بعد أن سيطر «داعش» على الفلوجة في محافظة الأنبار غرب العراق في كانون الثاني الماضي، أقنع التنظيم المتطرف رجلا يصنع الأغطية للسيارات بأن يبيع بدلا من ذلك سترات ناسفة في واحد من التغييرات الكثيرة التي طرأت على المدينة مع تأقلمها على الحياة تحت لواء متشددي «داعش».

سكان المدينة المتدينون أصلا ينفرون من ممارسات التنظيم المتطرف.
حقق التنظيم شهرة واسعة بقطع رؤوس أو إعدام من يقف في طريقه عندما يسيطر على مدن وبلدات في العراق وسوريا وكثيرا ما يستخدم مهاجمين انتحاريين في تقدمه صوب أهدافه. وأصدر المتشددون توجيهاتهم وتتضمن ارتداء جميع النساء النقاب وحظر التدخين أو قص الشعر على الطريقة الغربية، وكلها كانت من الأمور الشائعة في الفلوجة من قبل.

ويشعر كثير من السكان بالنفور من هذه التغييرات. لكن أشخاصا زاروا الفلوجة في الآونة الأخيرة وتحدثوا لوكالة «رويترز» في بغداد هاتفيا قالوا إنه من أجل الحفاظ على «الإمبراطورية» يعقد تنظيم داعش اتفاقات مع أمثال هذا الحائك الذي زوده التنظيم بمولد كهربائي ووقود بالمجان لتمكينه من زيادة أرباحه على طريق بيع سترات وأحزمة وسراويل ناسفة، حيثيدير نشاطه من مبنى عليه آثار طلقات الجنود الأميركيين في حربهم على تنظيم القاعدة منذ ما يقرب من ۱۰ سنوات. وقال الحائك: «مررت بأوقات عصيبة. عندي أطفال يجب أن أطعمهم. اخترت هذه المهنة الجديدة طواعية وأتحمل مسؤولية عواقبها».

كانت الفلوجة كانت أول مدينة عراقية تسقط في أيدي مقاتلي «داعش». وأهلها من العشائر المحافظة حتى إن الأصوليين فيها كانوا سببا لانزعاج النظام العلماني في ظل حكم صدام حسين. لكن حتى أهلها المحافظين لم يستريحوا في كثير من الأحيان للحياة في ظل تنظيم داعش. ويتحتم على النساء القادمات إلى الفلوجة ارتداء نقاب يوزع عليهن دون مقابل ويطلب منهن ارتداؤه في كشك بزجاج ملون عند مداخل الفلوجة حتى لا يمكن للرجال رؤيتهن. ولصق تنظيم داعش قائمة بالمحظورات على المباني والمساجد في أنحاء الفلوجة مثل حظر تدخين السجائر أو النارجيلة، إذ إنها قد تصرف الناس عن العبادة وحظر قص الشعر وحظر ارتداء القمصان التي تحمل عبارات بالإنجليزية أو صور نساء.

ويحظر على النساء مغادرة المنازل إلا برفقة أحد أقاربهن من الذكور. وأدى هذا الأمر إلى تزايد مشاعر الإحباط. وروى شاهد عيان حادثة تجمع فيها الناس حول امرأة في الخمسينات من العمر كانت تبيع ملابس للنساء وطلاء أظافر وهي تصرخ أمام محكمة «داعش» في الفلوجة التي تنظر جميع القضايا من الجرائم إلى النزاعات بين الجيران. وكانت المرأة في طريقها للمحكمة لكي تطالب بالسماح لها بالسير بمفردها لأنها أرملة ولا تريد أن تكون عبئا على أشقائها وراحت تصرخ في وجه المتشددين خارج المحكمة. ونقل الشاهد عن المرأة قولها: «تقولون إن الله لا يقبل أن تسير المرأة بمفردها خارج منزلها إذن كيف يقبل الله قتلكم للناس؟». ورد أحد المتشددين: «لو كنت رجلا لقطعنا رأسك». وقضت المحكمة بطردها من الفلوجة وغادرت بكل متعلقاتها في شاحنة صغيرة واستولى التنظيم على منزلها.

