ثمة تحول في ما يجري في حلب. استنفار عسكري وحظر للتجوال ومعارك ضارية. ولكن المعارك هذه المرة بين المجموعات المسلحة نفسها، وخصوصاً بين «الهيئة الشرعية» من جهة، وكتائب «غرباء الشام» المتهمة بالتحول إلى عصابة تتستر باسم الشريعة لتقوم بعمليات خطف وسرقة وابتزاز. كل ذلك، أثار استياء سكان المناطق الخارجة عن سلطة النظام، الذي يخشى معارضون أن يتحرك ميدانياً، مستغلاً حالة التشتت في صفوف المعارضة، التي ما زالت تتحدثعن محاولات لاقتحام المطارات العسكرية المحيطة بحلب «الشهباء» من دون جدوى.ويأتي ذلك في وقت اعتاد فيه الحلبيون على بضع ساعات من الكهرباء يومياً وقليل من المياه في شرايين المدينة في أزمة لا يبدو أي بريق أمل لإنهائها في المستقبل القريب.حرب «الهيئة» و «الغرباء»عاشت الأحياء الحلبية، الواقعة تحت سيطرة المعارضة، أياماً عصيبة في الفترة الماضية على اثر الاشتباكات بين «الهيئة الشرعية» وكتائب «غرباء الشام». ولكن المعارك انتهت بسيطرة «الهيئة» على مقار «الكتيبة»، واكتشاف مواقع عديدة تضم مسروقات وسجوناً سرية يوجد فيها مدنيون تم خطفهم بغرض التبادل مع جهات أخرى. «غرباء الشام» حاولت في البداية التقليل من أهمية ما حدث، حيثأصدرت بياناً نفت فيه اعتقال زعيمها، وأعلنت سحب كل فصائلها للتوجه فوراً إلى حلب لفك الحصار عن مقراتها. إلا أنها ما لبثت أن أصدرت بياناً آخر، قالت فيه إنها انسحبت من مناطق محافظة حلب كلها «بناء على أوامر أمير الجماعة» وذلك لحقن الدماء ولأن الصراع هو ضد النظام و «ليس ضد أي مقاتل». ويتحدثناشطون في المنطقة أن الصراع بدأ إثر مهاجمة «الغرباء» لحاجز «لواء التوحيد» التابع لـ «الهيئة الشرعية» في المنطقة الصناعية في حي الشيخ نجار، ما دفع الهيئة إلى توجيه حملة عسكرية ضخمة لمحاصرة مقار «الغرباء»، وتمشيط المنطقة، وضبط كل حالات السرقة، لتعلن لاحقاً سيطرتها على الحي والمنطقة الصناعية. ويوجه العديد من الناشطين أصابع الاتهام إلى مجموعة «غرباء الشام»، التي تدّعي أنها منتشرة في الشمال خصوصاً في إدلب وريف حلب والمدينة(بستان الباشا والصاخور والشيخ مقصود ومحيط مطار منغ) والحسكة. وهي كانت احدى ابرز المجموعات، التي أشعلت الصراع العربي ــ الكردي في منطقة رأس العين، ما سبب اقتتالاً بين «الجيش السوري الحر» ومجموعات «الحماية الشعبية الكردية» في منطقة الجزيرة السورية. أما ناشطون في مناطق المعارضة فلا يرون في كتيبة «الغرباء» سوى عصابة مهمتها السرقة، التي تبدأ من كابلات الهواتف وصولاً إلى المنازل وتفكيك المعامل، وخطف المدنيين، وابتزاز السكان، بالاعتماد على سياسة البلطجة في حكم المناطق. كل ذلك تسبب في حالة استياء عارمة انعكست عبر حراك وتظاهرات تشهدها تلك المناطق، وهو أمر تنفيه مصادر «غرباء الشام». «غرباء الشام»، وإن أكدت وجود عناصر مسيئة في صفوفها، إلا أنها اعتبرت ما حصل محاولة لإبعادها عن منطقة حلب، على اعتبار أنها مجموعة مستقلة غير تابعة لأي مجلس عسكري أو جبهة، وذلك بحسب مصدر في المجموعة التي تتبع النهج السلفي. أما «الهيئة الشرعية»، فيبدو اليوم أنها الذراع الكبرى للمعارضة المسلحة في حلب، وتضم عدة كتائب من بينها «لواء التوحيد»، و «أحرار الشام»، و «جبهة النصرة». وهي تجمع العدد الأكبر من المقاتلين، وتتصف بالتنظيم العالي، كل ذلك جعلها تفرض سيطرتها على معظم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب وريفها. كما أنه خولها البدء بتنفيذ سلسلة خدمات في محاولة لكسب الشارع المعارض، ومن بينها إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء والمياه، وفتح المدارس، وتنظيم الحياة التجارية، وتوزيع المعونات، وفتح محاكم للفصل في قضايا الناس، وبالطبع هي محاكم تتبع الشريعة وليس أي قانون مدني.