تعيش تونس حالة استنفار قصوى بعد الأحداث الدامية التي عاشتها منطقة جبل الشعانبي الحدودية التابعة لولاية القصرين والمتمثلة في إصابة عناصر من الجيش والحرس الوطني التونسيين إصابات بليغة أدت إلى بتر أرجل بعضهم وإصابة أعينهم، جراء انفجار ألغام زرعتها جماعات إرهابية مسلحة كان العسكريون يتعقبونها في الأحراش الجبلية والمسالك الوعرة. وتنتمي هذه العناصر بحسب المعطيات الأولية إلى ما يسمى بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الذي يحاول منذ مدة أن يضع موطئ قدم في الأراضي التونسية. ويشار إلى أن هذه الجماعات المسلحة التي ينتمي أفرادها إلى جنسيات تونس والجزائر وليبيا مازالت تتحصن بالجبال ولم يتم القبض على أي من عناصرها، في حين تمت مصادرة أسلحة وذخائر ومعدات تابعة لهؤلاء ووسائل اتصال. كما تم اكتشاف مخابئ ومنازل بدائية ورسائل مشفرة تستعملها الجماعات الإرهابية للتخاطب فيما بينها. نخبة النخبةويشار إلى أن الجيش التونسي عزز وحداته التي تحاصر المنطقة وتقوم بتمشيطها بقوات من نخبة النخبة. وهي فرق خاصة لا يتم الاستنجاد بها إلا عند الضرورة القصوى وهي المتلقية أعلى درجات التدريب والتكوين في تونس وفي الخارج وأنفقت الدولة التونسية الكثير لتجهيزها تدريبا وعتادا. كما تم الاستنجاد بما يسمى بـ " طلائع الحرس الوطني " وفرقة مكافحة الإرهاب التابعة لقوى الأمن، وقد قامت هذه القوات بتطهير المنطقة من الألغام استعدادا لشن هجوم شامل بالتنسيق مع الجيش الجزائري الذي سيكون بالمرصاد لهؤلاء على الطرف الآخر من الحدود.
منطقة جبل الشعانبي حيثيخوض الجيش التونسي مواجهات مع مسلّحي " القاعدة "
وقد بدأ الطيران والمدفعية بقصف الكهوف الجبلية التي يرجح أن يكون قد تحصن بها الإرهابيون، تمهيدا للهجوم البري في منطقة توجد بها أعلى قمة تونسية وهي جزء من سلسلة جبال الأطلس التي تمتد من المغرب الأقصى إلى تونس مرورا بالجزائر. كما أغلقت الطرقات المؤدية إلى جبل الشعانبي والأماكن القريبة منه في ولاية القصرين، ويتم التثبت من هويات الوافدين والمغادرين على الحواجز التي تم نشرها بكثافة.تقاعسوتتهم الحكومة بالتقاعس في مواجهة خطر الإرهاب وبالتعامل بلين مع الفكر التكفيري الوهابي الذي بدأ ينتشر في تونس بتمويل من جهات معلومة للقاصي والداني تخدم أجندات خارجية لا علاقة لها بمصالح التونسيين. فالأمنيون يتذمرون من التعليمات العليا التي تطلب منهم عدم إطلاق النار، وهم بحاجة بعد الثورة إلى إعادة تأهيل نفسي، فأغلبهم بات يخشى إطلاق النار واستعمال الذخيرة الحية خوفا من المحاسبة مثلما حصل أيام الثورة حيثحوكم الأمنيون الذين نفذوا أوامر بن علي وأطلقوا النار على المتظاهرين. ويؤكد الأمنيون والعسكريون الذين تحدثوا لوسائل الإعلام بمن فيهم المصابون بأنهم مستعدون لحماية الوطن ودفع أرواحهم ثمنا لذلك، وأنهم قادرون على الحسم نهائيا مع هذه الجماعات الإرهابية وحماية جميع التراب التونسي بشرط توفر الإرادة السياسية. كما يطالب هؤلاء بأن تكون التعليمات الصادرة باستعمال الرصاص الحي كتابيا حتى لا يتم تحميل المسؤولية للأعوان وتجنيب كبار المسؤولين مثلما حصل خلال الثورة حين صدرت تعليمات شفاهية بإطلاق النار على المتظاهرين وأنكر المسؤولون إعطاءهم لها.تشجيع الفكر الوهابيكما يعيب الرأي العام في تونس على الفريق الحاكم وعلى حركة " النهضة " تحديدا تشجيعها لانتشار الفكر الوهابي الدخيل على البلاد وعلى تاريخها الإسلامي وحضارتها وتسامح أبنائها، وذلك من خلال جلب " الدعاة " من الخليج ومصر. وآخر هؤلاء هو المصري محمد حسان الذي حل بتونس وألقى محاضرات في مختلف المدن التونسية وكانت في استقباله قيادات من " النهضة " على غرار الشيخ الحبيب اللوز. وفي الوقت الذي كان فيه " الداعية " المصري يلقي محاضراته وسط الحشود الجماهيرية المتعطشة للدين دون تمحيص بسبب " سياسة تجفيف المنابع " التي انتهجها بن علي ومصادرته للحريات الدينية، كان الأمن والجيش التونسيين يقاتلون حاملي الفكر الذي يبثه حسان وغيره في جبل الشعانبي وهو ما أثار انتقادات واسعة.