ويفرض «داعش» النقاب على من تزيد أعمارهن على ۱۲ عاما، أما من هن أقل من ذلك فعليهن ارتداء غطاء للرأس. وقالت امرأة بعد أن أجبرت ابنتها البالغة من العمر ٦ أعوام على وضع غطاء للرأس: «لماذا يرغموننا على القيام بأمور ضد إرادتنا». وحتى تماثيل عرض الأزياء في نوافذ المتاجر تغطى بالنقاب.

وقال مالك مقهى، إن المقاهي التي كانت ذات يوم تكتظ بالزبائن الذين يدخنون النارجيلة ويبحثون أمور حياتهم اليومية ويشاهدون التلفزيون لا يسمح تنظيم داعش الآن فيها إلا باحتساء الشاي ومتابعة البرامج الدينية. وقال رجل في سوق المدينة إنه ضبط وهو يدخن النارجيلة. وأضاف: «اعتقلني مسلحون من(داعش) وأخذوني إلى أحد رجال الدين فحذرني وطالبني بعدم تكرار ذلك وإلا سأجلد.. حاليا أنا مقتنع بضرورة حمل السلاح وقتال متشددي(داعش) في الفلوجة وإلا سنصبح عبيدا لهم».

خوف وغضب ومكاسب للبعض
وكان الشباب ذات يوم يهربون من المآسي في العراق عن طريق ممارسة التمرينات الرياضية في صالة للألعاب في الفلوجة، إلا أن تنظيم داعش حولها الآن إلى صالة مزادات تعرض قطع أثاثومبردات وأبسطة أخذت من موظفين حكوميين. لكن في الوقت الذي ينفر فيه البعض من أساليب «داعش» يحاول التنظيم خطب ود آخرين بتوفير الخدمات الأساسية. إذ يعمل متشددون يقودون شاحنات ترفع لافتات «داعش» على ري الأشجار على جانب الطريق. ويوظف التنظيم عمال نظافة لإزالة القمامة من الشوارع وطلاء الأرصفة لكي تتماشى مع لوني علم التنظيم الأسود والأبيض.
وفي الفلوجة حتى الطحين(الدقيق) المدعوم يباع في متاجر الدولة في أكياس تحمل شعار «داعش». وإضافة إلى جهود التنظيم لإدارة الفلوجة ك «دولة» يرى متشددو التنظيم أن المدينة لها أهمية استراتيجية في إطار مساعيهم لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

واستهدفت الضربات الجوية الأميركية - التي فشلت في إبطاء تقدم «داعش» في الأنبار - المنطقة المحيطة بالفلوجة. وغير المتشددون تحركاتهم لتفادي رصدهم في الوقت الذي تبحثفيه فرق أمنية خاصة ملثمة عن متسللين. وقال شاهد، إن أي شخص يضبط وهو يصور أي شيء تجري محاصرته على الفور واعتقاله ويستجوبه متشددو «داعش» ومعظمهم يرتدون زيا رمادي اللون وهم أعلى رتبة ممن يرتدون زيا باللون البني الفاتح. والمقاتلون على الجبهة يرتدون اللون الأسود.

وقال شهود، إن المتشددين يتحركون الآن في سيارات عادية ودراجات نارية بدلا من الشاحنات التي تحمل أسلحة مضادة للطائرات. وأضافوا أن الدبابات والعربات المدرعة التي استولوا عليها من القوات العراقية بعد أن تغلبوا عليها يغطونها بأفرع أشجار ويخبئونها في مناطق استراتيجية.

وهذا يعني أن عمل الحائك سيحافظ على انتعاشه وقد اشترى آلة حياكة ثانية. وقال الحائك: «أعلم أنني في يوم من الأيام ستعتقلني قوات الأمن، لكن عليها أن تعلم أني أفعل ذلك من أجل أسرتي».

المصدر: مسلم برس العربي +(الشرق الأوسط)