استطاعت دبلوماسيّة موسكو الذكيّة والتي جاءت نتيجة دراسات دقيقة وقراءات معمّقة قام بها الخبراء والمحلّلون بوزارة الخارجيّة الروسيّة، استطاعت هذه الدبلوماسيّة أن تحقّق نصراً دبلوماسيّاً جديداً للمسؤولين في الكرملين، وأن تُلحق ضرراً بالقوّة الناعمة لأمريكا في المنطقة، على خلفيّة التحوّلات الراهنة التي تجري أحداثها في منطقة الشرق الأوسط.
ما حدثفي الأيّام الأخيرة على أعقاب التهديدات الشديدة اللّهجة لأمريكا وبعض الدول الغربيّة والعربيّة المتحالفة معها، كشف عن تحوّل التوجّه العالميّ من التركيز على مصر إلى التركيز على سوريا. وبدا أنّ الهدف من هذا التحوّل هو تجميع القوى وحشد جميع الطاقات والإمكانات بما يمهّد لتوفير السبل وتهيئة الظروف المناسبة، الإقليميّة والعالميّة، التي تسمح بشنّ هجمةٍ عسكريّة على سوريا. وكانت شدّة التهديدات بضرب سوريا قد بلغت حدّاً بعيداً، بحيثإنّ عناصر الردع القائمة في المنطقة، ومن جملتها: قوّة محور المقاومة وقدرتها على الردّ، والخوف من ردّة الفعل القاسية لهذا المحور على الهجمة المحتملة على سوريا، لو لم تكن متوفّرةً وموجودةً، لما تردّد المحور الآخر لحظةً في تنفيذ تهديداته بالهجوم على سوريا، غير أنّ الورقة الرابحة التي قلبت المعادلة هنا ومنعت هذا المحور الأمريكيّ من الإقدام على أيّ تصعيدٍ في الجانب العسكريّ، تمثّلت في روسيا التي استطاعت بذكائها أن تكسب المواجهة الدبلوماسيّة. بدأت القصّة من النفق المسدود الذي وجد الغرب نفسه مضطرّاً إلى دخوله على أعقاب تهديداته الجادّة بالهجوم على سوريا، وكان الواقع أنّ باراك أوباما، وبعد سيل التهديدات التي أطلقها من جهة، وعدم تهيّؤ الظروف المساعدة لشنّ هجومه على سوريا، من جهةٍ ثانية، كان قد وجد نفسه على أعتاب السقوط في فضيحةٍ إقليميّة كبرى، إضافةً إلى أنّ فرنسا، الشريك الرئيسيّ للولايات المتّحدة، في التهديد بضرب سوريا، وقعت من جانبها تحت وطأة ضغوطاتٍ شديدة فُرضت عليها بسبب معارضة الرأي العامّ لأيّ تدخّل عسكريٍّ في سوريا. ومن هنا، ومن واقع إدراكه لحقيقة المأزق والواقع المأزوم القائم في المنطقة، وعدم ميل محور المقاومة إلى خوض غمار حربٍ شاملةٍ تدمّر المنطقة بأسرها، أقدم الكرملين الروسيّ على ابتكار حلٍّ للأزمة، يضمن من جهة مصالح دمشق، بوصفها الحليف الاستراتيجيّ لروسيا، ويقدّم من جهةٍ أُخرى مخرجاً ملائماً نسبيّاً لأوباما يخلّصه من المأزق الذي وجد نفسه متورّطاً به. وفي هذا السياق، تحدّثفلاديمير بوتين، الرئيس الروسيّ، في مقالٍ له كتبه ليخاطب به الشعب الأمريكيّ، ونشرته صحيفة(نيويورك تايمز)، تحدّثعن أنّ الاستفادة من القوّة والعنف في المناسبات العالميّة وفي حلّ الملفّات والقضايا الدوليّة يُعدّ أمراً عديم الأثر والفائدة، مذكّراً بالتجارب المريرة التي خاضتها أمريكا خلال حروبها السابقة في أفغانستان والعراق وليبيا، ومؤكّداً على أنّه مهما كانت الهجمات محدودةً ومركّزة، ومهما كانت الأسلحة المستخدمة دقيقةً ومتطوّرة، فإنّه لا بدّ من أن ينجم عنها خسائر كبيرة في الأرواح، وهي ستؤدّي لا محالة إلى سقوط ضحايا من المدنيّين والأطفال والشيوخ، مع العلم بأنّ هؤلاء المدنيّين هم الذين يُدّعى أنّ الحروب إنّما قامت وتقوم لأجل الحفاظ عليهم. وإذ أكّد بوتين على أنّه «يجب