ربما عندما قال الرسول محمد (ص) :"لا أسألكم إلا المودة في القربى"، لم يتصور أن يبلغ حب أتباعه ومريديه لأل بيته هذه القمة العالية من الوجدان والشغف الذي يرتقي عاماً بعد عام.. في النجف الأشرف الصورة الأنقى والأيقونة الناصعة في التعبير عن تعلّق شديد وغير عادي يفوق التصور، قد لا يصدقه ألا من يكون هناك بنفسه وشخصه مشاركاً أو مراقباً.. تراهم مواكب .. مواكب.. وحشوداً حشوداً تدخل وتخرج، وكل يكفكف دمعه .. أولئك الواصلون في مناسبة أربعين الإمام الحسين(ع) يلتصقون بضريح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، في النجف الأشرف، يطلبون منه الإذن بزيارة ولده سيد الشهداء في كربلاء.. غريب هذا الطلب وكيف يمكن لهم أن يدركوا أنه أذن لهم بالزيارة؟!!.. أي إلهام هو هذا الذي يحسّون به يصلهم من هذا الضريح المبارك القابع منذ مئات السنين يزداد وجوده ترسخاً مع الأجيال رغم مرور مختلف الثقافات والاستعمار التي لم تستطع أن تخفي هذا الوهج النوراني ... هو الإذن من الأب لزيارة الإبن..أي أدب جم هو هذا، وأي ثقافة تنمّ فيها هذه "القدسية" عن روح تتفاعل مع قائم "ميت حي" في مرقد “لا يغادر جدرانه”... حتى هذه القدرة على المغادرة فيها رؤية أعمق يرى فيها أتباعهما أموراً ماورائية لا يفقهها إلا عاشقو أهل البيت ورسول أهل البيت، سلام الله عليهم أجمعين.. هو إذنٌ كيف لهم أن يحصّلوه من أمير المؤمنين؟!!.. هم يشعرون به حياً بينهم، يراهم ويسكن وجدانهم فعندما سقطت فاطمة مغشياً عليها عند باب المقام من شدة البكاء.. أدركت أن الأمير سمح لها بزيارة ولده الإمام الحسين.. وعندما تمكّن رضا من لمس الضريح وتقبيله أدرك أن الإذن قد حصّل له.. هؤلاء القادمون من أصقاع الأرض إلى بقعة جغرافية تعدّ الأخطر في العالم.. فكل منهم يتوقع أن يقع انفجار ما هنا أو هناك، في أية لحظة.. أو انتحاري يفجر نفسه بينهم، وهم منهمكون في زيارتهم للمقامات المقدسة.. تراهم مع ذلك لا يعيرون للأمر أهمية، بل إنهم يستغربون ممن يطرح عليهم سؤال إمكانية خوفهم من الوقوع في براثن هؤلاء التكفيريين، ما يطمئنهم ليس التدابير الأمنية الشديدة الحذر التي تقيمها الشرطة العراقية حيث غير مسموح حتى بدخول ألية أو مركبة أو سيارة إلى محيط المقام الشريف، بل لأن لا قوة في العالم تجعلهم يتقاعسون عن زيارة الأمير وولديه الحسين والعباس وحفيديه الكاظمين وغيرهم من نسله الطاهر .. لا قوة في العالم مهما بلغ جبروتها تخيفهم منعاً من الزيارة.. أو ليس هم احفاد أولئك الذين كانت تقطع أيديهم وأرجلهم عندما كانوا يزرون مقام الإمام الحسين في غابر الزمان؟!.. النجف لا تنام في هذه الأيام.. الخيم منصوبة للزوار الكرام ، وخدّام المقام، كما يحلو لهم أن يسمّوا أنفسهم، يؤمّنون كل احتياجات الزوار، من مأكل ومشرب ووسائل التدفئة وغيرها.. هؤلاء الخدام يعملون في النهار، يحضّرون الطعام، وكل ما من شأنه أن يسهّل للزوار زيارتهم ويرمن لهم الراحة، وفي الليل يفرشون الموائد ويوزعون صحون الطعام. يقول صاحب موكب النجف الأشرف "حيدر أبو كاظم"، وهو من التجار في شارع الإمام زين العابدين إن :"خدمة الزوار بركة، وفيه أجر كبير، نحن في كل المناسبات الدينية نقدم الخدمة للزوار . وهذا أبسط ما يمكن أن نقدمه قربة لله سبحانه وحباً لأهل البيت، الله سبحانه منّ علينا بكوننا سكان النجف قرب مرقد، وما نفعله هو رد الجميل لهذه الكرامة". قد يستغرب قارئ غير مسلم هذا الكلام، ولكن في عودة إلى تاريخ الأئمة سيجد أنه من اصول الثقافة الإسلامية، ثقافة أهل البيت، في تربية أصحابهم وأتباعهم في تكريم الضيف والتبرك منه..وأيضا قد لا نستغرب عندما لا ينتظر السيد عباس الحسيني الزوار أن يتقدموا من تلقاء انفسهم نحو موائد الطعام، بل هو بنفسه يذهب إليهم ويدعوهم واحدا واحدا ويطلب منهم بالتفضل عليه بقبول دعوته .. الزوار عندما ينالون تحصيل الإذن المبارك من أمير المؤمنين لزيارة ولده سيد الشهداء، ينطلقون في مسيرة طويلة مشياً على الأقدام من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة، كبار بمن فيهم العجزة والشيوخ، وصغار بمن فيهن الرضع المحمّلين على هوادج عصرية يجرها الوالدين ..ويطول المسير، ولكنك عندما تتقدم من أحدهم لتسأله كيف سيكمل الرحلة فلا تزال المسافة بعيدة ؟!! يفاجئك بأن الدرب سرعان ما ينقضي فحب أبي عبدالله لا يشعرهم بتعب الطريق ومشقة هذا السفر ..

فالله الله في حبك أبي عبدالله حيثتهفو القلوب إليكويعشقك العقل والوجدان.. وتسكن الروح التي ترنو إليكفإليك إليك يا حفيد خاتم الأنبياء نحلم بالسكن والجوارفي عقولنا وقلوبنا قبل الجغرافيا والجدار