(زكرياء حبيبي)

في الوقت الذي تستقبل فيه إسرائيل مئات الجرحى من تنظيم جبهة النصرة بسوريا المصنف على أنه تنظيم إرهابي من قبل الأمم المتحدة، تتعالى أصوات قادة الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا، للدعوة إلى تحالف دولي لمُحاربة تنظيم “داعش” في العراق وسوريا، ولكن بنهجين مختلفين، الأول يستهدف القضاء على التنظيم في العراق، والثاني يسعى بحسب تصريحات الأمريكيين وحلفائهم إلى إضعاف “داعش” في سوريا لا غير.
هذه المفارقة الغريبة في التعاطي مع تنظيم “داعش”، تؤكد بجلاء أن ما تُحضّر له القوى الإستعمارية الجديدة، أبعد بكثير مما يتراءى لعامة الناس، فأمريكا وإسرائيل وحلفائهما، يريدون تشكيل تحالف دولي وإقليمي، لا مكان فيه للنظام السوري أو إيران أو روسيا، يرفع في الظاهر راية محاربة داعش، لكنه في حقيقة الأمر سيستهدف سوريا بالدرجة الأولى، وهذا ما حذّر منه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فأمريكا وإسرائيل والحلفاء والبيادق من العرب، حوّلوا “داعش” التي صنّعوها وموّلوها وسلّحوها، إلى “حصان طروادة” لاختراق التحصينات السورية، والإلتفاف على الشرعية الدولية، خاصة وأن الفيتو المزدوج الروسي والصيني لا يزال حاضرا في أذهان الأمريكيين والصهاينة، ولا يُمكن بأي حال من الأحوال استصدار أي قرار من مجلس الأمن يُتيح التدخل العسكري بأي شكل من الأشكال في سوريا، أضف إلى ذلك أن رفع راية محاربة داعش، ستُمكن الأمريكيين وحلفائهم من تسليح من يُسمّون بالمعارضة المعتدلة بالسلاح جهارا، لأنه في السابق كان الأمريكيون يتحفظون على تسليح “المسلحين” في سوريا بذريعة الخوف من وصول الأسلحة إلى التنظيمات الإرهابية، وهم اليوم بعد أن فصلوا بالأسماء لا غير، بين “داعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية الأخرى، سيكونون في حِلّ من أمرهم، وسيُضاعفون تسليح “المعارضة المعتدلة” بما في ذلك “جبهة النصرة” التي يدعمها بشكل مباشر الكيان الصهيوني في الجولان المُحتل.
وبرأيي أن سوريا واعية تمام الوعي بما يتم التخطيط له، ولذلك وجهت رسالة غير مُشفرة إلى الأمريكيين عبر قضائها على ٤۷ من قادة حركة احرار الشام، في عملية نوعية للغاية، حيثاستهدفتهم بتفجير المكان الذي عقدوا فيه اجتماعا في بلدة رام حمدان في محافظة ادلب، وبذلك فسوريا تجدد التأكيد على أن جيشها هو الوحيد القادر على مُجابهة ومُحاربة تنظيم “داعش”، وسائر التنظيمات الإرهابية التي تُموِّل كل منها إما السعودية أو قطر أو تركيا، فتنظيم أحرار الشام يعتبر من أهم مكونات “الجبهة الاسلامية”، التي تُديرها السعودية بالدرجة الأولى، والقضاء على قيادييها بهذا الشكل، يكشف أن يد الجيش السوري طويلة للغاية، وأنه قادر في الوقت الذي يشاء، أن ينال من أي تنظيم إرهابي، لكن الجيش السوري وباحترافيته العالية، يحترم جدول الأولويات، ولا ينقاد بسهولة إلى الأفخاخ التي تنصُبها التنظيمات الإرهابية، والمخابر التي تحركها وتخطط لها.
وبالنظر دائما إلى أهمية إنجاز الجيش السوري في إدلب، أي القضاء على قادة الصف الأول والثاني في تنظيم أحرار الشام، يتجلّى لنا أن مخابر إدارة الإرهاب في سوريا قد أثبتت فشلها في الإطاحة بالنظام السوري، وتركيع جيشه، وهي بالتالي لن تنجح على الإطلاق في إدخال “حصان طروادة الداعشي” إلى سوريا، تحت أي مُسمّى كان، وبرأيي أن هذا الحصان سيتحوّل إلى “حمار طروادة” لأن من يقودونه هم أكثر غباء من دابتهم، وإن هم أصرّوا على المغامرة بدخول سوريا واختراق سيادتها، بهذا الشكل الفجّ والمفضوح، فإنهم بذلك سيساهمون في توسيع دائرة الحريق الذي أشعلوه في سوريا والعراق، لكن هذه المرة لن تنحصر النيران في سوريا والعراق فقط، بل ستنتشر بسرعة فائقة لتطال حلفاء أمريكا وإسرائيل في المنطقة، لأنه لا يُعقل في حال توجيه التحالف الصهيوأمريكي المدعوم من مشايخ الخيانة في الخليج، ضربات إلى الجيش السوري، تحت غطاء محاربة “داعش”، أن يبقى الجيش السوري مكتوف الأيدي، ويبقى محور المقاومة يتفرج على العدوان، فالأكيد والمؤكد أن ردّ حلف المقاومة المدعوم من قبل روسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية وغيرها، سينقضّ على هذه الفرصة، ليُوجه ضربات مُوجعة لحلف العدوان الشيطاني، ويُعيد رسم خارطة المنطقة بالشكل الذي ينمحي فيه الكيان الصهيوني ومعه المشيخات والإمارات والمماليك.
وفي سياق الحرب على الدواعش، يجب أن يعي العراقيون كذلك أن حلف الشيطان هدفه الرئيسي ليس تخليص العراق من داعش، وإنما الإنتقام من العراق وتقسيمه، وهو ما يتجلى في الدعم السخي بالأسلحة للأكراد، لتأهيلهم للدخول في صراع مع العراق “المركز”، بغرض الإنفصال عنه، وهو ما سبق لبعض قيادات الأكراد أن لمّحوا إليه مرارا في السابق، وهنا يجب أن يعي الأكراد كذلك أنه في حال انفصالهم، فلن يكونوا بأحسن حال عن جنوب السودان الذي تم فصله عن السودان الأم، وغالب الظن أن حلف الشيطان سيدخل الأكراد في دوامة من الحروب مع جيرانهم، لن يستفيد منها سوى الشيطان الأكبر.