" غزو العراق ليس هدفنا، العراق هدف تكتيكي والسعودية هدف استراتيجي ومصر الجائزة الكبرى "ريتشارد بيرل* خلال المؤتمر السنوي لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية خلال العام الماضي في نيويورك، ورداً على سؤال بشأن الأزمة السياسية في مصر، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر " هناك نوعين من الثورات: ثورات ديمقراطية وأخرى تاريخية، وثورة مصر هي من النوع الثاني التي لا تترك في أعقابها إلا الدمار "، متابعاً أن ثورة ۲۵ كانون الثاني / يناير " لم يستفد منها إلا العسكريون والإسلاميون، فالشباب الذين دعوا للثورة لم يكن لديهم خطة واضحة لما بعد الثورة، وفي نهاية الأمر سيندلع صراع بين الجيش وجماعة الإخوان ". كما تنبأ كيسنجر بما يُسمى " حرب المئة عام بين السنة والشيعة "، تنبأ ب " صراع بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين "، والذي بلغ ذروته بعزل الجيش للرئيس محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان، وفض اعتصامي الإخوان في رابعة العدوية والنهضة. ترى بعض المصادر الأمنية والإعلامية أن الأحداثالأمنية التي شهدتها مصر والتي لا تزال تشهدها، من تفجيرات واستهداف لشخصيات أمنية وسياسية كان آخرها اغتيال مساعد وزير الداخلية اللواء محمد سعيد، تأتي في إطار الصراع الدائر بين الجيش والجماعة التي نشأت منذ عام ۱۹۲۸ برئاسة الشيخ حسن البنا، والتي شعر مناصروها أن " حرب الغاء تشنّ ضدهم "، خصوصاً بعد حلّ الجماعة واعتبارها " تنظيماً ارهابياً "، هنا قرر الإخوان، بحسب المصادر نفسها، العمل من خلال تحريك الخلايا النائمة أو الجماعات المسلحة المتمركزة بأغلبها على طول الحدود مع فلسطين المحتلة لضرب الأمن المصري وإرساء المعادلة التالية: اقصاؤنا عن المعادلة السياسية يقابله الفوضى وحالة من اللااستقرار.اللااستقرار في مصر: مطلب خارجي وأهداف متعددة تتقاطع هذه الرؤية مع ما صرّح به وكيل جهاز أمن الدولة السابق اللواء فؤاد علام لموقع المنار عن أن "هذه الجماعات التي تقوم حالياً بأعمال أمنية في الداخل المصري، تمّ دعمها بشكل كبير في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، إما من قبل التنظيم العالمي للإخوان أو من بعض الأطراف الخارجية كالولايات المتحدة الأميركية"، موضحاً أنه "تمّ تجميع هذه الجماعات أثناء حكم الرئيس المعزول في سيناء، وكان هناك علاقات متبادلة ما بينهم وبين الجماعات التكفيرية في قطاع غزة، البعض من هذه الجماعات تمّ تدريبه في غزة والبعض الآخر تمّ تدريبه في سيناء". كلام علام يتطابق مع ما قاله الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية د. علي بكر لموقعنا عن أن الجماعات "تلقت الدعم الأكبر خلال عهد مرسي، حيث ساعدهم الفراغ الأمني على تهريب كميات صخمة من السلاح، وبعض الدول الإقليمية قامت بذلك بهدف زعزعة الإستقرار في مصر". استناداً إلى ما تمّ ذكره عن وجود دور خارجي ساهم في تسليح هذه الجماعات بشكل كبير، وبالعودة إلى تصريحات كيسنجر، يتضح أن الولايات المتحدة الأميركية كانت على علم بما ستؤول إليه الأمور في مصر، التي تحتل موقعاً متقدماً في السياسات الأميركية في المنطقة خصوصاً لارتباطها