رغم حديث المسؤولين الإسرائيليين عن تعاظم قدرات حزب الله العسكرية التدميرية، يواظب هؤلاء يومياً على تهديد لبنان بحرب مهولة، ما يطرح علامات استفهام عن الغاية من هذه التهديدات، وهل هي مقدمة لحرب أم هروب منها؟ في تطور لافت، أطلق الجيش الإسرائيلي العنان لمعظم قادته الأساسيين للظهور العلني وتوجيه تهديدات للبنان وحزب الله، ووصف التحديات القائمة والحرب المقبلة والاستعداد لها، وتفصيل القدرة العسكرية للطرف الثاني وتوزّعها. ففي غضون يومين، أدلى كل رجالات الصف الاول، تقريباً، بما لديهم، ومن ضمن هؤلاء وزير الحرب موشيه يعلون، رئيس الأركان بني غانتس ونائبه غادي ايزنكوت، قائد سلاح الجو أمير ايشل، رئيس شعبة الاستخبارات افيف كوخافي، المدير العام لوزارة الحرب دان هرئيل، قائد الكليات العسكرية يوسي بايدتس، وغيرهم. كذلك لوحظ تكثيف المقابلات والتصريحات الإعلامية لمسؤولي الألوية والكتائب، تناولت التدريبات والمناورات الجارية، والجاهزية لخوض الحرب مع حزب الله، مع التأكيد على الانتصار أو «شبه الانتصار» المقبل. ولم يفتهم أيضاً استعراض قدرة الجيش الاسرائيلي التي باتت «خمسة عشر ضعفاً» قياساً بما كانت عليه عشية عدوان 2006. وإلى جانب حزب الله وقدراته، ركّز قادة العدو على «الجهاد العالمي» والفروع المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وتعاظمها وتهديداتها وتركّزها في سوريا ولبنان وساحات قريبة أخرى. إلا أن هذا التهديد، بموجب التقديرات الإسرائيلية المعلنة، لا يزال مستقبلياً وكامناً، ولا يبدو أنه سيكون واقعاً ملموساً في الفترة المقبلة. سبق ذلك، صدور التقدير الاستراتيجي السنوي لمركز أبحاث الامن القومي الذي دعا الى مواصلة الهجمات الاسرائيلية لمنع انتقال سلاح نوعي من سوريا الى حزب الله. هذا التقدير تتبنّاه القيادة وتعمل بمجمل توصياته، بحسب رئيس الاستخبارات السابق عاموس يدلين. نحو التهدئة أم العدوان؟في العادة المتبعة، إسرائيلياً، فإن إطلاق التهديدات والوعد بالانتصار وسحق الأعداء في أي مواجهة مقبلة، تخدم توجه إسرائيل الى التهدئة، من خلال زيادة منسوب الردع تجاه الأعداء، أكثر من كونه كاشفاً لنيات عدائية، مع العلم بأن تهديدات كهذه تشمل توصيفاً لقدرات العدو وخطره، تشكل أيضاً مقدمة ضرورية في حال كانت هناك نية مبيتة لشن اعتداءات. لكن أيّ من الهدفين تسعى إليه إسرائيل في هذه المرحلة؟ أقرّ المتحدثون الإسرائيليون بضخامة غير مسبوقة لقدرة حزب الله على إلحاق الأذى بإسرائيل، وجاهزيته لخوض أي مواجهة مقبلة مع الجيش الاسرائيلي. فأشار رئيس الاستخبارات افيف كوخافي، مثلاً، إلى أن هناك ۱۷۰ ألف صاروخ موجّهة الى إسرائيل من قبل «قوس الأعداء»، حصة حزب الله وحده منها أكثر من ۱۰۰ ألف صاروخ، فيما تحدّثمسؤولون إسرائيليون عن نوعية هذه الصواريخ ودقّتها وقدرتها التدميرية