إسرائيل ضربت... والمقاومة سترد مَن اتخذ قرار الضربة الأليمة واللئيمة التي وجهت أمس إلى المقاومة الإسلامية، عبر اغتيال أحد قادتها الميدانيين؟ من فكر، ومن خطط، ومن اختار التوقيت؟ وعلى أي خلفية فعل ذلك، ولمصلحة من؟ وأية أهداف قرر تحقيقها عبر هذا العمل الأمني ــ السياسي الخطير؟ المؤشرات الخاصة بكيفية تنفيذ الجريمة، تقود كلها إلى إسرائيل. ليس هناك سوى احتمالات ضئيلة جداً، بأن تكون جهة أخرى غير إسرائيل من قام بالعمل. وحتى لو ثبت ذلك، وهو احتمال مستبعد إلى جانب ضآلته، فإن من اختار الهدف ومن قدم المعطيات ومن وفر الخطة هم مجموعة من الاستخبارات النافذة في كيان العدو. ولذلك، لم يكن حزب الله، بحكم خبرته الطويلة في المواجهة مع العدو، بحاجة إلى وقت وإلى جهد قبل تحميل إسرائيل مسؤولية الجريمة، وإنذارها بضرورة تحمل تبعات مثل هذه الأعمال. بالمعنى المهني، يمكن القول بأن اغتيال قيادي مقاوم، هو جزء من الحرب المفتوحة بين المقاومة والعدو، وبالتالي لا استغراب في ما قامت به إسرائيل. وقد يخرج من يحمّل المقاومة مسؤولية عدم حماية قياداتها. وهو يكون كمن يريد القول بأنه لا داعي لتكبير الموضوع. ومتى ردت المقاومة تكون قد ردت وانتهى الأمر. بالمعنى المهني نفسه، يمكن اعتبار التحليل السابق صحيحاً، لو أن الأمر يقتصر على عمل أمني، أو أنه يقتصر على عمل موضعي لا خلفيات ولا أبعاد له تتصل بكل ما يجري في لبنان وسوريا والمنطقة والإقليم وحتى العالم. لنضع جانباً ردّ فعل العدو ونفيه علاقته بالجريمة، وبيانات الإدانة والتنديد. لكن ليجرِ التوقف أمام معلومات وردت مساء أمس، عبر قنوات ديبلوماسية، تشير إلى «قلق غربي من أن تكون العملية خطوة إسرائيلية تستهدف ما هو أبعد من اغتيال أحد أعدائها». القلق الغربي لا يحتاج إلى شرح طويل. فإسرائيل غاضبة فعلاً من الاتفاق القائم بين الغرب وإيران. وإسرائيل غاضبة أكثر من كون الاتفاق وضعها جانباً، وأهمل ـــ من وجهة نظرها ـــ مصالحها الاستراتيجية التي لطالما كانت مقدسة عند الغرب. وإسرائيل غاضبة، لأن الاتفاق قيّدها إزاء ما تراه حقاً في التصرف ضد المشروع النووي الإيراني. وإسرائيل غاضبة، لأن الغرب قدم للمرة الأولى صورة عن تناقض ممكن بين مصالحه ومصالح إسرائيل، وأن ما حصل هو سابقة قابلة للتكرار في أمور أخرى وفي ملفات أخرى. لكن لنناقش ما الذي فكرت فيه إسرائيل عندما قررت القيام بهذه المغامرة. واضح أنها تعرف جيداً أنه لا مجال لأن تخوض مغامرة ضد إيران مباشرة. وإضافة إلى العجز عن تنفيذها حرباً من هذا النوع من دون دعم غربي مباشر، فهي تعرف أن من ذهب للاتفاق مع إيران إنما فعل ذلك بعدما فشلت كل الحلول الأخرى. والفشل العسكري قائم، ولو أنه لم يحصل. وإذا ما قررت إسرائيل توجيه ضربة أمنية إلى إيران، فهي عملت طويلاً على الخبراء النوويين. ولو فعلت الأمر نفسه بالأمس، لما كانت قد حققت أي هدف سياسي أو غير سياسي، بل لكانت قد وضعت نفسها في مأزق حقيقي مع حلفائها قبل الآخرين. تعرف إسرائيل أيضاً، أن معركتها اليوم تفترض منها توجيه ضربة تقول فيها للغرب إنها غير ملتزمة «تماماً» جدول أعمال الغرب لما بعد الاتفاق النووي مع إيران، وإنها تريد «حماية هوامشها الردعية». وهي في الوقت نفسه، تريد أن تقول لإيران ومحورها، إن الاتفاق مع الغرب لا يعني