صباح ايوب - الأخبار

النظام المصرفي الكويتي أحد أهمّ معابر الأموال إلى المتطرفين
بعض المسؤولين الأميركيين شعروا بالارتياح عندما نُحي بندر عن الملف السوري

لم يتحوّل «داعش» إلى وحش بالصدفة. واكب الغرب بإعلامه ومسؤوليه نشأة التنظيم، وشهد على نموّه وتوسّعه. بأموال خليجية وشحن مذهبي ومباركة سياسية نما التنظيم المسلّح حتى أصبح وحشاً. بحسب الإعلام الغربي معظم المجتمعين في جدّة يعرفون القصة جيداً.

عندما سلّم الملك السعودي الملف السوري لبندر بن سلطان مع تسليمه إدارة جهاز المخابرات السعودية عام ٢٠١٢، رأى المحللون الغربيون أن ذلك يدلّ على «تصعيد السعودية اهتمامها بما يجري في سوريا ونيّتها لعب دور أكبر هناك». أي دور؟ لم يحدد أحد نوع هذا التصعيد أو طبيعته.

«نشكر الله على السعوديين والأمير بندر، بدأنا نرى تغيّراً هناك(في سوريا)»، قال السيناتور الجمهوري جون ماكين على قناة «سي إن إن» في كانون الثاني الماضي. السيناتور الذي يموّل حملاته الانتخابية أكبر لوبي للسلاح في الولايات المتحدة الأميركية(NRA)، كرّر عبارته بعد شهر في مؤتمر الأمن في ميونخ مع إضافة جديدة: «نشكر الله على السعوديين والأمير بندر وأصدقائنا القطريين».

بين ٢٠١٣ وحتى شباط ٢٠١٤، أي طوال فترة تسلّم الأمير بندر الملف السوري، تناولت المقالات الصحافية ظاهرة صعود دور «جبهة النصرة» و «داعش» في سوريا، وركّز الصحافيون على تمتّع التنظيمين بقوة كبيرة جعلتهما «المسيطرين المعارضين الأساسيين على الجبهات السورية». من أين يأتي التنظيمان بالأموال والسلاح؟ التحقيقات الصحافية ذكرت أن «متموّلين من السعودية وقطر والكويت يموّلون تلك المجموعات المتطرفة». المقالات حيّدت أنظمة تلك البلدان عن مسألة التمويل، لأنه «لا يوجد أي دليل صريح على ذلك».
*

صحيفة «ذي نيويورك تايمز» الأميركية نشرت تحقيقاً في تشرين الثاني عام ٢٠١٣ يبيّن أن «مبالغ طائلة تحوَّل من مصارف في الكويت لدعم المقاتلين المعارضين في سوريا». غانم المطيري، أحد المسؤولين الكويتيين عن حملات تمويل المجموعات المقاتلة في سوريا قال للصحيفة: «في السابق تعاونّا مع الولايات المتحدة في العراق(خلال اجتياح ١٩٩١). واليوم نريد إخراج(الرئيس) بشار الأسد من سوريا. فلما لا نتعاون مع القاعدة؟».

«الدعم القطري للمقاتلين السوريين»، «متموّلون سعوديون وكويتيون»، «عبر مصارف في الكويت» تكررت تلك العبارات في معظم المقالات الغربية التي سألت عن مصدر رزق «النصرة» و «داعش»، إضافة إلى تعداد مصادر أخرى مثل الاستيلاء على مخازن السلاح والمصارف وعلى مناطق غنية في سوريا.
فُتح باب «التوظيف» للجهاد على مواقع التواصل الإلكتروني أيضاً وبشكل علني، والمغريات دينية، مادية مع تسهيلات لوجستية على الحدود. تفصيل «عبور المقاتلين المتشددين عبر الحدود التركية إلى سوريا»، تكرر أيضاً في معظم المقالات الغربية.

كَبُر وحش التنظيمات المتشددة على مرأى من الجميع. وفي هذه الاثناء كان بندر يحصد دعم بعض النواب والشيوخ الأميركيين لتنفيذ ضربة عسكرية أميركية على سوريا. بلغت ثقة بندر بنفسه ذروتها، حتى أنه انتقد سياسات باراك أوباما تجاه سوريا علناً. غرقت سوريا بالسلاح ولم تنفَّذ الضربة الأميركية. أُزيح بندر عن منصبه على رأس الاستخبارات السعودية وعن الملف السوري في شباط ٢٠١٤. خرج المسؤولون الأميركيون والمحللون يقولون إن «مرحلة سعودية جديدة أقلّ تطرّفاً ستبدأ في سوريا»، وإن «بندر قد ذهب بعيداً في دعمه للمقاتلين السوريين». ماذا عنَوا ب «ذهب بعيداً»؟ لم يوضح أحد ذلك بعد. كُفّت يد بندر عن سوريا والمنطقة. لكن الوحش الداعشي كان قد ازداد قوة وتوسعاً وتموّلاً.

في حزيران ٢٠١٤ خرج تنظيم «داعش» ليقول إنه كبر فعلاً وبات «دولة»، ليس في سوريا فحسب، بل في العراق أيضاً.

عقدة لسان الإعلام
بُعيد إعلان «داعش» توسّعه إلى العراق وتوالي صور الاستيلاء على المدن والبلدات العراقية وأشرطة الإعدامات الجماعية بحق المدنيين، وقف الإعلام الغربي مذهولاً. تتالت المقالات التي عادت لتطرح الأسئلة عن تمويل «داعش» ومن يقف وراء دعمها. في ۱۳ حزيران أعلن مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية أن السعودية هي «على الموجة نفسها» مع الولايات المتحدة من حيثاتفاقهما على أهمية وضع حدّ لعمليات التنظيم.