إجلاء أحد المصابين من منطقة جبل الشعانبي
في المقابل تصر قيادات " النهضة " في أكثر من منبر إعلامي بأنها ليست المسؤولة على انتشار هذا الفكر التكفيري وإنما نظام بن علي هو الذي أرسى دعائمه ضمنيا، وذلك من خلال قمع الحريات الدينية ما جعل هذا الشباب يرتمي في أحضان الفضائيات الوهابية ودعاة هذا الفكر وهو الجاهل بتاريخ المدرسة الدينية التونسية وأئمتها ودعاتها الذين اجتهدوا في الدين منذ قرون وأرسوا فكرا متسامحا متحررا يعمل العقل ولا يكتفي بالنقل ويؤسس للتعايش بين جميع المذاهب. فإلى هذه الأرض لجأ أهل البيت الفارين من الإضطهاد في المشرق ولقوا من سكنة البلاد كل المحبة والتبجيل، وفيها أسس الفاطميون دولتهم وتحديدا في المهدية ثم القيروان، قبل أن ينتقلوا إلى القاهرة زمن المعز لدين الله. وفي هذه الأرض تأسست أول جامعة إسلامية سبقت الأزهر في مصر هي جامعة الزيتونة واجتهدت في الفقه المالكي وساهمت في نشره في ربوع المغرب الكبير وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء وفي الأندلس قبل سقوطها، وهي الجامعة الإسلامية التي رفض علماؤها بعد قرون من التأسيس الفكر الوهابي صراحة وبصورة قطعية في ردهم على رسالة بعثت من محمد بن عبد الوهاب نفسه لعلماء الزيتونة والقيروان مع نهاية القرن التاسع عشر.سيناريو الجزائر ويخشى كثير من الخبراء ومن المحللين من غرق البلاد في مستنقع العنف والدماء في مرحلة شبيهة بالعشرية السوداء التي شهدتها الجزائر. فتنظيم القاعدة بات رسميا يستهدف البلاد ولم تعد تونس بالنسبة إليه مجرد منطقة عبور وأرض دعوة. فقد عثر في جبل الشعانبي على رسالة كتبها قيادي في هذا التنظيم الإرهابي إلى "زعيم الجهاديين" دون ذكر اسمه يخبره فيها بأنه "يتحرق شوقا للجهاد في أرض تونس"، كما أن عودة المقاتلين التونسيين من سوريا، وهي عودة منتظرة، تؤرق مضاجع الرأي العام في أرض الخضراء، والذي يخشى  من تكرار سيناريو الجزائر حين عاد الجزائريون الذين حاربوا القوات السوفياتية في أفغانستان إلى بلادهم وسفكوا دماء شعبهم. لكن الأمل في إنقاذ البلاد يبقى قائما بفضل الجيش التونسي الباسل الذي يؤدي أداء جيدا في حربه على الإرهاب مستفيدا من خبرة نظيره الجزائري في هذا المجال. فالجيش التونسي جيش وطني بعيد عن التجاذبات السياسية يقف على الحياد في جميع الصراعات السياسية، وهو وإن كان قليل العدد والعتاد إلا أن عناصره محترفة ومتلقية أعلى درجات التدريب ونخبوية وقد أثبتت كفاءتها في مهام حفظ السلام في مختلف أنحاء العالم كما في التعامل مع استفزازات الجانب الليبي أيام الحرب بين القذافي وثواره حيث يتمكن الجيش التونسي من أسر المتسللين من جيش القذافي والإستحواذ عما بحوزتهم من سلاح ثم يعيدهم إلى التراب الليبي، هذا دون الحديث عن أداء هذا الجيش الذي كان رائعا خلال معركة التحرير ضد الإستعمار الفرنسي وحفظه للأمن أيام الثورة. ويبدو من خلال الخبراء في المجال العسكري بأن الجيش التونسي مدعوما بقوات الأمن قادر على الحسم نهائيا ودون مساعدة خارجية مع الإرهابيين ليس في جبل الشعانبي فحسب وإنما في جميع النقاط التي يتمركز فيها هؤلاء لكن لا بد من توفر الإرادة السياسية التي تبدو شبه غائبة.