الاجابة عن هذه الاسئلة وغيرها ممن تُطرح حول السلوك السعودي خاصة في السنوات الاخيرة في ضوء التغيرات التي شهدها العالم العربي يُوصِلنا الى نتيجة ان الاسرة الحاكمة في المملكة تعيش اقل ما يقال "مرحلة قلق لا سابق لها منذ توليها الحكم". بين الداخل والخارجداخلياً تتهيأ المملكة لبدء مرحلة نقل الحكم من ابناء عبد العزيز ال سعود مؤسس المملكة الى احفاده في ظل تقدم الملك عبدالله في السن وكذلك ولي عهده سلمان بن عبد العزيز، وهذا الامر خلق ما يُشبه حالة تراخىٍ في قبضة الملك لمصلحة عدد من الامراء بينهم رئيس الاستخبارات بندر بن سلطان ووزير الخارجية سعود الفيصل. واقع، اعطى دفعاً " لصقور المملكة " على حساب البقية وهو ما تُرجم من خلالها تعاطي الرياض مع الازمات المشتعلة في الشرق الاوسط. وأول من دفع ثمن " سياسة الصقور التشددية " شعوب المنطقة التي يسقطون منهم يومياً العشرات في ساحات العراق وسورية واليمن ولبنان.. جميع البلدان هذه تعيش ضمن تنوع طائفي ومذهبي منذ عشرات السنين وتُوجد فيها جماعات مسلحة وسياسية تدين بالولاء الى الرياض بفعل الترسانة المالية الضخمة التي تمتلكها المملكة بفعل عائدات النفط وبهذا المال وجدت الاخيرة موطىء قدم لها في لبنان والعراق واليمن فضلاً عن سورية ومصر، وسعت عبر المال ايضاً الى تسخير تلك الجماعات لمنع تشكيل قيادة قوية في البلدان المذكورة تخالف الحكم السعودي.طائفية ام مصالحمع بلوغ التوتر الطائفي والمذهبي وحتى القبلي أقصاه في بعض البلدان العربية والاسلامية من باكستان وصولاً الى المغرب العربي حاول الساسة السعوديون اظهار انفسهم كما يدافع عن السُنة في البلدان بالعراق وسورية ولبنان، ولعبت بعض الاطراف المحلية في هذه البلاد على الوتر المذهبي للتجييش فقط لافتقادها لاي طرح سياسي او قومي او حتى اسلامي جامع. فالورقة المذهبية وجدت فيها الرياض فرصتها للنيل من الجمهورية الاسلامية الايرانية وحلفائها في المنطقة كسورية وحزب الله عبر تصويرهم كوحش طائفي يريد ابتلاع المنطقة، وصرفت المملكة ولاتزال مليارات الدولارات للجماعات الموالية لها فضلا عن تسخير ماكنة اعلامية ضخمة تضم عشرات القنوات التلفزيونية والصحف ومواقع الانترنت خدمة لتحقيق أهدافها في اضعاف ايران وتفتيت العراق وضرب سورية وحزب الله وحتى عزل المقاومة الفلسطينية. ولا بد من الاعتراف بأن السعوديين حققوا نجاحاً جزئياً عبر خلق شرخ بين العراقيين سنة وشيعة واكراد وبين السوريين علويين وسنة ودروز ومسيحيين، فيما ينتظر لبنان دوره في حال نجح مخطط الرياض في بغداد ودمشق وطبعاً لا ننسى هنا اليمن والبحرين. تذرع السعودية بالعامل المذهبي للامعان في سياستها تناقضه الحقائق التاريخية والبراهين الواقعية، فحكام المملكة ومنذ النشأة لم تكن خشيتهم على المسلمين أو العرب رغم تمويلهم لجماعات دينية اتخذت منحى متشدداً دفعت بلادنا ثمنه الان، وانما الخوف السعودي كان منصباً دائماً على المصالح عبر منع قيام قيادة عربية مركزية والشواهد التاريخية كثيرة في هذا الاطار، وهي بدأت مع " العداء " الذي رافق العلاقات السعودية – المصرية ابان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر واحدى ساحات هذا العداء كانت حرب اليمن حيثدعم السعوديون حكم الامامة الزيدي لمواجهة الجيش المصري وحلفائه اليمنيين، كذلك استدعى بعض قادة الخليج بينهم السعودية الاميركيين الى