مرت الذكرى السبعون لإنشاء الإدارة الدينية لمنطقة آسيا الوسطى وكازخستان كحدث عابر بالنسبة للكثيرين. قد لا يكون الحدث ذا أهمية بالنسبة للبعض، لكن الأحداث التاريخية والشخصيات التي ساهمت في إنشائها تستحق من المسلمين أن يتعرفوا عليها والجهد الكبير الذي قاموا به من أجل إنشاء صرح علمي وديني كهذا، بل ويترحموا على أولئك الأئمة الذين جاهدوا بطريقتهم في حقبة شيوعية صعبة، وضعت السلطة يدها على كل ما هو ديني. الحرب الوطنية ضد الفاشية كانت الشعلة بالنسبة للشيخ العالم العامل “ايشون بابا خان”، يوم أن أبدى المسلمون في تلك الجمهورية الإسلامية تعاليهم على جراحهم ونسيان ولو لفترة معينة، ذلك القمع وآلاف المساجد المغلقة والاضطهاد الذي لحق بغالبية المسلمين والعلماء على وجه الخصوص، منهم من عذب ومنهم من قضى نـحبه ومنهم من كان ينتظر، ولكن غالبيتهم لم يبدلوا دينهم، وتحينوا الفرص ليعود للإسلام مجده. بين اليوم والأمس في أول جمعة من شهر يونيو 1941م، خرج مسلمو مدينة طشقند وسمرقند وبخارى وغيرها من المدن إلى الساحات الرئيسة المجاورة للمساجد المغلقة من قبل النظام الشيوعي ورفعوا الآذان وصلوا صلاة الجمعة. الخطبة الرئيسة كانت في مدينة طشقند، تكلم فيها الشيخ ايشون حول الهجمة الشرسة التي تعرضت لها البلاد من قبل القوات الألمانية الفاشية، والدعاء كان لطلب النصرة على الأعداء، بل دعا المسلمون أن ينصر الله الزعيم السوفيتي ستالين على العدو الذي دمر البلاد وقتل العباد. قد يكون الدعاء لستالين من البدع التي ننظر إليها باستغراب شديد اليوم، لكن الحال في تلك الفترة كان غير الحال اليوم. تناسى المسلمون حينها ما فعله ستالين من اضطهاد، وتذكروا أن الوحدة هي العنصر الرئيسي لربح معركة شرسة مع عدو لا يفرق بين مسلم وشيوعي . لكن الغريب هو عدم نسيان ذلك الجيل من المسلمين تقاليدهم الدينية، وطريقة الصلاة وهم الذين تربوا لفترة طويلة تحت حكم الإلحاد، فصلى الناس ولم يعبأوا بما يمكن أن ينتظرهم من قبل قوات الأمن الداخلي (الانكا في دي)، فالصلاة ممنوعة والاجتماع كان بدون ترخيص والشرطة السرية كانت دوماً بالمرصاد. ومع ذلك تذكر التقارير السرية التي رفع الغطاء عنها في أرشيف الانكا في دي، أنهم كانوا ” مندهشين جداً من الحركة الإيجابية التي عُبِّر فيها عن الولاء للسلطة السوفيتية التي بدأت الحرب ضد القوات الفاشية” في عام 1942م، ولأول مرة منذ عام 1926م عقد اجتماع للإدارة الدينية الرئيسة في مدينة أوفا بجمهورية بشكرتستان، والتي جاء في بيانها الطلب من المسلمين “بعدم ادخار أية قوة لمحاربة القوات الغازية على كل أرض تطؤها قدمه من أجل تحرير الوطن الكبير، والإنسانية والعالم أجمع من الشر الفاشي “كما جاء في البيان, وبعد الانتصار ظهرت فرصة ذهبية لتطوير العلاقات بين المؤسسات الدينية الإسلامية والسلطة السوفيتية. يتحرك أحد الأئمة الأفذاذ في آسيا الوسطى كلها آنذاك الشيخ ايشون باباخان ليستغل الفرصة ويجمع الأئمة في مؤتمر جامع، وأنشأ لذلك لجنة خاصة لوضع قائمة بالمدعويين والتحرك في كل من قرغيزستان وكازخستان وأوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان. كما قرر الاستعانة بإمكانيات الإدارة الدينية المركزية في مدينة أوفا التي كان يرأسها الشيخ عبد الرحمن رسول، وكذلك بإمام المسجد الجامع في موسكو الإمام الخطيب خليل الرحمن نصر الدينوف، وإمام مسجد “المرجاني” بمدينة قازان عاصمة تتارستان، وذلك للاستفادة من خبراتهم في التحضير لمؤتمر كبير مثل هذا. عمل اللجنة كان مضنياً، فلم يكن من السهل إقناع الأئمة وغيرهم من المدعوين، ذلك أن الكثير