنية الرسمية, إن هناك فروقاً زمنية في هذه التصريحات؛ فمن المرجح أن شحنات أصغر من الأسلحة المهربة قد دخلت إلى سوريا قبل ذلك بكثير. إذ تؤكد تصريحات شهود عيان في ليبيا أن شحنات الأسلحة من مطار مصراتة الذي تهيمن عليه “المجموعة المقاتلة الإسلامية الليبية” قد بدأت بُعَيدَ سقوط القذافي. فقد ذكر سيبيل إدموندز في تشرين الثاني / نوفمبر 2011, قبل أن تتناولَ أية وسيلة إعلامية هذا الموضوع, أن “سي آي إيه” ونظراءَها في الناتو وتركيا كانت تعمل من “المركز العصبي” في القاعدة الجوية الأمريكية – التركية في إنجيرليك / تركيا منذ نيسان / أيار 2011, حيثتنسق عمل “المتمردين” و “النشطاء”. ويقدم إدموندز بالنظرية المحتملة القائلة إن تلك كانت إحدى المنصات الأولية التي استخدمتها “سي آي إيه” وشركاؤها الإقليميون لتهريب الأسلحة والمقاتلين والمواد إلى سوريا مع تفاقم التمرد المسلح. دعونا ننتقل من هذه المعلومات العامة إلى حقائق أكثرَ دقة. تعطي “المصادر الرسمية” والمعلومات الكثيرة المتناقضة معها الانطباعَ بأن الإعلام “الإخباري” لا يعمل على نشر المعلومات عندما تصله, كما أنه يتستر على معلومات في غاية الأهمية لكي ينسجم مع السرد المرغوب القائل إن “قوات الحكومة تقتل المحتجينَ السلميين”. ما نفهمه من تقرير “رويترز” هو أنه قبل قرار قطر(التي تعمل تحت إشراف “سي أي إيه” المباشر) ﺑ “ضبط” تنسيق الأسلحة التي ترسلها إلى سوريا, لم تكن هناك طريقة منظمة لتوزيع الأسلحة بعد وصولها إلى الحدود السورية: “يتوجه القطريون الآن[أيار / مايو 2013] إلى الائتلاف من أجل المساعدات والقضايا الإنسانية, وإلى القيادة العسكرية من أجل القضايا العسكرية, ” تبعاً لأحد القادة العسكريين في شمال سوريا الذي جرت معه مقابلة من بيروت. وهنا يبرز السؤال التالي على الفور: لمن كانت قطر توزع(بإشراف “سي آي إيه”) آلاف الأطنان من الأسلحة قبل نيسان / إبريل2013؟ يتابع التقرير ليقول: “قبل تشكيل ‘الائتلاف’ كانوا يتعاطون من خلال مكاتب ارتباط وتشكيلات عسكرية ومدنية اخرى كان ذلك في البداية. أما الآن فاختلف الأمر – فكل شيء يمر عبر ‘الائتلاف’ والقيادة العسكرية. ” “هناك الكثير من التشاور مع ‘سي آي إي” وهم يساعدون قطر في شراء ونقل الأسلحة إلى داخل سوريا, ولكن بصفتهم مستشارينَ فقط, ” كما قال. وقد رفضت “سي آي إيه” التعليق. من الضروري أن نأخذ قليلاً من الملح مع هذه المعلومة. فما هي بالضبط “مكاتب الارتباط, والتشكيلات العسكرية والمدنية”؟ إذ لم تمتلك “المعارضة” أي شيء قريب إلى التشكيل العسكري. وبغض النظر عن ذلك, يثير هذا العديدَ من الأسئلة الهامة ويرسم فروقات عديدة في جدول النزاع السوري. كنا نعرف منذ البداية أن قطر كانت, ولا تزال, المزودَ الرئيس ﻠ “المتمردين” بالأسلحة تحت الإشراف المباشر ﻠ “سي آي إيه” و “التشاور” معها. كما نعرف أن شحنات الأسلحة هذه أصبحت كميات كبيرة في “مطلع 2012″ واستمرت في الازدياد من حيثالكمية والتواتر. وقد أكد ذلك تحقيق أجرته “نيويورك تايمز”, حيثذكر أن 85 طائرة شحن عسكرية قد توجهت من قطر إلى تركيا حاملة الأسلحة إلى سوريا بين كانون الثاني / يناير و آذار / مارس 2013.(الحمولة القصوى لطائرة شحن عسكرية نظامية حوالي 50 – 60 طناً.) ما هي الفروقات الأخرى في النزاع التي نعرف عنها, والتي بدأت واستمرت منذ “بداية 2012″؟ إن التغير الدينامي الأوضح والأبرز الذي حصل خلال هذا الإطار الزمني, والذي استمر في الارتفاع والازدياد بشكل كبير, هو عدد القتلى والتهجير داخل سوريا. فكما رأينا من التغطية الكاملة من قبل, تضاعف عدد القتلى شهرياً في سوريا في “بداية 2012″, واستمر في الارتفاع بشكل متسارع. وتؤكد ذلك الأرقام التي تقدمها المصادر المتوفرة ومجموعات “النشطاء” والمعارضة, كما تبين “رويترز”. العامل الهام الآخر مترادف مع تزايد تدفق الأسلحة(برعاية قطر و “سي آي إيه”) وارتفاع عدد القتلى. أي بمعنى آخر: نجاح وتكاثر وتعزيز “جبهة النصرة” والمجموعات المتطرفة السلفية - الجهادية المماثلة. كانت “جبهة النصرة”, أو المعروفة ﺑ “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام”, نشطة في سوريا في ظل المجموعة “الأم” المسماة “الدولة الإسلامية في العراق”(القاعدة في العراق) لسنوات قبل الانتفاضة السورية. ومنذ تأسيس القاعدة في العراق, كانت المناطق الشرقية من سوريا(على حدود العراق الغربية ومحافظة الأنبار) مرتعاً لنشاطات القاعدة منذ تشكيلها بعد الغزو الأمريكي في سنة 2003. من المؤكد أن “جبهة النصرة” والمجموعات السلفية - الجهادية الأخرى المتعاونة معها كانت القوة الضاربة للتمرد المسلح. ففي معظم مناطق النزاع المسلح, قادت “جبهة النصرة” الهجمات على المنشآت العسكرية السورية الرئيسة مثل قواعد الدفاع الجوي, والطرق الساحلية والرئيسة في محاولة لقطع خطوط إمداد الجيش العربي السوري, ومعظم الهجمات الانتحارية في المناطق المدنية, واغتيال الشخصيات الأمنية الحكومية الكبيرة. وقد أصبحت هذه المجموعات المتطرفة الأفضلَ من حيثالمعدات والتنظيم والتمويل المستمر, وفوق كل ذلك من حيثنجاحاتها على الأرض. وبينما تزعم الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون أنها اكتفت بتسليح وتدريب ودعم المتمردين “المعتدلين” والمختارين بعناية, إلا أن الحقيقة داخل سوريا تفترق عن هذه المزاعم بشكل كامل. بقيت لدينا الآن بعض الخيارات النظرية, أولاً: سوف تزعم “سي آي إيه”, كما تزعم الإدارة الأمريكية, أنها اكتفت ﺑ “تنسيق” وصول الأسلحة إلى المجموعات المعتدلة ودعمها؛ أما كيف وصلت هذه الأسلحة إلى المتطرفين فهذا ليس مسؤولية “سي آي إيه”. وبهذا, فإنها تلقي بالمسؤولية على قطر أو المهربين في تركيا الذين نقلوا الأسلحة إلى داخل سوريا. ومرة أخرى, يمكن للاستخبارات القطرية أم تنكر مسؤوليتها, ملقية المسؤولية على عاتق المهربين والمتمردين الذين يسيطرون على تدفق الأسلحة على الحدود التركية. فهل تبرر تعقيدات وتشعبات هذه السياسة, حتى لو كانت صحيحة, تهورَها الشديد والدمارَ الكبير والدعمَ الذي سمحت به للمتطرفين؟ أما النتيجة المحتملة الأخرى, أو إنكار الارتباط بهذه المجموعات, فسوف تتجلى في قيام الجيش العربي السوري والحكومة السورية باتخاذ قرار واعي بإدخال العامل الطائفي في النزاع بهدف قمع الحركة الاحتجاجية. فعندما ينظر المرء إلى بإمعان إلى التعاطي الأولي للحكومة السورية مع حركة الاحتجاج السلمي في المراحل المبكرة للاحتجاجات, من الصعب مرة أخرى الحصول على أية حقائق تؤكد نية الحكومة في تقسيم سوريا وإطلاق حرب طائفية شاملة. فقد قدمت الحكومة العديد من التنازلات, بما في ذلك إطلاق سراح عدد كبير من السجناء السياسيين, وإدخال دستور جديد يعدُ بالتعددية السياسية ويحدد فترات رئاسية قصوى, وإقالة العديد من المحافظين, وحل البرلمان السوري بشكل كامل. ولا تكشف هذه التنازلات عن قائد يسعى إلى تهميش القوة الديموغرافية الكبرى في