المنطقة للتصدي الى الجيش العراقي في عهد صدام حسين والذي كان على وشك اجتياح الاراضي السعودية، كما شهدت العلاقات السعودية - الليبية(عهد معمر القذافي) خلافات وصلت الى حد التراشق الاعلامي بين كبار مسؤولي البلدين.. اللافت ان هولاء الحكام جميعاً ينتمون الى الطائفة الاسلامية السنية ما يؤكد ان خلاف الرياض معو خصومها هو على المشاريع السياسية وليس على " المذاهب "، فكيف يمكن تفسير حالة الهدوء بين السعودية ونظام الشاه في ايران(ذات الغالبية الاسلامية الشيعية) والتي كانت له اليد المطلقة غربياً في منطقة الخليج قبل الثورة الاسلامية عام ۱۹۷۹…! وما يعزز هذا الاعتقاد رد السعودية على تطورات الازمة المصرية الاخيرة منذ عزل الرئيس محمد مرسي حيثكان الملك السعودي اول المرحبين " بالتغيير الجديد " و " الاطاحة " بمرسي المنتمي الى جماعة الاخوان المسلمين. فالرياض رأت في اهداف الجماعة خطراً قد يطال حكمها في يوم ما، وانسحب هذا السلوك على تعامل المملكة مع الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي يُوصفه بأنه الداعم الابرز لحكم الاخوان المسلمين في المنطقة. من هنا، فان ترويج بعض المقربين من الحكم السعودي بأن الاخير يسعى لوقف ما يسمى " المد الشيعي القادم من الشرق " اي ايران تدحضه الوقائع الانفة الذكر لكن لا يعني ذلك ان المسلمين في بعض المناطق لم يسقطوا في فخ فتنة عمياء كما يحصل الان في سورية والتي تُمنع عنها التسوية بهدف انهاكها اكثر لا حباً في شعبها او دفاعاً عن حريته المنشودة بل درءاً للاخطار التي قد تهب على الرياض.السعودية وسورية…النزف المستمرفي الحالة السورية ارتكزت المملكة على سلاح المذهبية للنيل من طهران ودمشق في اعتقادها ان التجييش الطائفي اسهل الطرق لتحقيق المبتغى ورغم النجاح الجزئي في تأجيح الصراع السوري الا ان الرياض فشلت حتى الان في اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد خاصة وان التطورات الميدانية الاخيرة حسمت الى حد بعيد هذا الامر. فشل، رفع منسوب التوتر السعودي الى حدوده الاقصى وانعكس ذلك في تصريحات مسؤولي المملكة الذين بدأوا بالترويج الى ان " استمرار النزيف السوري سيستمر ما لم يتم تقديم دعم غربي نوعي للجماعات المسلحة " كما قال مؤخرا رئيس الاستخبارات السعودية السابق تركي الفيصل، وتوقع الكاتب والمحلل السياسي جوني منير لموقع المنار ان تستمر السعودية في تسعير الازمة السورية ورفض الحلول السياسية لان تسليم الرياض بالواقع الموجود سيؤدي الى اضطرابات داخل المملكة التي خلقت جواً من التعبئة الطائفية حيال ايران وسورية لا يمكن التراجع عنه بسهولة، في ظل وجود ثلاثة تيارات قوية داخل العائلة الحاكمة، كما يقول الكاتب. منير يستشهد بكلام كان ابلغه رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان الى المسؤولين الفرنسيين ومفاده ان حكومته لا تستطيع مجاراة الاميركيين في استدارتهم سواء حيال ايران او سورية " لان الشارع محتقن ويُلزِمنا بالذهاب أبعد في المواجهة ".المعطيات السياسية والميدانية تخلص جميعها الى ان الادارة السعودية ستكمل في نهجها التصعيدي حيال سورية وايران وحزب الله وكل من يحاول ان يقف في صفهم لان هناك من يقول ان العائلة الحاكمة في السعودية لا تستطيع المحافظة على استقرارها دون ايجاد عدو خارجي للهروب من مشاكل الداخل، وحقائق التاريخ والمستقبل تشهد على ذلك…