منهم لا يزال يذكر ما حصل مع أقربائهم وعليهم شخصياً من متابعات واضطهاد وقتل البعض من أفراد أسرهم من قبل أفراد المخابرات السرية الانكا في دي. كل هذه المخاطر كانت حاضرة في ذهن صاحب الفكرة الشيخ ايشون باباخان، الذي استشعر نوعاً من الحرية في التحرك بعد النصر في الحرب فطالب مسلمي آسيا الوسطى وكازخستان إلى التوحد في مؤسسة دينية مركزية جامعة. عمل دوؤب من جهة أخرى تحرك الشيخ مع مجموعة من الشيوخ من خلال سكرتير المجلس السوفيتي الأعلى في جمهورية أوزبكستان لبدء حوار مع السلطات السوفيتية في موسكو لأخذ الموافقة للقيام بالمؤتمر وإنشاء إدارة دينية مركزية لمنطقة آسيا الوسطى وكازخستان. وبالفعل حصل الشيخ ايشون على الموافقة بل ردت إليه السلطات السوفيتية بيته الذي أخذ منه عام 1928م بسبب اعتراضه على السياسة السوفيتية ضد الدين الإسلامي وإغلاق المساجد، اجتمع المؤتمر في الفترة ما بين 15-20 أكتوبر في بيت الشيخ ايشون، حيث حضر فيه 160 ممثلاً من دول آسيا الوسطى المختلفة، واتخذ قراراً بإنشاء الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وكازخستان، وانتخب بالإجماع الشيخ ايشون باباخان رئيساً لها، في عمر ناهز 85 سنة. كما انتخب نائباً له الشيخ مراد خوجا صالحي وضياء الدين خان ابن الشيخ ايشون سكرتيراً، كما اتخذ قراراً بفتح فروع في كل الجمهوريات حيث يترأس الشيخ ضياء الدين خان ايشون أوزبكستان، والشيخ عبد الغفار شمس الدين كازخستان، والشيخ صالح باباكلان طاجكستان، والشيخ عليم خان شاكر قرغيزستان والشيخ أنّا ايشان تركمنستان. وهكذا وبفضل العمل الدؤوب لهذه المجموعة من العلماء تم فتح أكثر من مائتي مسجد، وحدد أعضاء مجلس العلماء للفتوى والمجلس المشرف على المساجد، كما تم إنشاء مدرسة “ميري عرب” عام 1946م والجامعة الإسلامية العليا عام 1971م. التربية والأخلاق وكان القرآن والسنة هي المصدر الأساسي الذي اعتمدته الإدارة الدينية لحل قضاياها وقضايا المسلمين، وحدد في القانون الداخلي للإدارة واجبات الإمام تجاه المسلمين، حيث طولب الأئمة بالقيام بالدعوة داخل المجتمع المسلم وهو أمر اعتبر مواجهة صارخة للسلطة التي لا تعترف بالدين ولا تسمح بالدعوة إليه، كما طالب الشيخ ايشون الأئمة بالقيام بواجباتهم في التربية الروحية والأخلاق الإسلامية والمساهمة في إنشاء جيل يتربي على الصدق والأمانة وحب الوطن والابتعاد عن العادات السيئة. ولم يكتف الشيخ ايشون بذلك بل وهب بيته ليكون مركزاً للإدارة الدينية المركزية، ووهب مكتبته التي كانت تعُد أكثر من ألف كتاب ومخطوطة فريدة عمل على جمعها لعشرات السنين. وعمل الشيخ خلال حرب التحرير بجمع الملابس والمواد الغذائية وإرسالها إلى الجنود، كما جمع المال من أجل المساهمة مع الدولة في شراء الأسلحة، كما بادر بإنشاء لجنة لمساندة أسر الجنود والشهداء مادياً ومعنوياً. وهكذا بفضل حركية غير عادية وعقلية فريدة وإصرار على أن يكون للإسلام دوره في جمهوريات ارتبط تاريخها بالإسلام، أصبحت الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وكازخستان بقيادة الشيخ ايشون جزءًا من السياسة السوفيتية من أجل توحيد الشعوب السوفيتية تحت راية واحدة لدحر الأعداء من أرض الوطن. واستطاع الشيخ وإدارته الدينية أن يلعب دوراً هاماً لمدة 15 سنة مدة رئاسته وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى عام 1957م، حيث بقيت آثاره إلى اليوم بالرغم من أن تلك الإدارة الدينية قد انفرط عقدها بانهيار الاتحاد السوفيتي وظهرت بين تلك الجمهوريات حدود جغرافية جديدة لم يكن يتصور ظهورها الشيخ الفاضل ومن كان معه.