برغم صعوبة الوقوف على ما يجري من تغييرات متتالية في أعلى هرم القيادة السعودية، فإن التغيير الأخير المتعلق بـ"إعفاء" الأمير بندر بن سلطان من رئاسة جهاز المخابرات العامة "بناء على طلبه"، يشير الى محطة أخرى في سلسلة محطات تمت في الآونة الأخيرة ويُنظر اليها على انها ترتيب لأساسات العهد المقبل في المملكة والتحوّط للوضع الداخلي فيها وإعادة تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية. لم تدم فرحة بعض الأوساط المحيطة بالأمير بندر طويلاً بتوقع عودته الى منصبه في الرياض لكي يتابع إدارة الملفات الصعبة التي سبق وكلفه بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ تموز/ يوليو 2012. فهذه الأوساط أنبأت في 25 آذار/ مارس الماضي بأن "مترنيخ" (!) السياسة السعودية يستعد للعودة الى عمله والتعامل مع الملف السوري، ومعه "يستعد عدد من الحواضر، في مقدمها طهران ودمشق والضاحية الجنوبية في بيروت.... لصدمة كبيرة بعد احتفالية إعلامية لم تدم طويلاً"، مؤكدة أنه "لم يستقل ولم يُعفَ". يفتح هذا التكهن الخائب البابَ للتساؤل: هل كان بندر فعلاً في أجواء العودة الى منصبه ثم تغيرت المعطيات في ظرف ثلاثة أسابيع؟ أم أن الرجل لم يعد يمسك بخفايا ما يجري في أروقة القصر المالكي في الرياض؟ علماً بأنه أقام في الفترة الأخيرة في محطة نقاهة مغربية اثر رحلة علاج الى "الولايات المتحدة". أيضاً: لماذا هذا التبديل الآن، وليس قبل أشهر عندما غاب بندر فجأة عن المشهد السعودي؟أسباب التغيير: يمكن إيجاز أسباب عدة لذلك، على تفاوتها في الأهمية - " الدافع السوري " للإعفاء: من الواضح أن الأمير بندر فشل في تحقيق تعهده بقلب النظام في سوريا، برغم أنه استخدم مختلف الأساليب والحيل لذلك، ومن ذلك فتح باب الدعم والإسناد للجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة أو تلك التي تتبنى فكره. لكن كلفة هذه التجربة كانت كبيرة على الأمن الداخلي في السعودية وتطلبت إجراء مراجعة أدت الى تكليف وزير الداخلية محمد بن نايف بمتابعة هذا الملف الداخلي - الإقليمي المتداخل في كانون الثاني / يناير الماضي. وفي مقالة سابقة، أوردنا أن الملف السوري لم يعد شأناً إقليمياً محدوداً بالنسبة للطبقة السياسية السعودية، في ضوء الرهانات التي عقدتها عليه، بل انه أصبح في وقتٍ ما جوازَ مرور في سباق الخلافة السعودي بالنسبة لبعض الأمراء. ولو قُيّض لبندر أن يحقق نجاحاً في هذا المجال، لكان سيشار اليه على انه " بطل قومي " سعودي وبالتأكيد سيجعل ذلك منه ناخباً هاماً وصوتاً مسموعاً في أروقة القصر الملكي. لكن الفشل له ثمنه أيضاً. وأصبح المطلوب اليوم، بعد الإخفاق في المهمة الكبرى المستحيلة، تنظيم الانسحاب من المستنقع السوري والخروج بأقل الأضرار اذا تعذر تحصيل بعض المكاسب. - الدافع الداخلي المتعلق بترتيب أمور الخلافة. من الواضح أن الملك عبدالله يسعى جاهداً لترتيب أمور الخلافة قبل حدوثأي فراغ في القيادة السعودية، وهو لم يترك لهيئة البيعة التي أنشأها في العام ۲۰۰٦ فرصة القيام بما يُفترض بها القيام به، ألا وهو تعيين الملك المقبل. فسارع الى تعيين