هل يكون النظام المستفيد الأكبر؟على جبهة النظام، يبدو قرار استعادة حلب والتمسك بها واضحاً للغاية، وإن كان يسير ببطء يفرضه انتشار المعارضة المسلحة في مناطق عدة وسيطرتها على طرق عديدة تقطع الإمدادات. ولكن تلك المعادلة بدأت بالتغير تدريجياً، إذ إن الطريق المؤدي إلى مطار حلب الدولي قد عاد إلى قبضة الجيش السوري، في ظل تعزيزات مستمرة تصل إليه بهدف منع سقوطه بيد «الجيش الحر». وفي المقابل، أخفقت المعارضة المسلحة بالسيطرة على مطارَي «منغ» و «كويرس» العسكريين في الريف الحلبي بالرغم من الحصار الذي تفرضه عليهما. وآخر محاولة لاقتحامهما حصلت أمس، وفقاً لمقطع مصور وزعته كتيبة «غرباء الشام». أما في قلب مدينة حلب فلا تزال المقار الأمنية والعسكرية، ومبنى المحافظة والجامعة، تحت سلطة النظام الذي تقدم في أحياء الشيخ مقصود والصاخور وسليمان الحلبي. وتدور المعارك حول هذه المواقع، و يحشد الجيش السوري حالياً لمنع سيطرة «الجيش الحر» على السجن المركزي في المدينة. وقد اضطرت كتائب المعارضة إلى فك الحصار عن السجن، لتعود الكفة إلى مصلحة النظام، الذي سبق أن أعلن أن حلب هي «أم المعارك»، متوقعاً ألا تستغرق المعارك إلا بضعة أيام. الأمر ذاته قالته المعارضة، إلا أن الأيام امتدت إلى شهور تقترب من إنهاء عامها الأول، ولتنقسم حلب معها بين أحياء تحت قبضة النظام وأخرى تحت حكم المعارضة المسلحة، وصولاً إلى الحدود التركية حيثفقد النظام السيطرة على المعابر الحدودية كافة باستثناء معبر كسب في اللاذقية. وتستفيد كتائب «الجيش الحر» من هذا العامل الأخير، خصوصاً أنه يؤمن حرية تحرك المقاتلين ونقل السلاح من تركيا إلى الداخل، وهو أمر يعتمد بالدرجة الأولى على الجهة المسيطرة على هذه الطرق. ومن هنا يطرح السؤال، هل سيكون بإمكان النظام الاستفادة من الاقتتال الأخير بين الهيئة و «غرباء الشام» ليسعى إلى تعزيز مواقعه في الأحياء التي فقد السيطرة عليها؟ مجموعات «الجيش الحر» تقلل من فرص حدوثهذا الأمر، على اعتبار انها غدت أكثر تنظيماً من قبل، وتعمل على تصفية جميع الفئات والكتائب التي انحرفت عن القتال وبدأت تتبع سياسة «التشويل» أي «الفُتوة». وفي المقابل، يعتبر نشطاء في حلب أنه من المبالغ فيه القول بتوازن قوي بين الطرفين في وقت يستخدم فيه النظام سلاح الطيران ويحكم قبضته على المطارات، بالإضافة إلى المقار الأمنية والعسكرية، خصوصاً أن مصدر التسليح الأساسي للمعارضة هو ما تحصل عليه من المعارك.الحياة برغم الدمار تبدو الغصة واضحة عند أبناء حلب حين يتحدثون إلى الإعلام عن الدمار الذي لحق بمعالم مدينتهم، خصوصاً الأثرية منها، من السوق الأثري إلى المدينة القديمة والجامع الأموي ومئذنته وحتى أجزاء من قلعة حلب، وصولاً إلى سلسلة مبان من الطراز العثماني والأوروبي القديم. جنون الصواريخ والقذائف لم يستثنِ أيا من تلك المواقع. وفي محاولة للتخفيف من خسارتهم، يقول أبناء «الشهباء» إن الخسائر البشرية تبقى أهم من الدمار التاريخي. ولكنها أولاً وأخيراً أماكن ارتبطت بالذاكرة الحلبية، بل والسورية أيضاً. حالة الحزن تلك يتغلب عليها أحفاد عبد الرحمن الكواكبي عبر مبادرات اجتماعية لإبعاد الأطفال عن أجواء الحرب ومحاولة استيعاب النازحين، وخلق مجتمع مدني من شأنه أن يراقب أداء المعارضة المسلحة ورفع الصوت عالياً في وجه حالات الفساد. الأمر الذي تجلى في تظاهرات واعتصامات يومية في مناطق المعارضة. ويعلق الحلبيون على ذلك بقولهم: «شعب يحب الحياة برغم كل شيء».