بعدَ ما يقارب على ثلاثسنوات من عمرِ الأزمةِ السورية, وبعد سقوطِ أكثرَ من مئةِ ألف شهيد جراءَ العنف الذي آلت إليه الأحداثلترسمَ واقعاً مأساوياً فُرضَ على ملايين السوريين أن يعيشونه مشردين بين مخيمات النزوح في الخارج ومراكز الإيواء في الداخل, وبعد تخريب للحجر والبشر لم يستثني محافظة أو طائفة أو قومية أو فئة من مختلف مكونات المجتمع السوري, وبعد كل هذا العنف والعنف المضاد, تولد لدى السوريين الكثير من الآلام والأحزان التي ربما تحتاج لسنوات وسنوات حتى يتمكنوا من نسيانها أو حتى تناسيها. خلال هذه السنوات الثلاثاتضحت معالم الأزمة يوما بعد يوم, وتحددت ملامح الأطراف المتنازعة التي تريد تصفية حساباتها على الأرض السورية. فبين حلف " أصدقاء الشعب السوري " وحلف " المقاومة والممانعة " انقسمت دول العالم بين مؤيد ل " ثورة " الشعب السوري ضد " الديكتاتورية ", وبين التصدي ل " المؤامرة " التي يشنها الأعداء لإسقاط نظام " المقاومة والممانعة ". بناء على هاتين الرؤيتين المتناقضتين للأمور, وبغض النظر عن الحقيقة التي يدعي كلا الطرفان امتلاكها ويسوق الأدلة على صدقيتها, انقسم الشعب السوري بين مؤيد ومعارض, أو كما يصور الإعلام بين " شبيح " و " مندس ", وتحول الاختلاف في وجهات النظر بين أبناء البلد الواحد إلى مواجهات مسلحة, ومع مرور الزمن وكما يحصل في البلدان التي تعاني من الأزمات والفراغ الأمني, دخلت الجماعات المتطرفة التابعة للقاعدة إلى سورية, لتتحول إلى خطر يمس أبناء الشعب السوري مؤيدين كانوا أم معارضين. بعد كل هذا وصل السوريون والعالم إلى نتيجة مفادها أن الحل العسكري لن يوصل إلى نتيجة وأن الحوار والحل السياسي هو الحل الوحيد للخروج مما آلت إليه الأوضاع في سورية, نتيجة ربما لم تكن بحاجة إلى كل هذه الدماء والتضحيات التي قدمها السوريون في حرب عرفوا أو سيعرفون قريبا أنه لم تكن لهم فيها ناقة ولا جمل. نعم الحوار هو الحل كلمة رددناها منذ بداية الأزمة وسنبقى نرددها دائما, ولكن أي حوار؟ ومن يتحاور مع من؟ ما هي معايير هذا الحوار؟ ولمن ستكون كلمة الفصل فيه؟.. أسئلة يجب أن تطرح اليوم قبل أن نصل إلى نتائج لا تصب في مصلحة الشعب السوري, إنما توضع على مقاس الأطراف المتحاورة, التي ربما يكون آخر همها الشعب السوري ومعاناته. أما جنيف وما أدراك ما جنيف, فهل يحقق أيا من هذه المعايير؟, في نظرة سريعة لمراحل الإعداد لهذا المؤتمر والتي كان آخرها إعلان الأمم المتحدة منذ أيام عن قائمة الدعوات الأولى لمؤتمر «جنيف ۲», وتتضمن هذه اللائحة ۳۰ بلداً، بينها القوى الدولية والاقليمية الكبرى وبعض الدول العربية, وتلقت الحكومة السورية الدعوة عبر البعثة السورية في نيويورك، أما تمثيل المعارضة فترك فضفاضاً ضمن عبارة إستخدمها بيان الأمين العام للأمم المتحدة، ريثما يجري التوافق على الممثلين في الأيام المقبلة, مما يدلل على أن أساس المؤتمر هم تلك الدول فهي التي ستتحاور, وهي التي ستقرر, وهي بالتالي ستفرض - على طرفي الحوار من السوريين - النتائج التي يتوصلون إليها, فالسورييون في جنيف – مؤيدين أم معارضين - عبارة عن واجهة لحوار تديره دول أجنبية لا ترى إلا مصالحها الخاصة, ولن يكون لمعاناة الشعب السوري حضور في المؤتمر إلا في التصريحات والبيانات التي تشبه إلى حد كبير بيانات الإستنكار والتنديد بجرائم الاحتلال الإسرائيلي التي عودتنا عليها الأنظمة العربية وجامعتهم. كما أثار حضور إيران لمؤتمر جنيف من عدمه زوبعة إعلامية كبيرة, حيثأعلنت إيران أنها لم تضع أي شروط من أجل المشاركة في مؤتمر «جنيف ۲»، بيد أنها أكدت رفضها أيّ اقتراحات لا تحترم سيادتها. ونفت المتحدثة باسم الخارجية الايرانية مرضية أفخم، التصريحات الأميركية بشأن وضع إيران شروطاً مسبقةً للمشاركة, فيما تعارض الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وخلفهما إسرائيل حضور إيران في المؤتمر, مما يدل على أن الدول التي ستحضر في المؤتمر سيكون لها دور يتخطى مجرد الإشراف والرقابة على مجريات الحوار فيه. من حق السوريين بل من واجبهم الإندفاع نحو الحوار, ومن حقهم أيضا المطالبة بوقف العنف وعودة الأمن بعد كل هذه المآسي التي عاشوها في السنوات الأخيرة, ولكن من حقهم أيضا ان يطالبوا بحوار مبني على أسس سليمة, حوار بين أبناء الشعب السوري, يلحظ معاناتهم, وتكون أولويته الأولى مصلحة السوريين ويهدف إلى بناء دولة سورية يتمتع أبناؤها بالأمن والعدالة والحرية. أما الحوار في جنيف سيكون بين تلك الدول الأجنبية لتتقاسم فيما بينها الكعكةَ السورية, وفقاً لمصالحها وبعيداً كلَ البعد عن آلام الشعب السوري وآمالهِ.