ابراهيم ناصرالدين
تستغرب اوساط معنية بهذا الملف، ومحسوبة على قوى الثامن من آذار، اصرار النائب جنبلاط على السير عكس التيار السائد في المنطقة، وتلفت الى ان خوفه المبالغ فيه على الدروز جعله خارج سياق التبدلات والتغييرات التي تحصل، فقرار قيادة الجيش اللبناني بعدم ادخال جرحى «جبهة النصرة» الى الاراضي اللبنانية، لم يكن فقط على خلفية عدم نقل الفتنة الى الاراضي اللبنانية وتهديد ابناء القرى الدرزية بقتلهم ان دخلوا عبر الحدود، لكن ثمة تغيير جوهري في نظرة التحالف الدولي تجاه «النصرة» يجد تطبيقاته العملية على الارض، وما كان يقوم به الجيش بمعزل عن الغطاء الدولي بات اليوم مؤمنا، فثمة «انقلاب» جوهري في المزاج الاميركي حيال هذا التنظيم خصوصا بعد ان بدأ حملته العسكرية لتصفية «جبهة ثوار سوريا» وحركة «حزم» اللتان تنسقان مع الاستخبارات الاميركية، وبات هناك «ضوء اخضر» دولي لمنع «جبهة النصرة» من الحصول على ملاذات آمنة، والسؤال المطروح بالحاح اليوم انه اذا كانت اسرائيل «تعاند» حتى الان، وتجد مصلحتها الاستراتيجية في استمرار التواصل والتنسيق مع «النصرة» في منطقة القنيطرة والجولان المحتل، فما هي مصلحة جنبلاط في اعتبارها «جارا» غير ارهابي ويصر على الدعوة الى التعايش معها كأمر واقع؟
وفي هذا السياق، تلفت اوساط ديبلوماسية في بيروت، الى ان اولى تجليات انقلاب الموقف من «النصرة» رصدت في الاردن التي وجهت عبر وسطاء «رسالة» الى دمشق عبرت فيها عن رغبة الأردن في عودة الجيش السوري لواجهة الحدود في منطقة شاسعة في درعا، وآخر الرسائل قالت بوضوح: «لا نريد أن تبقى قوات إرهابية على الجانب السوري من حدودنا». ورغم اصرار الجانب السوري على عدم التعامل بايجابية مع «الرسائل» الاردنية، قام الاردن بخطوات «حسن نية» وقدم «معلومات امنية» للجانب السوري لحسم المعركة عند معبر «نصيب» الحدودي، وهذا يعني بوضوح ان عمان فتح «نافذة» عملية للتواصل مع دمشق عبر «بوابة» المواجهة المشتركة لضرب «جبهة النصرة»، ولم تكتف عمان باجراءاتها الحدودية مع سوريا وانما بدأت السلطات بعدم استثناء أنصار «جبهة النصرة» من الاتهامات بممارسة الإرهاب، فعدد السلفيين الأردنيين الموقوف او المعتقل او المحاكم وصل ل۱۵۰ ناشطا، الجزء الأكبر منهم محسوب على «النصرة» والسلطات عمدت لاعتقال ثم محاكمة الشيخ أبو محمد المقدسي المنظر السلفي الشهير وهو أقرب شخصية أردنية «للجبهة».
وازاء هذه المعطيات، تتساءل اوساط الثامن من آذار عن سبب اصرار جنبلاط على التمسك بنظرية «النجاسة نكاية بالطهارة»، فاذا كان النظام السوري قد اتخذ قرارا استراتيجيا بعدم «التسامح» مع جنبلاط شخصيا، واقفل «الابواب» في وجهه فهذا لا يعني فتح «النوافذ» امام التكفيريين، فالسياسة لا يمكن ان تكون ردود فعل على مصالح شخصية، ومصلحة الدروز لا مكان لها في استراتيجية «الجيرة» الحسنة مع «جبهة النصرة»، والاحداثالاخيرة قدمت الدليل الحسي على ذلك، وثمة نصائح قدمت لجنبلاط بالانتقال الى الخيار الاردني في التعامل مع هذا الملف، وقد ثبت انه بالامكان تجاهل التنسيق مع الجانب السوري وفي الوقت نفسه اتخاذ الاجراءات التي تحمي «الحالة» الدرزية، دون جر هذه الطائفة الى تحالفات وهمية مع مجموعات تكفيرية لن ترضى بالدروز شريكا الا اذا «أسلموا» على طريقتهم وليس على طريقة «بيك» المختارة. فهل يستجيب جنبلاط لصوت «العقل» قبل ان يسحب «البساط من تحته»؟
حتى الان «البيك» غير قادر على تحديد الوجهة الصحيحة لما يريده، تقول الاوساط، لكن ازدياد حجم المخاطر في تلك المنطقة سيدفعه قريبا لحسم موقفه النهائي، فالموقع الاستراتيجي المتمثل بالعقدة الجغرافية في مثلثبيت جن - وكفرحور وبيت بيتا التي تتحكم في مسار بعض الأمور العسكرية على جبهة القنيطرة - الجولان، والواقعة تحت سيطرة «جبهة النصرة»، اصبحت على رأس جدول اعمال الجيش السوري الذي يريد قطع أي اتصال بين مقلبي جبل الشيخ، وتحديداً المسالك المؤدية الى شبعا.