الأمير مُقرن بن عبد العزيز ولياً لولي العهد الشهر الفائت وأخذ البيعة له، واضعاً ولي العهد الحالي الأمير سلمان وهيئة البيعة أمام أمر واقع لا يمكن تعديله مستقبلاً من قبل أي كان، وفق نص الأمر الملكي. وما كان همساً بالأمس القريب أضحى اليوم يقال على نطاق واسع، وهو ان الملك عبدالله يحضّر أخاه غير الشقيق مقرن للقيادة، انطلاقاً من انه يعتبره موثوقاً لديه والأقرب الى رؤيته في تنظيم شؤون البيت السعودي. وثمة اعتقاد بأن الملك الحالي يمهد السبيل لوصول نجله الأكبر متعب رئيس الحرس الوطني الى موقع متقدم، وقد يخلف الأخير مقرن في موقع النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ما قد يضعه على الطريق الطبيعية ليصبح ملكاً للسعودية في المستقبل. وهناك نقطة هامة في هذا المجال وهي أن تثبيت أسس العهد المقبل بقيادة الأمير مقرن، في حالت آلت الأمور اليه، يتطلب إزاحة العقبات من طريقه وتكوين فريق مطواع له. والأمير بندر ليس من هذه القماشة، كما يبدو. وذكر بعض كُتّاب السِيَر أن العلاقة بين الملك عبدالله والأمير بندر لم تكن على ما يرام عندما كان الأول ولياً للعهد والثاني سفيراً لبلاده في واشنطن، فوفقاً لمصدر قريب من العائلة الحاكمة انتقد عبدالله بندر بشكل غير لائق في تلك المرحلة، وفي إحدى المرات أخذه جانباً وقال له: " أعرف أنك لا تمثلني في واشنطن ". ومن الطبيعي في مثل هذا الوضع أن لا يطمئن الملك عبدالله الى استتباب الأمور للأمير مقرن مستقبلاً بوجود بندر في منصب رئيسي في الرياض. - الدافع الأميركي: أصبح بندر عاملاً من عوامل التوتر بين الرياض وواشنطن، في ظل إعراض الإدارة الأميركية عن الإنخراط بصورة مباشرة في حرب سوريا، إضافة الى عدم التحرك عسكرياً في وجه إيران للحد من قدراتها ومكانتها الإقليمية. لقد عبّر بندر بفجاجة عما يجول في خاطر المسؤولين السعوديين عندما أطلق في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي تصريحات تلوح بتقليص العلاقة مع الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً اذا لم تتحرك لسد الثغرات في الملفات الخلافية بين الجانبين. ولعله من غير المصادف أن يأتي إعفاؤه من مهامه بعد نحو ثلاثة أسابيع على زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة الى الرياض، وهي زيارة انتظر منها الجانبان تقريب وجهات النظر في شأن الملفات الإقليمية الخلافية، وذلك يعتمد الى حد كبير على خفض الرياض سقف توقعاتها من واشنطن وتهيئة رجال أقدر على التفاهم معها. ويذكّر إبعاد بندر عن موقع رئيس جهاز الاستخبارات بواقعة مشابهة حصلت مع الأمير تركي الفيصل الذي كان يحتل هذا المنصب قبيل هجمات ۱۱ أيلول / سبتمبر ۲۰۰۱، وأقام في تلك المرحلة علاقات مع نظام طالبان في أفغانستان، ثم - بعد تحميل الأوساط الاميركية الحكومة السعودية مسؤولية معنوية عن تورط مواطنيها في تلك الهجمات - تم إعفاؤه من منصبه " بناء على طلبه "، وفقاً لأمر ملكي. - الدافع الصحي: يبلغ بندر من العمر ٦۵ عاما، وهو - كما تذكر تقارير - يعاني من مشاكل صحية ونفسية سبقت الإشارة اليها. وفي مثل هذا الوضع، تُطرح تساؤلات حول قدرته على الإستمرار في قيادة جهاز الاستخبارات السعودي. غير أن هذا السبب لا يبدو كافياً للحكم بإعفائه من منصبه، في ضوء ما سلف من أسباب جوهرية.