الوثيق بأمن "اسرائيل". وبالرغم مما قيل سابقاً عن أن "من مصلحة واشنطن أن تحارب التطرف الذي تمثله شبكة القاعدة، بالوسطية التي تمثلها الإخوان المسلمين"، فإن عدم قدرة الإخوان على معالجة الأزمة الإقتصادية التي ورثوها عن النظام السابق إضافة إلى الأخطاء السياسية التي ارتكبها مرسي "الذي كان أشبه برئيس حزبي منه رئيساً لكل المصريين، وقيامه بمحاولة لجم دور المؤسسة العسكرية"،بحسب مصادر إعلامية، دفعت بواشنطن ببراغماتيتها المعهودة بالتماشي مع المتغيرات التي طرأت على جزء كبير من الشارع المصري، مدركة أن العسكر سيحكم مجدداً. وفي السياق، يؤكد الخبير في الشأن المصري د. حسن البنا أن واشنطن "تدعم كلا الطرفين المتصارعين في مصر حالياً، من أجل خلق نوع من الفوضى الدائمة في الداخل المصري، مستغلة الصراع القائم على السلطة والمواجهات والتظاهرات الدائمة في الشارع، وذلك لحماية "أمن اسرائيل"، أي "من خلال ابعاد البلاد عن أي دور قوي في المنطقة أو في ما يخص القضية الفلسطينية"، وذلك على غرار ما يجري في أكثر من منطقة عربية حيث تسود الصراعات والنزاعات الداخلية. وبناءً على ذلك، يرى البنا أن "بعض الجماعات الموجودة في سيناء تتلقى دعماً من واشنطن، وأكثرها ممن هم ليسوا على ارتباط مباشر بالإخوان يتلقى دعماً من المملكة العربية السعودية، التي تجد في دعمهم فرصة لبث مزيد من النقمة في الشارع المصري تجاه الجماعة، مستفيدة ايضاً من الوسائل الإعلامية التي باتت تتهم الإخوان بكل ما يجري في مصر من أحداث أمنية". ويلفت البنا إلى أن هذا الصراع المفتوح "الذي سخرت له آلة إعلامية ضخمة"، يوظف من قبل بعض الأطراف الداخلية والخارجية ايضاً "لخلط الأوراق، واستغلال ما تقترفه هذه الجماعات المسلحة من أعمال ارهابية في الداخل المصري لربط تسليحها ايضاً ببعض الأطراف المقاومة في الخارج كالمقاومة في لبنان"، والجدير ذكره أن اللواء علّام وخلال حديثه لموقعنا أشار "إلى أن حزب الله هو أحد الأطراف التي تقوم بدعم بعض المسلحين في سيناء". كما ينفي البنا ما ذكره كل من علّام والخبير في الجماعات الإسلامية د. علي بكر عن أن هذه الجماعات ظهرت في عهد الرئيس مرسي، قائلاً إنها كانت "خلايا نائمة، لكنها موجودة منذ زمن وتعدّ أنصار بيت المقدس الأقوى بينها خصوصاً أنها تضم مسلحين من جنسيات مختلفة بعضهم تلقى تدريبات سابقة في أفغانستان، والبعض الآخر يسمى بجماعة التكفير والهجرة الذين يتواجدون في الصحراء الليبية ايضاً، إضافة إلى من هم على علاقة بحماس كتنظيم الأقصى والقدس، وقد تمكنوا من خلال هذه العلاقة بالحصول على كميات كبيرة من السلاح". ومن هنا تقرّ المصادر الأمنية أنه "من الصعب على الآلة العسكرية القضاء على هذه الخلايا المسلحة، خصوصاً أن الجيش خاض عمليات عسكرية واسعة ولم يمنع ذلك من استمرار العمليات الأمنية"، ويدفع ذلك بالتساؤل عن مدى قدرة السلطة المقبلة والرئيس المقبل  من مواجهة هذا الإستحقاق الأمني المستجد، والذي يبقى الأخطر والأكثر قدرة على ارهاق الساحة المصرية، أم أن ذلك بات أكثر ارتباطاً بقرار خارجي يكمن في ما الذي يراد من مصر، التي تشكل جزءاً اساسياً من منطقة يبدو أنها تعيش في قلب حرب تنبأ بها كسينجر منذ زمن.