في حزيران الماضي، ذكّرت لوري بلوتكين بوغارت، في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، أنه «لم تظهر في الوقت الراهن أي أدلة موثوقة على تقديم الحكومة السعودية الدعم المالي لداعش. فالرياض تعتبر هذه الجماعة منظمةً إرهابية تشكل تهديداً مباشراً للأمن في المملكة». وأضافت: «كثيرةٌ هي الحكومات في المنطقة وخارجها التي تموّل في بعض الأحيان الأحزاب المعادية من أجل الإسهام في بلوغ أهداف معينة في سياساتها. ولا ريب أن الرياض استلذّت بزحف التظيمات المتشددة الأخير الذي قادته داعش ضد الحكومة الشيعية في العراق، وكذلك بالمكاسب التي حققها الجهاديون في سوريا على حساب الرئيس بشار الأسد».

لكن بوغارت أردفت: «واليوم لا يزال المواطنون السعوديون يشكلون مصدر تمويل ملحوظ للحركات المتشددة العاملة في سوريا. وفي الواقع، إنّ الأطراف المانحة في الخليج الفارسي ككل ويُعتقد أن السعوديين أكثرها إحساناً أرسلت مئات الملايين من الدولارات إلى سوريا في السنوات الأخيرة، بما في ذلك إلى داعش وجماعات أخرى». زميل بوغارت في «معهد واشنطن» أندرو تابلر، قال صراحة في الفترة ذاتها: «الجميع يعرفون أن أموالاً من دول الخليج الفارسي تصل إلى سوريا عبر الكويت، إذ إن النظام المصرفي الكويتي لطالما شكّل مشكلة كبيرة لأنه يعتبر أحد أهمّ معابر الأموال إلى المجموعات المتطرفة في سوريا، والآن في العراق».

وإضافة إلى موضوع التمويل، تغيّرت نبرة بعض المقالات تجاه السعودية تحديداً في الفترة الأخيرة. بعض المحللين استعادوا التجربة الأميركية مع «قاعدة» أسامة بن لادن في أفغانستان الثمانينيات، وآخرون دعوا «السعودية وقطر ودول الخليج وتركيا إلى التوقّف عما تفعله» حالاً.

فُكّت عقدة لسان بعض الصحافيين والكتّاب في الإعلام الغربي السائد، فخرجت العناوين لتقول صراحة: «على السعودية أن تتوقف عن تصدير التطرف». هذا كان مثلاً، عنوان مقال للكاتب إيد حسين في «ذي نيويورك تايمز» منذ أسابيع يشرح فيه أن «فظائع داعش بدأت مع دعم السعودية للكراهية من خلال الفكر السلفي». «ليس كافياً أن ترسل السعودية ١٠٠ مليون دولار لوحدة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، بل عليها أن تتوقف عن دعم كل المجموعات السلفية المتطرفة حول العالم، وأن تكف عن بثّ الأفكار السلفية المتشددة وتعليمها للسعوديين وتصديرها إلى الخارج»، كتب حسين. الكاتب، الذي أعلن أنه «مسلم سنّي» خلال مشاركته في حوار نظّمه «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي استفاض بالشرح عن خطورة الفكر الوهّابي على المنطقة والعالم. ولفت إلى أن «درجة الكراهية التي يضخّها السعوديون في مؤسساتهم ومدارسهم ضد الشيعة غير موجودة لدى إيران، حتى ولو كانت الأخيرة تدعم حزب الله ونظام الأسد».

«ذي واشنطن بوست» من جهتها، قررت أخيراً أن تعيد تسليط الضوء على قضية انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة، وجعلت من الموضوع افتتاحية لها بدل أن يصنّف تقريراً عادياً في الصفحات الدولية. كاتب الصحيفة ديفيد إغناتيوس المقرّب من حلفاء السعودية في المنطقة، ذكّر في مقال أخير بسياسات بندر «غير المتوقعة» في سوريا ونقل بلهجة خجولة اتهام البعض للأمير السعودي بأنه ربما كان قد دعم المجموعات المرتبطة ب «القاعدة» هناك، «عن غير قصد». إغناتيوس أشار إلى أن «بعض المسؤولين الأميركيين شعروا بالارتياح عندما نُحي بندر عن الملف السوري»، إذ كان «مشغّلاً غير موثوق به» بنظر بعض المسؤولين. الكاتب وصف الأمير ب «المتوهّج» وبأنه «البطاقة الجامحة» في يد السعودية.

الشهر الماضي، نقلت «ذي أتلانتيك» عن «مسؤول قطري رفيع» أن «داعش كانت مشروعاً سعودياً». وأضافت المجلة أنّ التنظيم «كان جزءاً أساسياً من استراتيجية بندر السرية في سوريا».

باتريك كوكبورن في صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية نقل عن رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية السابق ريتشارد ديرلوف ما قاله له بندر شخصياً قبيل ١١ أيلول ٢٠٠١: «لن يمرّ وقت طويل على الشرق الأوسط قبل أن يقال حرفياً: ليكن الله بعون الشيعة». ديرلوف، أشار إلى أن النظامين السعودي والقطري غضّا النظر عن الأموال التي كانت ترسل إلى «داعش»، وشرح أن «سيطرة داعش على مناطق في العراق» والحجم الذي بلغه التنظيم «لا يمكن أن يحدثهكذا بشكل عفوي وفوري». «أَستَذكرُ ما قاله بندر لي ويقشعرّ بدني عندما أرى ما حصل في المنطقة بعد فترة قصيرة»، قال ديرلوف.