بلاده, حيثأن هناك تمثيلاً ضخماً للطائفة السنية في الحكومة والجيش على حدٍ سواء. الاحتمال الأكبر هو أن “سي آي إيه”, بالتعاون مع شركائها القطريين, كانت علة معرفة تامة بالإيديولوجيين الذين كانت تسلحهم وتدعمهم, وقد اختارت اتباع هذه السياسة؛ لأنها – ببساطة – الأكثر فعالية في إضعاف الجيش السوري وتمزيق نسيج المجتمع السوري السلمي والمتعدد الإثنيات. وكما قلنا سابقاً, فإن “جبهة النصرة” هي التي تقود الصراعَ في سوريا, وهي التي هاجمت قواعد الدفاع الجوي السورية في عدة مناسبات. من الصعب على أي أحد أن يفهمَ الخطرَ الذي تشكله الصواريخ المضادة للطائرات والرادارات الدفاعية على مجموعات صغيرة مزودة بأسلحة خفيفة, مما يشير إلى أن هذه المجموعات كانت تعمل بناءً على أوامرَ تأتيها من الخارج, أو أن أجهزة استخبارات خارجية قد وجهتها بهدف إضعاف القدرات الدفاعية الإستراتيجية السورية. بالنسبة لأولئك الذين يدرسون المحاولات الحثيثة للحكومة الأمريكية في خلق الفوضى وزعزعة الاستقرار, فإن هذا التكتيك القائم على تشكيل ودعم الميليشيات المتطرفة الإسلامية لن يكون مفاجئاً. إذ إن القدرات التكتيكية ﻠ “جبهة النصرة” وخبراتها الميدانية ليست هي التي مكنتها من لعب هذا الدور القيادي؛ فمن دون الأسلحة والأموال والإعلام النفسي القادر على تجنيد المقاتلين, لا أهمية تذكر لهذه الخبرات كلها. إن هذه المجموعات, التي تعود بأصولها إلى القاعدة وإيديولوجيتها, هي أكثر من مجموعة متجانسة قادرة على شن حرب دولية؛ فهي جزء من “قوات الصدمة” الطائفية التي اتفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على تشكيلها ودعمها منذ وقت طويل بهدف مواجهة “المقاومة” وقد أصبحت خارج السيطرة تماماً. فقد شجعت قطر - بناءً على “مشاورات” مع “سي آي إيه - وتبنت وسلحت هذه المجموعات البارزة الآن: تلك التي تحمل إيديولوجيا متطرفة سلفية - جهادية قائمة على الكره الطائفي للأقليات الدينية بهدف خلق الانقسامات والفوضى الاجتماعية. وقد حدثذلك مباشرة تحت أنف “سي آي إيه”, وبناء على المشاورات معها, ومع ذلك فشلت في ملاحظة تطور هذه الدينامية المتطرفة والمتوسعة بشكل متسارع؟! وقد أشار المعلق السياسي اللبناني الدكتور أسعد خليل مؤخراً إلى الإنجاز الإضافي الذي حققته الولايات المتحدة وحلفاؤها, حين قال: “من خلال تصنيف ‘جبهة النصرة’ كمنظمة إرهابية, أجازت الحكومة الأمريكية لكافة المجموعات المسلحة السورية الأخرى ارتكابَ كافة أنواع جرائم الحرب. فكل ما على أية مجموعة مسلحة أن تفعله لتنجو بنفسها من جرائم الحرب التي ترتكبها هو أن ترفعَ علمَ النصرة. فهذا كل ما تحتاج إليه. فعلى سبيل المثال, يمكن لمجموعة مسلحة تعمل تحت مظلة ‘الجيش السوري الحر’ أن ترتكب جرائمَ حرب ثم تصدر بياناً بإدانتها في اليوم التالي. إنها بمثابة رخصة مفتوحة لارتكاب جرائم الحرب. ” لقد خلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها قوة إيديولوجية مقاتلة مطواعة تعمل على زرع الفوضى والانقسامات الطائفية والدمار لتحقيق الأهداف الأمريكية في تدمير الدولة السورية, وكسر محور المقاومة للهيمنة الغربية على الشرق الأوسط. وعندما يظهر هذا التطرف والوحشية إلى العلن بحيثلا يمكن للقوى الغربية دعمه بشكل علني, عندها تطلق الولايات المتحدة على هؤلاء صفة “الإرهابيين”, ومع تغيير طفيف في الملابس يتحول هؤلاء إلى المجموعة المزيفة التي يُطلق عليها اسم “الجيش السوري الحر.