عودة الى الوراء: الدور والمؤهلاتتولى بندر رئاسة المخابرات في ۱۹ تموز / يوليو ۲۰۱۲، خلفاً للأمير مقرن بن عبدالعزيز، جامعاً اليه رئاسة مجلس الامن الوطني. اعتُبرت هذه الخطوة " ثورية " بعض الشيء، بالقياس الى النمط التقليدي للسياسة السعودية الخارجية. ولا بد ان الإتيان ببندر كان خياراً محموماً يدل على استعجال القيادة السعودية للاطاحة بالنظام في سوريا لأسباب اقليمية لا تخفى، لكنه في الوقت نفسه فُهم على أنه دليل على عدم وجود رجال لامعين آخرين(بمن فيهم الأمير مقرن) داخل العائلة المالكة يمكن إسناد هذه المهمة اليهم. ومثّل سجلّ بندر في الألاعيب الاستخباراتية وعلاقاته الوثيقة بزعماء أميركيين وأجهزة الاستخبارات الاميركية دافعاً للنظر اليه على أنه الرجل الأقدر على القيام بالمطلوب، في وقت كانت السعودية تتطلع الى تحقيق انجاز اقليمي افتقدته على مدى عقود، يقوم أساساً على ضرب مكانة ايران والإطاحة بحلفائها وفرض السعودية لاعباً رئيسياً في المنطقة. وحينها لم تتوقف القيادة السعودية عند مخاطر التفويض الواسع الذي أعطته لبندر للقيام بالمطلوب منه، وهذا بالضبط شكّل مدخلاً للكثير من الشرور لاحقاً، كما لم تنظر الى نقاط سلبية و " اضطرابات " في شخصية بندر، اذ تحدثت تقارير غربية عن مشاكل واجهته في التسعينيات، الى حدطرح شكوك حول " حالته العقلية "، وذكر كاتب السِّيَر ويليام سامبسون أن أول " فترة اكتئاب كامل " مر بها بندر كانت في منتصف التسعينيات. ووصف كاتب آخر وهو ديفيد أوتاواي الأمير السعودي بأنه " أكثر من مجرد سكير عارض "!ما بعد بندر: ليس من الواضح تماماً ما إذا كان المسؤولون السعوديون قد قرروا تبني "استراتيجية الخروج" من الأزمة السورية، لكي يسهموا في إدارتها من الخارج بأقل التكاليف والأضرار. والمؤشرات تؤكد ان الرياض لا تزال - في المرحلة الراهنة على الأقل- تضطلع بعمليات إمداد جماعات مسلحة في سوريا بالأسلحة. لكن استبدال الأمير بندر بشخص من خارج اطار العائلة المالكة تطورٌ مثير للإنتباه في حد ذاته، بالنظر الى أن هذا المنصب في العقود الأخيرة تعاقبَ عليه أمراء عديدون. وفي حين أن هذا التطور قد يُعزى الى منح مدير الاستخبارات مكانة أقل في شكل يناسب تثبيت أسس عهد الأمير مقرن، فإن ذلك يقلل حكماً من هامش دور رئيس الإستخبارات الجديد الفريق أول يوسف الإدريسي وحجم تفويضه في المسائل الأمنية والإقليمية لا سيما في الملف السوري، خاصة ان وزير الداخلية محمد بن نايف أصبح مناطاً به الإشراف على هذا الملف. ولا بد من الإشارة الى ان بندر ما زال رسمياً رئيساً لمجلس الأمن الوطني وهو المنصب الذي تولاه قبل إضافة رئاسة جهاز المخارات العامة اليه. فأي دور يبقى له ؟ هل سيبقى في موقعه هذا، أم سيغادره لاحقاً وتُسند اليه مهام أخرى تحفظ له ماء الوجه؟ سؤال ستجيب عليه الأسابيع او الأشهر القليلة المقبلة، في ضوء حركة الأوامر الملكية المتسارعة في الرياض والتي باتت تخرج بمفاجآت للسعوديين قبل غيرهم.