أتشكك في تقرير صحيفة برافدا الروسية؛ الذي يتهم إسرائيل بحقن الأسرى الفلسطينيين بمادة تؤدي إلى إصابتهم بسرطان البروستاتا، وأمراض الكبد بعد خروجهم من السجن، ويتشكك معي كل من شاركني تجربة التنقل بين السجون، وأقام في مستشفى سجن الرملة لفترة طويلة، لذلك أشهد أنني لم أر طبيباً يهودياً يقوم بحقن أي سجين بالقوة، وأشهد أن الأطباء في مستشفى السجن لا يقدمون للأسرى علاجاً ضاراً إلا في حالتين؛ الحالة لأولى: أن يخطئ الطبيب تشخيص المرض، وهذه حالة إنسانية عامة. والحالة الثانية وهي الأهم: تلكؤ إدارة السجن في علاج المرضى، ونقلهم إلى المستشفى؟ وهذا ما يمكن وصفه بالإهمال الطبي، وما ينجم عنه من تردي للحالة الصحية للسجين. إن ما يؤكد على التشكك في تقرير صحيفة برافدا هم الأسرى الفلسطينيون أنفسهم الذين خرجوا من السجون الإسرائيلية بكامل لياقتهم الوطنية، ومارسوا المقاومة بلا تردد، ويكفي الإشارة هنا إلى الأسير المحرر الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وجهاد العمارين، وجمال أبو سمهدانة، ومن قبلهم الدكتور فتحي الشقاقي، والدكتور إبراهيم المقادمة، والمنهدس إسماعيل أبو شنب، ورائد نزال، ومحمد كشكو، ومحمد الشيخ خليل، وغيرهم الكثير من الأسرى المحررين الذين أمضوا عشرات السنين في السجون الصهيونية. وقد أقدم الصهاينة على تدمير برج سكني على رأس سكانه في مدينة غزة، وأوقعوا عشرات القتلى والجرحى أثناء اغتيال الأسير المحرر صلاح شحادة، وكان حرياً بالصهاينة حقن الرجل بمواد سامة قبل تحرره من الأسر. إن انعدام الموضوعية في اتهام الأطباء اليهود بحقن الأسرى بمواد سامة يعود بالضرر على القضية الفلسطينية في نقطتين: الأولى: إن مثل هذا التقرير المثير للشك يطعن في مصداقية كثير من التقارير التي تفضح الممارسات الصهيونية الأكثر إيلاماً بحق الأسرى؛ مثل التعذيب الوحشي في غرق التحقيق، ومثل العزل الانفرادي لفترات طويلة، ومن ثم صدور الأحكام القاسية، وسوء المعيشة في الزنازين، وسوء التغذية، وانعدام التهوية، والاغتراب عن الدنيا، والتعذيب النفسي على مدار الساعة. والثانية: أن الهدف من مثل هذا هكذا تقارير هو إثارة حالة من الخوف والفزع في نفوس الشباب الفلسطيني الذي يتحفز للمرحلة المقبلة من مواجهات عنيفة مع الصهاينة، وسبق أن روج الصهاينة قبل سنوات خبراً في السجون يقول: أي سجين يعتدي على سجان، سيتم شل جسده عن الحركة، وانتشرت الدعاية بين السجناء كالنار في الهشيم، إلى أن تجرأ أحد السجناء في سجن عسقلان قبل ثلاثين عاماً، ومزق وجه السجان بموس الحلاقة، ولم يتجرأ الصهاينة على شل جسد السجين، الذي عوقب شهرين في الزنازين فقط، مع زيادة في الحكم الجائر. لقد أثبت الأسير الفلسطيني خلف الأسوار قدرته الخارقة على التماسك في وجه جلاديه،، لذلك خرج الأسرى الفلسطينيون بعد ثلاثين عاماً من السجون الإسرائيلية أكثر صلابة وقوة وتصميماً على النصر، وإليكم شاهداً حياً الأسير المحرر يحيى السنوار وروحي مشتهى من غزة، وسمير القنطار من لبنان، وسعيد العتبة من الضفة الغربية، وغيرهم سفيان أبو زايدة، وقدورة فارس، وآلاف الأسرى المحررين الذين ما زالوا بكامل قدراتهم العقلية والجسدية. على العرب الفلسطينيين أن يذكروا عدوهم بما فيه، ودون مبالغة تسهم في التهرب من المسئولية، فعدوكم لا يخاف من ردة فعلكم حين يقصفكم، ويغتصب ارضكم، ويحاصركم، ويقطع عليكم الطرق، ولا يخشاكم حين يدمر منشآتكم، ويطاردكم في أقاصي الأرض، وينسفكم علانية في السودان والعراق واليمن وتونس ومصر والأردن ولبنان وسوريا. وما زال عدوكم الصهيوني يمارس جرائمه علانية، وأزعم أن جريمة اغتصاب فلسطين بحد ذاتها، وتشريد ملايين اللاجئين في أصقاع الأرض منذ سنة 1948 وحتى يومنا هذا، إنها جريمة حرب لا تعادلها أبشع جرائم القتل المتعمد.