توقف الحرب على مشروعها النووي، ولا على دورها الإقليمي، ولا على وقوفها إلى جانب قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. لكن إسرائيل تعرف أنه لا يمكن توجيه الرسالة مباشرة إلى إيران في هذه اللحظات. ومع أن الهجوم الانتحاري على السفارة الإيرانية في بيروت شكل رسالة مزدوجة التوقيع، من قبل إسرائيل ومن قبل حليفتها السعودية، إلا أن إسرائيل لا تكتفي برسائل ملتوية. وفي ذلك دليل ضعف. تعرف أسرائيل أيضاً أن هناك قراراً كبيراً، في دمشق وموسكو وطهران وبيروت، بأن الغارات التي تقوم بها ضد أهداف سورية بين الوقت والآخر، ليست ذات شأن، قياساً بالحرب الكونية التي تشن على سوريا. وأن القرار يؤجل أي ردّ على غارات إسرائيل، وأن الطرف المقابل يحتفظ بحق الردّ، لكنه لن يخوض المعركة وفق جدول أعمال إسرائيل وتوقيتها. بناءً على ذلك، وجدت إسرائيل أنها أمام خيارات ضيقة، وهي خيارات حساسة وصعبة، لكنها تفيد في خدمة أكثر من هدف. وقامت بجريمة اغتيال قيادي بارز في المقاومة الإسلامية. وهي قالت لحزب الله عملياً إن يدها الأمنية لا تزال طويلة، وإنها قادرة على توجيه ضربات «جريئة»، و«من دون وسيط» إذا لزم الأمر. وهي تريد إشعار حزب الله ومن خلاله إيران بأن إسرائيل تترجم رفضها لكل ما اتُّفق عليه بين الغرب وطهران. وعندما قررت إسرائيل هذه الخطوة، عرفت أنها قادرة على البعث برسائل إلى «الحلفاء الجدد»، وخصوصاً السعودية، ومفادها أن «عدونا واحد، ويمكنكم أن تتبنوا عملاً نقوم به نحن ضد حزب الله، وها نحن نشد على أيديكم، ونقول لكم، لا تخضعوا لضغوط الغرب بشأن إيران ولا بشأن سوريا، وانتزعوا معنا الهامش الذي نفرض من خلال وقائع على الأرض تمنع تجاهلنا في أي تسوية يعمل عليها في المنطقة. وها نحن نمسّ بالعدو الصلب الذي تشتكون منه هذه الفترة، ونقول لكم إننا إلى جانبكم في الميدان وليس في البيانات فقط». لكن كيف قدرت إسرائيل موقف حزب الله وردّ فعله إزاء جريمة بهذا الحجم؟ الأجوبة محدودة على هذا السؤال. فإما أن إسرائيل تسعى فعلياً إلى مغامرة تستدرج من خلالها المنطقة، ومحور المقاومة على وجه الخصوص، إلى مواجهة تتدحرج صوب حرب تعتقد إسرائيل أنها مناسبة لها الآن، لأن سوريا منهكة بأزمتها، وإيران منشغلة باحتفالات الاتفاق مع الغرب، وحزب الله منشغل في مساندة الرئيس بشار الأسد، وبالتالي فإن معركتها ستكون أسهل، وربما هي تأمل أن يكون لديها الغطاء الذي بشرنا به ولَيد آل سعود، وأن يكون لديها من يساعدها على الأرض أيضاً في مواجهة حزب الله وسوريا وربما إيران. أما الجواب الآخر، فهو أن تكون إسرائيل معنية بتوجيه الرسالة فقط، وهي تعتبر أن القيود التي تمنع الحكم في سوريا من الردّ على غاراتها، موجودة أيضاً عند حزب الله، وأنه لن يكون بمقدوره الردّ موضعياً، ولا أكثر من ذلك. لكن واقع الحال قد يقود إلى نتائج أخرى. من راقب أمس طريقة إعلان استشهاد القائد البطل حسان اللقيس، والمسارعة إلى دفنه دون مواقف استثنائية، وخصوصاً على لسان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وعدم نشر أي معلومات من جانب الحزب عن الشهيد، بما في ذلك عدم نشر نبذة شخصية أو جهادية عنه، كل ذلك يقود من يعرف عقل المقاومة إلى نتيجة واحدة: ثمة رائحة دماء تفوح من خلف الحدود الجنوبية... ولننتظر!