تتداخل أشلاء الجثثمع بعضها بعضا ما يصعب دفن كل شهيد على حدة

يحتاج المسعفون والأطباء إلى الكثير من الصبر حين تعاملهم مع جثثالشهداء والمصابين الواردين إلى المستشفيات. للحظة لا يميزون أن ما أمامهم كان إنسانا وهو الآن كتلة من الفحم والأعضاء المتداخلة.

تكفي جولة سريعة على الصور الواردة من غزة لتظهر حجم المأساة لكن التدقيق في صور المصابين أو الشهداء، إن استطاع الناظر الصمود أمام المشهد، تكفي للانتباه إلى أن الأسلحة المستخدمة ضد المدنيين الفلسطينيين ليست تقليدية، فهي تعمل بوضوح على إذابة لحومهم أو إحداثندب عميقة يصعب علاجها في وقت قصير، وهذا الندب يظل بحاجة إلى أطول وقت ممكن كي يتمكن الأطباء من علاجه إن كان صاحبه ذو حظ كبير ونجا بحياته. أما الشهداء فيصلون عادة مبتوري الأطراف أو الرؤوس فضلا على أن الأجزاء المبتورة إن لم تكن مختفية من الجثة فإنها تصل على صورة أجزاء مفرومة ومترامية الأطراف يصعب على الأطباء أو المسعفين لملمتها، بل تتداخل جثثبعض الشهداء من العائلة الواحدة ليصعب أيضا تقدير كل شِلوٍ من هذه الأجساد إلى أي شهيد يعود إن تمكنوا من معرفة هويته بسرعة.

الطفل محمد شلدان(۹ أعوام) من حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، وصل جريحا إلى مستشفى الشفاء الطبي بعد إصابته بشظايا قذيفة أطلقت من مدفعية دبابة متمركزة على الحدود الشرقية. القذيفة أصابت جسده النحيل واخترقت شظاياها أعضاءه ففصلت أطرافه السفلى عن جسده في مشهد مأساوي.

ظل الطفل يصرخ باكيا على نصفه المبتور، لكنه ليس أول أو آخر طفل بين أقرانه ممن وصلوا المستشفيات على هذه الحال، فهناك من هم أسوأ حالا منه وتتراوح معظمها ما بين الخطيرة وبالغة الخطورة.

كل هذه المشاهد دعت الأطباء الأجانب والفلسطينيين الموجودين في مستشفى الشفاء وسط غزة ليتساءلوا عن نوعية الأسلحة التي يستخدمها الاحتلال في استهدافه المدنيين. من هؤلاء مدير الجمعية الإغاثية الطبية الفلسطينية، عاهد ياغي، الذي قال إن هناك مؤشرات تدل على استخدام الجيش الإسرائيلي أسلحة «غريبة» ولم يستخدمها سابقا في حربه على القطاع، معززاً ذلك بتقرير دولي متطابق.

ويوضح ياغي أن السلاح المستخدم هو «سلاح كربوني فتاك»، مضيفا: «نستدل على ذلك من نوعية الإصابات التي تصل وهي مليئة بالحروق ورائحة الاشتعال لكن يعرف طبيعتها بعد، كما إن أصناف الحروق غير طبيعية وهي إن لم تكن قاتلة تؤدي إلى بتر الأطراف التالفة».

برغم ذلك، فإنه يرى أنه من المبكر الجزم رسميا باستخدام الاحتلال أسلحة محرمة دولياً، «مع أن هذا أمر ليس مستبعدا وجرى سابقا في عدواني ۲۰۰۸ و ۲۰۱۲، لكن الاتهام بحاجة إلى أدلة واضحة وموثقة عبر إجراء فحوص طبية بمساعدة الوفود التي تدخل غزة لمعالجة المرضى».

بالتوازي مع ذلك، أكد تقرير أعده فريق «ميديكا» الإيطالي الدولي أن السلاح المستخدم هو سلاح الDIME الكربوني الفتاك، «وهو نفسه الذي استخدمته إسرائيل في حربها ضد المدنيين اللبنانيين في تموز ۲۰۰٦».

من جانبه، يرى المتحدثباسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، أن أعراض الإصابات التي تصل المستشفسات استدعت التفكير في نوعية الأسلحة «خاصة بعد تسببها ببتر الأطراف بطريقة يصعب تدخل العمليات الجراحية لإعادة تركيبها أو حتى السيطرة على النزيف لدى الجرحى».

ويوضح القدرة في حديثمع «الأخبار» أن من أهم الأعراض المشتركة بين الجرحى حدة الجروح وعمقها نتيجة احتوائها شظايا صغيرة، «وغالبا تكون غير مرئية للأشعة السينية إضافة إلى الحرارة العالية في الأطراف السفلية».

«بناء على ذلك طلبنا من المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية أن يساعدونا في تحديد نوعية هذه الأسلحة بالضبط»، يضيف القدرة، «لذلك وجود المبعوثين ضروري لتوثيق جرائم الاحتلال واستخدامه الأسلحة المحرمة».

ميدانيا، يشرح المسعف محمود كلاب أن غالبية الحالات التي ينقلونها تخرج منها رائحة كالبارود، «ويشع منها دخان يقترب من السواد في مناطق الجروح، كما يكون المصاب واعيا ما يجري حوله لكنه بعد أن يصبح في سيارة الإسعاف يصاب بالإغماء». ويؤكد كلاب أن الحالات التي نقلوها تكون إصابتها مباشرة وليس بناء على شظايا، وهو ما أكدته مجلة «Defence Tech» العسكرية التي قالت في تقريرها إن السلاح الإسرائيلي الجديد يستخدم بواسطة طائرات من دون طيار ويصيب الهدف بدقة كبيرة.

ووفق التقرير نفسه، فإن السلاح يسمى DIME ويعني اصطلاحا Dense Inert Metal Explosive، «وقد يكون هذا السلاح قذيفة كربونية تتحول إلى شظايا صغيرة عند انفجارها وتطلق غباراً يحتوي على طاقة تحرق وتدمر كل شي في دائرة نصف قطرها أربعة أمتار». مبينا أن «هذه التكنولوجيا جزء من نوع جديد من الأسلحة منخفضة الفتك لكن لها أضرارا جانبية كبيرة وقد تكون قاتلة».

يشار إلى أن عضو مجلس الأعيان الأردني ونقيب الأطباء، الدكتور هاشم أبو حسان، قال إن اصابات جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة الذين يتلقون العلاج في المملكة الأردنية تدل على استخدام إسرائيل قنابل فراغية وأسلحة تدميرية وصواريخ يحرم استخدامها بحق المدنيين. لكن أحدا لا يستطيع أن يجزم بما جرى إلا بعد انتهاء الحرب على أنه من غير المأمول أن يؤدي الكشف عن أي أسلحة محرمة إلى محاكمة دولية عادلة كما جرت العادة.