علينا أن نتوقّف عن استخدام لغة القوّة، وأن نعود إلى مسار التسوية الدبلوماسيّة والسياسيّة المتحضّرة»، كتب قائلاً: «ها قد لاحت في الأفق فرصة جديدة لتجنّب عمل عسكريٍّ في الأيّام القليلة الماضية. ولذا، يجب على الولايات المتحدة وروسيا وجميع أعضاء المجتمع الدوليّ الاستفادة من إعلان الحكومة السوريّة استعدادها لوضع ترسانتها الكيماويّة في ظلّ رقابة دوليّة تمهيداً لتدميرها في ما بعد. ووفق تصريحات الرئيس أوباما، فإنّ الولايات المتّحدة ترى في هذا بديلاً عن العمل العسكريّ». ومن الواضح أنّ موسكو عندما قدّمت هذا الاقتراح المذكور، فهي دوّنته بطريقةٍ لا تخلّ بموازين القوى في المنطقة، وقد فهم القادة والمسؤولون الغربيّون ذلك جيّداً، لكنّهم ولأجل تضليل الرأي العامّ لم يأتوا على ذكره في العلن. وفي هذا الوسط، لم يبقَ سوى بعض الدول العربيّة، التي وجدت أنفسها وحيدةً على الساحة، ولم تستطع أن تتقبّل هذه الهزيمة، ما جعلها تُقدم علناً على توجيه انتقاداتها للغرب على خلفيّة تراجعه وطريقة تعاطيه مع هذا الملفّ. وليس هناك من شكٍّ في أنّ هذه الضربة لسوريا لو تمّت، لكانت بالنظر إلى التداعيات التي كان يُرتقب أن تنجم عنها أهمّ وأخطر حادثةٍ يُتّخذ القرار بشأنها منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية وحتّى وقتنا الحاليّ. وقد ذهب جمّ غفير من الخبراء والمحلّلين في الشؤون الاستراتيجيّة إلى أنّ هذه الهجمة لو تمّت، فإنّ نيرانها ستمتدّ وتتّسع كثيراً، وربط هؤلاء بين القيام بهذه الضربة وبين تشكّل واندلاع الحرب العالميّة الثالثة. فيما ذهب آخرون إلى أنّه على تقدير اندلاع هذه الحرب، فهي ستمتدّ لتجتاح على الأقلّ عشرةً من بلدان المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يهدّد الأهداف والمطامع الغربيّة في الحفاظ على الشريان النفطيّ الذي تجسّده المنطقة بالنسبة إلى الغرب، وفي تأمين الأمن لموارد الطاقة في المنطقة. وأمّا المشروع الأمريكيّ القاضي بإسقاط النظام في سوريا، فقد تمّت مناقشته، وبشكلٍ جدّيّ، في العديد من مراكز الأبحاثوالدراسات التي يعتمد عليها صنّاع القرار في الغرب، ومالت نتيجة هذه المناقشات لصالح الاعتقاد بأنّ واشنطن لا تملك بديلاً يمكن التعويل عليه لاستلام الحكم في سوريا مستقبلاً. وأمّا تلك التيّارات والجماعات الإرهابيّة والتكفيريّة التي تقدّم لها واشنطن الدعم والمساعدة لإسقاط عدوّهم المشترك أعني: بشّار الأسد، فتلك الجماعات من وجهة النظر الأمريكيّة الإسرائيليّة لا يمكن لها بحالٍ من الأحوال أن تكون بديلاً ملائماً لاستلام الحكم والسلطة في سوريا. وبالنظر إلى التأييد الشعبيّ الكبير الذي يحظى به النظام الحاليّ في سوريا، فلا يوجد في الجماعات والتيّارات المعارضة تيّار متجذّر له حضور قويّ على الساحة الداخليّة السوريّة بحيثيمكن أن يُعهد إليه بأداء هذا الدور الكبير والمهمّ. هذا كلّه، أوصل الغرب إلى الاقتناع بهذه النتيجة، وهي أنّه ليس من العقلانيّ أبداً الاتّكال على ادّعاءٍ فارغ لا يوجد له أيّ مستند قانونيّ في رمي بلدٍ كسوريا جارة " إسرائيل " الملاصقة لها إلى مصيرٍ مجهول وغير مستقرّ. يأتي هذا في وقتٍ كان فيه جون كيري، وزير الخارجيّة الأمريكيّة، قد أكّد، في خطابٍ له ألقاه في مجلس الشيوخ، ٢٥ مرّةً على سعي