خمسة وثلاثون عاما ما تزال غير كافية لإكمال التجربة الايرانية لإقامة النظام الاسلامي البراق الذي يستطيع جذب الانظار. ولكنها ايضا غير كافية لاسقاط التجربة من قبل اعدائها برغم الاعمال الارهابية الموجهة ضد المشروع الاسلامي الايراني، والحروب التي أقحمت ايران فيها بدون رغبة، ابتداء بالحرب مع العراق، وصولا الى الازمة السورية التي ما تزال رحاها تطحن الاشلاء.

برغم ذلك فمن يزور العاصمة، طهران، او مدنا اخرى مثل مشهد وقم، لا يستطيع ان يتجاهل التطورات البنيوية العملاقة التي شهدتها البلاد خلال ‘المرحلة الثورية’. وبرغم الحصار الاقتصادي الشامل الذي طبق على الجمهورية الاسلامية في السنوات الخمس الايران خيرة، فان ما تشهده من تغيرات كبيرة في الأفق المعماري للعاصمة يفوق في مداه وحجمه ما يحدثفي بلدان اقليمية اخرى لم تتعرض لظروف مشابهة ابدا.

فبلد يقطنه اكثر من سبعين مليونا، محاصرا من كافة حدوده بقوى معادية او ‘غير صديقة’ وخاضعا لحصار اقتصادي يمنع دخول عائدات مبيعاته النفطية او ارسال مستحقات الزبائن الاجانب، لا يستطيع، في الوضع العادي، ان يعيش الا بمعجزة. ويكفي ان مبيعاتها النفطية في السنوات الخمس الاخيرة لم تتجاوز مليونا ونصفا بينما كانت تصدر اكثر من اربعة ملايين برميل يوميا قبل انتصار الثورة الاسلامية في ۱۹۷۹ عندما كان سكانها اقل من نصف عددهم الحالي. برغم هذه الصعوبات لا يبدو نظام الحكم الايراني معرضا لتهديدات حقيقية من الداخل، وان كان يشعر دائما بوجود مؤامرات خارجية ضده.

وجاءت الانتخابات الرئاسية الاخيرة لتظهر هذا البلد مختلفا تماما عن محيطه الاقليمي الذي يبقى حكامه في كراسيهم مدى الحياة. ايران التي تحيي هذه الايام الذكرى الخامسة والثلاثين لاكبر ثورة شعبية في العصر الحديث، لم تعد كيانا محليا مشغولا بقضاياه الداخلية فحسب، بل اصبحت انتخابات دول امريكا اللاتينية تشغل بال قادته، كما يشغلهم ثورة شعب البحرين، والازمة السورية، ويراقبون الانتخابات الامريكية ويسعون احيانا للتأثير عليها.

برغم الغموض الذي يكتنف الموقف الايراني ازاء ما جرى في مصر في الشهور الستة الاخيرة، فان قادته يشعرون في داخلهم ان اسقاط حكم الاخوان يحمل في طياته رسائل مقلقة لنظام الحكم في ايران الذي يعتبر رائد مشروع الاسلام السياسي المعاصر في المنطقة. وعند الحديثمع قادته يرشح على السنتهم عتاب كبير على اساليب اداء الرئيس مرسي وجماعته خصوصا موقفهم الباهت ازاء قوى الثورة المضادة واستدراجهم، ربما بدون ارادتهم، لترويج المشروع الطائفي الذي كان السلاح الاقوى الذي استخدم لاسقاطهم. ولكن طهران تعتبر نفسها ‘أم الولد’ في ما يتعلق بمشروع الاسلام السياسي الحديث. انها ترى في الثورة المضادة استهدافا ليس للدول التي شهدت ثورات الربيع العربي فحسب، بل انها في جوهرها، تتطلع لاقتلاع النظام الاسلامي الايراني من اساسه.

واذا كانت عناصر ذلك المشروع في العديد من الدول العربية قد استدرجت، هي الاخرى، لمشروع طائفي يستهدفها اولا قبل ان يستهدف الهوية المذهبية لايران وحلفائها، فان طهران تأمل ان تكون التجربة قد علمت هؤلاء معاني الثبات والالتزام والصمود على المبدأ وعدم المساومة عليه او السعي لاسترضاء اعدائه بالتنازل عنه. البعض يرى في ‘التعنت الايراني’ سببا لعداء الآخرين تجاهها، بينما يعتبر الكثيرون تلك الظاهرة من اهم اسباب بقاء النظام، لانه اصبح مهابا من الآخرين، والهيبة تمنع الآخرين من الاقدام على اعمال تنقلب على اصحابها بدلا من ايذاء الطرف الآخر. بينما محاولات استرضاء الخصم بالمواقف والسياسات المائعة تضعف الموقف وتشجع الخصم على العدوان. ان منطق الثورة له خصوصياته وسماته التي لا يستطيع ‘السياسيون’ استيعابها. هذه الخصوصيات تبدو احيانا ضربا من الجنون او التهور او اللاواقعية، ولكنها هي التي تؤدي لاقتلاع اعتى الانظمة وأكثرها عددا وعدة، وترمي بها في مزبلة التاريخ.

اجواء الذكرى الخامسة والثلاثين للثورة هذا العام تختلف عن سابقاتها. فهناك قدر كبير من التفاؤل بعد الاتفاق الايراني الغربي حول المشروع النووي، وارتياح عام لانتخاب الرئيس حسن روحاني. اجواء التفاؤل انعكست قليلا على الوضع الاقتصادي بتحسن سعر العملة في مقابل الدولار، والبداية الطفيفة لتخفيف الحصار الاقتصادي المفروض. هذه الاجواء تعيد السجال المألوف في مثل هذه المناسبات حول ثنائية ‘الثورة’ و’الدولة’، ومدى تطابقهما او تباينهما، وما اذا كانتا متكاملتين او متنافرتين. بين الثورة والدولة في ايران تتوزع المهمات والادوار ضمن ‘توافق’ او ‘تفاهم’ على الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها. فايران الدولة معنية بملفات سياسية اقليمية ودولية متداخلة ومعقدة. ولكن دور ‘الدولة’ لا يتناقض او يتعارض مع دور ‘الثورة’.

بقلم: د. سعيد الشهابي