بعد الإنتهاء من حادثة إحتجاز الرهائن في أحد مقاهي العاصمة الإسترالية سيدني، هناك دلالات ينبغي التوقف عندها، لا سيما في ظل مشاركة العشرات من الدول في تحالف لمحاربة التنظيمات المتطرفة في المنطقة. فتداعيات هذه العملية لن تتوقف عند القضاء على الخاطف، الذي أدى إلى مقتل رهينتين، لا بل ستمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، خصوصاً أن الدول الغربية تعرب عن مخاوفها بشكل دائم من أن تكون عرضة لعمليات إرهابية في المرحلة المقبلة.

منذ أشهر طويلة، تطرح أسئلة في دوائر صنع القرار الغربية عن التهديدات التي من الممكن أن تتعرض لها، بعد نمو حركة التطرف في منطقة الشرق الأوسط، في سوريا والعراق على وجه التحديد، لا سيما أن الجماعات الإرهابية تضع إستهداف هذه الدول تاريخياً على رأس قائمة أهدافها، نظراً إلى أنها تحملها مسؤولية كبيرة عن القضايا التي تدّعي الدفاع عنها، وكان موضوع مشاركة مقاتلين من هذه الدول في القتال إلى جانب هذه الجماعات هو مصدر القلق الأساسي، بسبب إحتمال عودتهم في أي لحظة، ما دفع بالمبعوثين الدوليين إلى وضع هذا الأمر بنداً رئيسيًّا في جدول أعمالهم خلال زياراتهم المتكررة إلى المنطقة.

من هذا المنطلق، يعتبر المراقبون أن هذه الدول تفضل إستمرار القتال في المنطقة أطول وقت ممكن، بهدف القضاء على هؤلاء المقاتلين بعيداً عن أراضيها، ما يعني أنها من حيثالمبدأ لا تريد فعلياً إنهاء النزاعات القائمة

في المنطقة، بقدر ما تريد التخلص من القنابل البشرية الموقوتة، التي قد تنفجر في وجهها في أي لحظة.
وهذه الدول، تحديداً الأوروبية منها والولايات المتحدة الأميركية، تدرك جيداً خطر هذه العمليات، وهي في السنوات الأخيرة عانت منه كثيراً، ومن أجل ذلك سارعت إلى وضع بعض الجماعات، التي كانت مدعومة منها أو من قبل حلفائها في المنطقة من أجل تحقيق أهداف سياسية معينة، على لوائحها الخاصة للإرهاب، وعمدت إلى أخذ بعض الإجراءات الإحترازية، التي تشمل إقرار قوانين جديدة ورفع مستوى التحذير الأمني إلى اقصى درجاته، بهدف حماية مواطنيها، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة حالياً هو حول مدى قدرتها على النجاح في هذه المهمة.
في أدبيات الجماعات المتطرفة، من تلك التي تدور في فلك تنظيم " القاعدة " إلى غيرها من التنظيمات التي ظهرت حديثاً، هذه العمليات التي تحقق أهدافا كبيرة لا تحتاج إلى بذل جهود ضخمة في التحضير، فبعضها لا يحتاج إلى أكثر من سلاح فردي وشخص مستعد للموت من أجل إيصال الرسالة، وهذا ما حصل فعلياً مع منفذ عملية سيدني، أول من أمس، الذي إستطاع أن يتصدّر قائمة الأخبار العالمية، لساعات طويلة، من دون أن يملك قدرات هائلة، سواء كان ذلك على الصعيد الأمني أو العسكري.
تعتبر هذه الجماعات، التي تحرّض المؤيّدين لها في الدول الغربية على القيام بهذا النوع من العمليّات بشكل دائم، أنها قادرة على تحقيق الكثير من الأهداف، أبرزها إثارة الرعب في الرأي العام العالمي، ودفعه إلى الضغط على حكومات بلاده لوقف الحروب التي يقوم بها، وتنشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي والمنتديات " الجهادية " دروسا تفصلية، أمنية وعسكرية، حول كيفية التحضير لها، وترى فيها باباً من أبواب حمايتها من الملاحقات الأمنية، نظراً إلى أن حصولها لا يتطلب أن يكون المنفذ خاضعاً لأي تدريبات في معسكراتها، ويمكن حتى تجنيده الكترونياً.

بعد هذا العرض، ينبغي التطرق إلى بعض النقاط المفصلية التي من خلالها يفترض التشكيك دائماً في ظواهر الأمور، خصوصاً أن هناك من يؤمن بأن المنظمات الإرهابية لا تعمل بعيداً عن برامج الدول الغربية أولاً، كما أن التجارب التاريخية تثبت بأن هذه الدول عمدت إلى إفتعال بعض الأحداثلتبرير بعض العمليات العسكرية التي تنوي القيام بها ثانياً.
هنا من الممكن الحديث، على سبيل المثال لا الحصر، عن محاولة إغتيال السفير الإسرائيلي في بريطانيا، التي كانت مبرراً لإجتياح القوات الإسرائيلية العاصمة بيروت في العام ۱۹۸۲، وعن الذرائع حول إمتلاك النظام العراقي، في عهد صدام حسين، أسلحة دمار شامل، التي كانت الحجّة خلف اجتياح الولايات المتحدة بلاد الرافدين، بالإضافة إلى الروايات التي تناولتها بعض المراجع العراقية عن إمتلاك السفارة الأميركية في بغداد معلومات عن إحتمال غزو تنظيم " داعش " الموصل قبل حصول ذلك، مع العلم أن التحقيقات أثبتت لاحقاً أن الموساد كان وراء محاولة إغتيال السفير في بريطانيا والعراق لم يتم العثور بعد السيطرة عليه على تلك الأسلحة المزعومة.
إنطلاقاً من ذلك، يرى أصحاب هذه النظرية أن عملية سدني قد تكون مفتعلة، نظراً إلى أن الدول المشاركة في التحالف الدولي تواجه حالياً معضلة كبيرة، تتمثل بعدم إقتناع شعوبها بإرسال قواتها إلى خارج البلاد لقتال الجماعات الإرهابية المتطرفة، وبالتالي فإنّ مثل هذه العمليات قد تدفعها إلى تبديل وجهة نظرها عندما تجد أن الخطر بات موجوداً عندها، ويعتبرون أن من المفترض مراقبة تطور الأحداثعلى الصعيد العالمي في الأيام القليلة المقبلة.
في المحصلة، لا أحد يستطيع الحسم بهذا الموضوع في الوقت الراهن، لكن بالتأكيد قد تُكشف الكثير من الأمور التي لا تزال غامضة، ولا يجب إسقاط أي إحتمال من الحسابات المنطقية، خصوصاً أن ملابسات هذه العملية لم تتضح حتى الساعة.

الكاتب: ماهر الخطيب

المصدر: النشرة