قبل أن تكمل قراءة السطور التالية أرجو أن تقوم بالنظر إلى ساعتك لمعرفة الوقت بدقة!!!

عندما نتحدثعن المقاتلين في مطار دير الزور والجهد الأسطوري الذي يقومون به للتصدي للدواعش، سنبقى قاصرين عن إيصال الصورة الحقيقية مالم نتطرق لتفاصيل ما يجري هناك. المفردات العامة لا ترسم سوى صور عامة، غير واضحة المعالم، والتفاصيل الدقيقة هي ما يمكن الإنسان من عيش التجربة بحواسه وغريزته. هناك الكثير من الأشياء التي يمكن لنا أن نذكرها عن معركة مطار دير الزور ولعل أحد أهم هذه الأشياء هي المفخخات التي أرسلها «داعش» إلى أسوار المطار وفشلت في اختراقه. كيف فشلت هذه المفخخات التي نجحت في غير مكان؟ هي العناية الإلهية أولاً، فقد حدثأن تعطلت بعض مفخخات داعش خلال تقدمها أو انفجرت قبل مسافة كبيرة جداً من الهدف، ولكن هي أيضاً مهارة ويقظة المدافعين عن المطار.

فرماة الصواريخ المضادة للمدرعات قد انتشروا على الجبهات ليتصيدوا أي مركبة تحاول التقدم – مفخخةً كانت أم غير ذلك. وهؤلاء الرماة هم من نجح في تدمير غالبية السيارات والعربات المدرعة المفخخة، الأمر الذي دفع «داعش» إلى القيام بسابقة وهي استخدام دبابات في الهجمات الانتحارية. فالدبابة تملك تدريعاً كبيراً يمكنها من تحمل القذائف المضادة للدروع. فمدرعة البي إم بي، مثلاً، تملك تدريعاً بسماكة ۳ سم بينما دبابة تي ۵۵ – التي استخدمها الدواعش مرتين في الأسبوعين الماضيين – تملك ۲۰ سم من التدريع. ولكن حتى اليوم قام مقاتلو «داعش» بإرسال ما يصل إلى ۱۵ مركبة مفخخة فشلت جميعها في تحقيق غايتها. فكيف حصل هذا؟

تغادر المركبة المفخخة – مدرعةً كانت أم دبابة – المواقع الخلفية لخطوط داعش منطلقةً باتجاه أقرب نقطة لمقاتلي الجيش حول المطار لاختراق الطوق وذلك بأقصى سرعة ممكنة لها – وهي تتراوح بين ٤۰ و ٦۰ كم في الساعة. أما المسافة التي يتوجب قطعها للوصول إلى الهدف الموعود فهي تتراوح بين ۲ و ۳ كيلومترات – المسافة بين خطوط داعش وخطوط الجيش. نظرياً، ستقطع المركبة المفخخة هذه المسافة خلال دقيقتين إلى دقيقتين ونصف. ولكن على الجانب الآخر سيكون هناك رجلٌ أو رجلان من رجال الجيش في خندق يرصدون الأفق أمامهم ويمسكون بأسلحتهم المضادة للدروع في انتظار أي مفاجئة. عندما ترصد عيونهم أي جسم غريب سيكون عليهم رصده وتحديد هويته، واتخاذ القرار الصحيح بالتعامل معه، وكل هذا خلال أقل من دقيقة ونصف. وذلك لكي يتم تفجيره على مسافة بعيدة من خطوط الجيش في حال كان الجسم المقترب عربة مفخخة وذلك كي لا تؤذي الشظايا الناتجة عن انفجار عدة أطنان من المتفجرات أياً من رجال الجيش. سيصوب ذلك المقاتل صاروخه نحو الهدف القادم ويطبق بشكل غريزي ماتم تدريبه عليه ويرمي على الهدف. ولكن لن تنتهي الحكاية هنا، فعلى المقاتل أن يبق في خندقه ليستمر في توجيه الصاروخ نحو الهدف المتقدم بسرعة باتجاهه وهو متيقن أن هذا الهدف محمل بالمتفجرات. المدافعون عن المطار يقاتلون وهم مدركون أن لا مجال للخطأ أو التراخي وأن الخطر يمكن أن يأتي في أي لحظة – وهو يفضل أن يأتي بشكل مفاجئ في لحظات الهدوء والطمأنينة.

انظر إلى ساعتك الآن يا صديقي: ستجد أنك قد أمضيت في القراءة زمناً أطول بكثير من الزمن الذي يحتاجه الجندي المدافع عن المطار لرصد المفخخة القادمة باتجاهه وتدميرها. ستقول هذا مستحيل أو هذا إعجاز. سأقول لك هي العناية الإلهية وإرادة المقاتل المستعصية على الوصف.

محمد صالح الفتيح

المصدر: وكالة أوقات الشام الإخبارية