أمريكا وحرصها عن توفير الأمن ل " إسرائيل " في المنطقة. فشل أمريكا في إيجاد توافقٍ عالميّ في شأن هذه الهجمة، وفشلها حتّى في جمع الأدلّة التي تُثبت عدم كذبها فيما يرتبط بإقدام النظام السوريّ على استخدام أسلحة الإبادة الجماعيّة، أظهر أكثر من أيّ وقتٍ مضى الصفة غير القانونيّة لهذه الضربة الشاملة التي كانت تفكّر بتوجيهها إلى سوريا، الأمر الذي أوقع كثيراً من الدول الأوروبّيّة في دوّامةٍ من الحيرة والتردّد منعتها من المضيّ قدماً في دعم وتأييد هذه الخطوة الأمريكيّة. وهنا، في هذا السياق، لا ينبغي إغفال دور المعلومات التي قدّمها حماة سوريا وحلفاؤها الاستراتيجيّون، وعلى رأسهم: إيران وروسيا، في فضح كذبة اتّهام النظام باستخدام الأسلحة الكيميائيّة. ردّة الفعل الجدّيّة التي أظهرها محور المقاومة تجاه التهديدات الغربيّة لسوريا، إضافةً إلى اطمئنان أمريكا إلى هجماتٍ انتقاميّة يمكن أن تشنّها هذه الجبهة في صورة البدء بشنّ حربٍ على سوريا، شكّلا عامل ضغطٍ آخر على واشنطن دفعها إلى التراجع عن لهجتها الشديدة هذه وعن تهديداتها المتكرّرة بالحرب ضدّ سوريا. وبعد مضيّ فترةٍ وجيزة على سفر جيفري فيلتمان المسؤول السابق بوزارة الخارجيّة الأمريكيّة إلى إيران، بوصفه مساعد الأمين العامّ للأمم المتّحدة(بان كي مون)، وبعد الجواب القاطع الذي سمعه من إيران باستعدادها الذهاب إلى النهاية في حماية سوريا، وعدم استعدادها للتخلّي عن حلفها مع الرئيس بشّار الأسد، انحسرت تهديدات البيت الأبيض ضدّ سوريا، تاركةً المجال للحلول والمفاوضات السياسيّة، نظير الاقتراح الذي قدّمته روسيا. هشاشة الاقتصاد الأمريكيّ، ولا سيّما في ظلّ تنبّؤاتٍ حول عودة الركود إلى الاقتصاد العالميّ، لا يسمح مجدّداً بخوض أيّ تجربةٍ حربيّة باهظة الثمن وغير مضمونة النتائج، إضافةً إلى ما يترتّب على هذه الحرب من تداعياتٍ، من بينها ارتفاع قيمة النفط والتهديد بإغلاق مضيق هرمز وقناة السويس. وبخاصّةٍ: أنّ التجارب الأخيرة التي خاضتها أمريكا في حروبها على العراق وأفغانستان انتهت بخسارتها وفشلها، وأنّ كفّة الأثمان العسكريّة والسياسيّة والأمنيّة الباهظة التي تكبّدتها أمريكا من جرّاء هذه الحروب كان أرجح بكثيرٍ من المنافع التي استطاعت أن تحقّقها. ومن هذا المنطلق، التهب الرأي العامّ في الشارع الأمريكيّ في معارضة إقدام الولايات المتّحدة على شنّ هذه الضربة، ووفقاً للتقارير الإعلاميّة الواردة من هذا البلد، فإنّ أكثر من ٧٠ بالمائة من الشعب الأمريكيّ أعلنوا رفضهم لهذه الضربة التي يزمع المسؤولون في أمريكا شنّها. ومن هنا أيضاً، عمل أوباما على إنهاء لعبته الخاسرة بترجيح الحلّ السيّء على الحلّ الأسوأ، ساعياً إلى إيجاد مهربٍ له من الوعود والشعارات الحماسيّة الفارغة التي كان يُطلقها في بداية الحرب على سوريا.. وهكذا، ليكتسب أوباما بذلك لقب(أضعف رؤساء أمريكا)، بدلاً من اللّقب الذي كان يطمح لنيله، وهو لقب(أكثر رؤساء أمريكا طلباً للسلام العالميّ)؛ وذلك لأنّه هو أيضاً أثبت خلال هذه الأزمة أنّه لو أُتيحت له القدرة اللّازمة على شنّ حربٍ هنا أو هناك، فإنّه لا يقلّ قساوةً وميلاً إلى العنف والخشونة عن كلٍّ من جورج بوش الأب، وجورج بوش الابن.
المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها