اشتعلت الساحة السياسية في الجزائر بعد اقتراح بتدريس اللهجة العامية في المرحلة الابتدائية، حتى أن بعض النواب من دعاة التعريب طالبوا برحيل وزيرة التربية نورية بن غبريط.

ويعكس هذا الجدل صراعا قديما في البلاد بين دعاة التعريب من جهة وخصومهم من “حزب فرنسا” الذين يتهمونهم بالسعي إلى تهميش العربية وإحلال الفرنسية ولغات محلية، وخاصة الأمازيغية” بديلا عنها.

وخلال ندوة حول “تقييم الإصلاح التربوي” حضرتها الوزيرة وافتتحها رئيس الوزراء عبدالمالك سلال الأسبوع الماضي، اقترح بعض الخبراء إدراج اللهجة الجزائرية في الطور الابتدائي من التعليم بدل العربية الفصحى، ما حوّل القضية من نقاش تربوي إلى نقاش سياسي.

واعتبر نواب إسلاميون في المجلس الشعبي الوطني(البرلمان) أن مجرد التوصية باستعمال اللهجة العامية في التدريس يعد “تعديا على الدستور وعلى قوانين الجمهورية”. وطالبوا “برحيل الوزيرة فورا نظرا لجرأتها على الخطوط الحمراء باستهدافها مقومات المجتمع الجزائري”.

ويقول خصوم الوزيرة إن العامية الجزائرية عاميات كثيرة، وتعميمها يعني ضرب المشترك بين التلاميذ، متسائلين ما الذي يمنع مستقبلا ألا يتم اقتراح العامية للتدريس في مختلف مراحل التعليم كلها بدل الطور الابتدائي فقط.

وردّت وزيرة التربية أن الحديثعن “التدريس(باللهجة) الدارجة إشاعة وضجيج غير مقبول” موضحة أن “اللغة العربية تبقى هي اللغة المدرسية الأولى والمستعملة في تدريس باقي المواد، ثم هناك دستور يبقى هو الفيصل في الأمور”.

وتتهم بن غبريط بأنها تهمش العربية وتعلي من شأن الأمازيغية استجابة لضغوط التيار الفرنكفوني الموالي لفرنسا.

وأعلنت الوزارة أن تعليم اللغة الأمازيغية سيشمل عشرين ولاية جزائرية ابتداءً من الموسم الدراسي المقبل، بدل ۱۱ ولاية كما كان مقرّرًا في البداية، وذلك بعدما أعلنت الوزارة سابقًا عن إنشاء مجموعة عمل مع المحافظة السامية للأمازيغية، لأجل تعميم تعليم هذه اللغة.

ورغم فرض خيار التعريب، فإن العربية تعيش وضعا هامشيا في ظل سيطرة اللغة الفرنسية، فضلا عن لغة هجينة تجمع بين الفرنسية والعاميات المختلفة.

والفرنسية اللغة الموروثة من ۱۳۲ سنة من الاحتلال الفرنسي، حاضرة في كل جوانب حياة الجزائريين من المدرسة، ابتداء من السنة الثالثة ابتدائيا إلى قطاع المال والأعمال إلى الصحف حيثيوجد في البلد ٦۳ صحيفة يومية بلغة فولتير، بحسب إحصاء رسمي لوزارة الاتصال، مقابل ۸٦ صحيفة باللغة العربية.

ومنذ تعيينها في وزارة التربية تواجه بن غبريط المتخصصة في علم الاجتماع من جامعة فرنسية، انتقادات واسعة لعدم إتقانها اللغة العربية وتوجهاتها الفرنكفونية، في قطاع يسيطر عليه المحافظون.

ونظم هؤلاء ندوة موازية حول إصلاحات المدرسة في مقر إحدى الصحف اليومية التي كانت في طليعة المنتقدين لبن غبريط. ونتيجة هذه الندوة ظهرت في الصفحة الأولى للصحيفة الصادرة أمس تحت عنوان “العربية ستحرقكم.. فلا تلعبوا بالنار”.

ويطالب “المدافعون عن اللغة العربية” أن يتم اعتبار اللغة الفرنسية كلغة أجنبية مثلها مثل الإنكليزية، بينما يتم تدريس اللغة الأمازيغية في المناطق المنتشرة بها.

واللهجة الجزائرية مختلفة من منطقة إلى أخرى في بلد شاسع تفوق مساحته ۲.۲ مليون كيلومتر مربع وعدد سكانه ٤۰ مليون نسمة.

ولغة الجزائريين التي يتحدّثونها منذ ولادتهم إلى غاية الست سنوات من العمر بعيدة عن الفصحى المقررة في المدرسة.

وبحسب الخبراء فإن هذا الشرخ هو أحد أسباب الفشل في الدراسة، لذلك يوصون بأن يتم إدراج اللهجة الجزائرية عربية وأمازيغية في العامين الأوّلين لشرح المواد الأساسية وتسهيل تعلمها.

وتقول الوزيرة إن “استخدام اللغة الأم(الدارجة) في التعليم يسمح بتنمية أجزاء مهمة في المخ” مستندة لدراسات قام بها علماء مختصون في الأعصاب.

وأضافت في تصريح لإحدى اليوميات “حتى في الولايات(المحافظات) الجنوبية حيثيتعلم الأطفال(العربية) في المدارس القرآنية(قبل الالتحاق بالمدرسة) فإن النتائج ضعيفة جدا” بسبب طريقة تدريسها. ولكنها قالت إنه “إذا لم يتم إتقان اللغة العربية فإنه لا يمكن استيعاب المواد العلمية والرياضيات”.

وتقول الوزارة إنه يجب تعلم الفصحى بصفة تدريجية. فالطفل لا يجب أن يتعرض لصدمة عند التحاقه بالمدرسة واكتشاف لغة ليست هي اللغة التي يستخدمها في البيت.

ولكن “استخدام اللهجة العامية مكان اللغة العربية يعيد الجزائر إلى العهد الاستعماري” بحسب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها عبدالحميد بن باديس الذي يحتفل بيوم وفاته احتفالا رسميا على أنه يوم العلم.

المصدر: صحيفة العرب