الهائلة. وأكدوا أن جاهزية الحزب للمواجهة لم تتأثر رغم تدخّله العسكري في سوريا، وأن الخبرة القتالية التي اكتسبها مقاتلوه في سوريا، لجهة الهجوم والدفاع على حد سواء، ستكون حاضرة في الحرب المقبلة، وهذا الأمر «يجب أن يؤخذ على محمل الجد، في التجهز الاسرائيلي للمعركة». ويتوقّع هؤلاء، في حال اندلاع الحرب، أن يلحق حزب الله أضراراً هائلة بإسرائيل، لم تشهدها من قبل، وتشمل إضافة الى إمكان استهداف أي نقطة في الدولة العبرية، البنى التحتية على اختلافها، بما فيها الكهرباء والمياه والمطارات والموانئ والقواعد العسكرية والمناطق الصناعية، وغيرها. واتفق المسؤولون والخبراء الاسرائيليون على أن كلفة الحرب المقبلة ستكون باهظة جداً، وهو ما يلقي بظلاله على قرار البدء بالحرب ومدتها والنقطة التي تنتهي فيها، وذلك على النقيض تماماً من المواجهات السابقة. كذلك لفت كوخافي إلى أن القدرة العسكرية المجمّعة لدى حزب الله، حتى مع عدم استخدامها الفعلي والاقتصار على إمكان تفعيلها رداً على اعتداء أو ابتداء، تؤثر في الأهداف التي ينبغي أن تُضرب أو تلك التي يجب الامتناع عن ضربها في لبنان، منعاً للاستهداف المقابل. ما الذي قالته إسرائيل، إذاً، من خلال تهديداتها؟الحرب المقبلةاستبعد المسؤولون الإسرائيليون اندلاع الحرب المقبلة في المرحلة الحالية، لأن لا مصلحة للطرفين في ذلك، كما استبعدوا أن ينجح أي طرف ثالثفي استدراج إسرائيل الى الساحة اللبنانية، رداً على عمليات تشن انطلاقاً من لبنان. وكان يعلون واضحاً جداً حيال هذه النقطة عندما لفت الى أن محاولات الاستدراج الى الداخل اللبناني باءت بالفشل، مشدّداً على أن إسرائيل لن تقع في الفخ، وهي متيقظة لإفشال محاولات كهذه مستقبلاً. مع ذلك، أهمل المتحدثون الإسرائيليون مسألة الوقوع في حرب غير مطلوبة من كلا الجانبين. ماذا عن الخطأ في الحسابات؟ وماذا عن الخطأ في تقدير موقف الجانب الثاني؟ وماذا عن الخطأ الاستخباري في تقدير القدرات المقابلة والنيات المبيتة ومتغيراتها؟ وماذا عن إغراء الداخل اللبناني لإسرائيل، كي تبادر الى اعتداء، حيثالبيئة المتشكلة من خصوم حزب الله، داخلياً، قد تغري أحداً ما في إسرائيل بشن اعتداء؟ في هذا السياق، برزت كلمة قائد سلاح الجو امير ايشل الذي تحدثعمّا سمّاه «المعركة ما بين الحروب». وفي تفصيل ذلك، أشار ايشل الى أن مهمة سلاح الجو معالجة التهديد من خلال شن عمليات وهجمات تؤدي الى منع نشوب الحرب أو تأجيلها. وإحداها هي منع وصول سلاح «كاسر للتوازن» قد يتسبب في شن حرب. إلا أن هذه «المعركة ما بين الحروب» تحمل في طياتها تهديداً بالتسبب في نشوب حرب. الأسئلة المثارة حولها يمكن تركيزها في سؤالين اثنين: ماذا عن توسع هذه المعركة، ما بين الحروب، ورفع مستواها واستهدافاتها وساحتها من ناحية إسرائيل؟ وماذا عن خطأ إسرائيل في تقدير حسابات موقف الطرف الثاني من أجل استمرار هذه الاعتداءات، وأيضاً اتساعها؟قدرات قتالية مهولةأجمع المتحدثون الإسرائيليون على أنه لا يمكن، بأي شكل من الاشكال، مقارنة القدرة التدميرية الهائلة لترسانة حزب الله العسكرية بما كان لديه عشية حرب عام ۲۰۰٦. وسيلمس الجمهور الاسرائيلي أضراراً لم يتعرض لها منذ نشوء الدولة عام ۱۹٤۸. وكان لافتاً الإسهاب في توصيف هذه القدرات، وكأنه جاء طلباً لبراءة ذمة المسؤولين الإسرائيليين، ورداً على التساؤل عن أسباب امتناع إسرائيل عن «حرب هي جاهزة لخوضها».نظرية الضاحية غابت «نظرية الضاحية» التي أطلقها قائد المنطقة الشمالية عام 2008 غادي ايزنكوت الذي يتولى حالياً منصب نائب رئيس الأركان. وتنصّ النظرية ـــ التي لقيت رواجاً وتنظيراً إسرائيلياً كبيراً ـــ على أن الحرب المقبلة مع حزب الله ستشهد تدميراً كاملاً لأي قرية أو بلدة لبنانية تطلق منها رصاصة واحدة على إسرائيل أو على الجنود الاسرائيليين. غياب النظرية كان لافتاً، رغم الانطباع الذي يمكن أن يتكوّن جراء الحديث المسهب عن القدرات الاسرائيلية غير المسبوقة والقدرة التدميرية الهائلة التي باتت في حوزة الجيش الاسرائيلي. كذلك فإن الكلام المنسوب إلى إيشل عن وجود آلاف القواعد العسكرية في مناطق مدنية يجب على الجيش التعامل معها في الحرب المقبلة، لا يشير الى تبنّ لنظرية الضاحية والتدمير الكامل للقرى والبلدات. التدقيق في كلمات المسؤولين الإسرائيليين يكشف أن «نظرية الضاحية» لم تعد تحتل المكانة التي كانت عليها، واستبدلت بالحديث عن أهداف محددة، عسكرية بين المدنيين، وهي بذاتها تخدم أهدافاً آنية قد لا تكون مرتبطة بسياقات الحرب، والغاية منها إثارة الخوف لدى المدنيين والضغط على حزب الله، على فرض نشوبها. على نقيض ذلك، برز في كلمات المسؤولين الاسرائيليين إقرار ضمني ـــ وصريح ومباشر لدى البعض ـــ بتوازن قدرة الردع، رغم عدم توازن القدرة العسكرية: بنية تحتية مقابل بنية تحتية؛ قدرة تدمير هائلة مقابل قدرة تدمير هائلة؛ إصابات مباشرة ودقيقة مقابل إصابات مباشرة ودقيقة. وهذه العوامل والمعطيات تحتّم الابتعاد عن نظرية الضاحية، بطبيعة الحال، علماً بأن ما جرت الإشارة إليه من معادلات في هذا السياق، لم يأت مبالغاً فيه، بل صرّح به كبار القادة العسكريين، ولم يعد تقديراً مخفياً. هذا أهم ما ورد عن لبنان في سياق فورة الكلمات والخطابات الاسرائيلية الاخيرة، وقد يكون توصيفاً لواقع مقدر لحرب مقبلة، مشبعة بتوصيف أهوالها وأضرارها للجانبين، والتي يصرّ الاسرائيلي على أنه لا يريدها تبعاً لأهوالها، بل وفقاً لذلك، يعمل على منعها. لكن هل هو قادر على التحكم في كل عواملها ومسبباتها؟ ما يطرح هذا السؤال هو أن الخطأ في الحسابات الاسرائيلية كان السبب في كثير من المواجهات التي خاضتها تل أبيب سابقاً، وتحديداً في الساحة اللبنانية.