وما زاد الامور تعقيدا خلال الساعات القليلة الماضية ان التوترات على المقلب الاخر من الحدود ازدادت مع مرور الوقت، وثمة تهديدات من قيادات درزية ومشايخ من الطائفة «لجبهة النصرة» وحلفائها باطلاق حملة عسكرية شاملة في المنطقة إذا لم تنجح التدخلات والوساطات التي تقوم بها بعض الشخصيات السورية واللبنانية لإطلاق المعتقلين من أبناء طائفة الموحدين الدروز الذين خطفوا من قبل «النصرة»، واذا لم يتم ايضا تسليم جثثالمقاتلين من أبناء بلدات عرنة وقلعة جندل والريمي وبقاسم وأشرفية صحنايا.
وتلفت تلك الاوساط الى ان الضغوط تزداد على جنبلاط، وهو تبلغ من اعلى المراجع الروحية الدرزية في منطقة قطنة - عرنة - القنيطرة، «رسالة» واضحة تطلب منه عدم التدخل في هذا الملف لانه يزيد الامور تعقيدا، وطالبوه بعدم تقديم النصائح العلنية او «من «تحت الطاولة» لأن ذلك يؤدي بالدروز الى «الكارثة»، وقد تم ابلاغه ان ثمة قرار واضح وحاسم بعدم التخلي عن سقف الدولة السورية الشرعي، وقيل له صراحة ان دروز سوريا لن يتخلوا عن تاريخهم الوطني والقومي ولن يستبدلوا ثورة سلطان باشا الأطرش بأي ثورة أخرى. لكن خسارة جنبلاط الدرزية في المقلب السوري مرشحة للانتقال الى الجانب اللبناني من الحدود، وهذا ما يخشاه «البيك»، فاذا كان قبل اسابيع قد نجح في خفض حدة التوتر في المنطقة، فهو يجد نفسه محرجا امام انصاره ومحازبيه قبل «خصومه» بعد ان باتت «لغة الدماء» هي السائدة على المقلب الاخر، ومن يدعو جنبلاط لعلاقات حسن جوار معهم اظهروا شراسة غير معهودة في قتالهم القرى الدرزية، وكان واضحا من خلال الخسائر الكبيرة وجود حجم نوايا مبيتة لتوجيه ضربة قاصمة للموحدين الدروز.
هذا الامر انعكس على القاعدة الشعبية «الجنبلاطية» وقيادات الحزب التقدمي الاشتراكي التي باتت تشعر ان خطابها لم يعد يجد آذانا صاغية في المنطقة، وبات الكثيرون يتهمونهم بالتخاذل على حدّ قول الاوساط، وعدم تقدير حجم المخاطر المحدقة، وثمة من ابلغ جنبلاط انه لن يكون قادرا على السيطرة وضبط «الارض» اذا ما عادت الامور الى الاشتعال مجددا، ولذلك جدد مساعيه في الساعات القليلة الماضية مع الجماعة الاسلامية والقوى المتصلة بها، ونواب المنطقة ومفتي حاصبيا ومرجعيون الشيخ حسن دله لايجاد «مخارج» على محور جبل الشيخ بمقلبيه، تمنع انتقال «شرارة» القتال الى الاراضي اللبنانية. لكن هل يكفي ذلك لمنع الانفجار؟
الجواب هو النفي بالطبع، فجنبلاط مطالب بتغيير مقاربته للازمة السورية، واجراء مراجعة جدية على المستوى السياسي والميداني لمواكبة التطورات المتلاحقة في لبنان والمنطقة، وإذا كان مصرا على تجاهل نصائح حلفاء دمشق في لبنان والمنطقة، ربما حان الوقت لاستمزاج راي الاميركيين والاردنيين، اما الاستمرار «بالعناد» فستكون نتيجته الحاسمة «لا بالشام عيدنا ولا «بحاصبيا - شبعا» الحقنا العيد».

المصدر: بانورا الشرق الأوسط