الحقّ يُقال، ان الوضع متوتر بعض الشيء في طهران كما في معظم بلدان المنطقة. كمراقب قد تكون هذه آخر رحلة لي بين دمشق وطهران نظراً للحسابات والتكهّنات حول ما قد يحصُل خلال الأيام المقبلة. ولكنني لست على عجلة أبداً لمغادرة الجمهورية الإسلامية. أحبّ إيران وأهلها الذين في قيمهم الأساسية وتطلعاتهم حول الحياة أشبه بالأميركيين إلى حد كبير. فالإيرانيون يفكّرون مليا كما أفكّر أنا واصدقائي من الاميركيين وكل الاميركيين وذلك على الرغم من الصور المتطرفة التي ترسمها حكومة كل بلد لمواطنيها عن البلد الاخر بدوافع سياسية. حضوري في مؤتمر منظّمة "هابيليان" (لعوائل ضحايا الإرهاب في إيران) حول الإرهاب وضحايا الارهاب في طهران اثناء قيامي بمهمة متابعة طلّاب في جامعة طهران يبحثون في آثار العقوبات الإقتصادية الأميركية المستهدفة للمجتمع المدني، كان بمثابة فرصة رائعة للإستماع الى وجهات نظر الإيرانيين حول عدد من الأحداث الراهنة. الطلاب يبحثون موضوع العقوبات المفروضة أميركياً والتي تستهدف عوائلهم وأبناء بلدهم من أجل هدف سياسي يقضي بتغيير النظام. يوظف حزءٌ من عملهم لتعريف مصطلح "الإرهاب الإقتصادي" المستخدم من قِبَل البنتاغون والممارس من قِبَل الحكومة الأميركية وحلفائها. الطلاب مذهلون من حيث صفاء التفكير اذ يُظهِرون تفاؤلاً مُلهِماً وإنسانيةً في هذه الأوقات العصيبة. وكانت إحدى النقاط التي تمت مناقشتها في اللقاء الإيراني حول الإرهاب هي "الإرهاب الإقتصادي". وقد قرر الوفد الأميركي التركيز على ذلك الموضوع فقط خلال تقديم عرضه الذي استغرق تحضيره أشهراً عدّة. وكجزء من عمله، قدّم مسوّدة إتفاق دولي يمنع استخدام العقوبات الإقتصادية التي تستهدف المدنيين من أجل أهداف سياسية، منها تغيير النظام. وقد عرض الوفد الأميركي تفاصيل حول تاريخ "الإرهاب الإقتصادي" ، وحثّ حركة عدم الإنحياز ومقرها طهران على استخدام قوتها السياسية الدولية الجديدة لقيادة حملة مصادقة عالمية على مسوّدة الإتفاق الجديدة التي تمنع العقوبات الإقتصادية ضد المدنيين وتقديمها إلى الأمم المتحدة خلال الجلسة الإفتتاحية للجمعية العامة الشهر المقبل. وقد وعد قادة الحركة بدراسة المسوّدة وتنظيم لقاءات إستشارية لمتابعتها. وقد أكّد الوفد الأميركي في المؤتمر أيضاً أنه عندما تستهدف أي حكومة، بما في ذلك الحكومة الأميركية، التي ما تزال تشكّل الكيان العالمي الأكثر فرضاً للعقوبات مع تاريخ مليء باستهداف المدنيين من خلال العقوبات الإقتصادية (كما في كوبا وفييتنام والصين وكوريا وإيران ونيكاراغوا وغيرها من الدول) من أجل أهداف سياسية كتغيير النظام بالقوة كما هي الحال في سورية وإيران، فهي بذلك ترتكب عملاً إرهابياً كما تعرّفه الكثير من الوكالات الحكومية الأميركية. ولتوخّي الدقة، لا بدّ من القول إنّه وبسبب مشاكل طارئة في تأشيرة الدخول، لم يضمّ الوفد الأميركي في المؤتمر سوى محامٍ واحد في المجال الدولي. وقد اقتضى جهد الدقيقة الأخيرة التملّق لجيفري فلتمان، الذي على حدّ علمي لم يكن لديه مشاكل في تأشيرة الدخول أبداً، والذي كان مقيماً في الفندق نفسه للمشاركة في مؤتمر الإرهاب ما يضاعف حجم الوفد الأميركي ووزنه ونفوذه. وكانت قد عُرِضت على السيد فلتمان أيضاً رئاسة الوفد الأميركي لتحفيزه. ولكن الرجل، للأسف، رفض بحجّة ارتباطه بالتزامات أخرى. وحصول الأميركيين على تأشيرات لدخول إيران وسورية هذه الأيام لم يعُد بالأمر السهل بسبب التغييرات المتبادلة في سياسات وزارتي الخارجية في كلا البلدين، والخطوط العريضة المعدّلة العام الماضي من قبل الحكومتين والمرسلة إلى سفاراتهما حول كيفية التعامل مع طلبات تأشيرات الدخول العائدة للأميركيين. فالأميركيون الذين يريدون السفر إلى هذه البلدان يدفعون ثمناً باهظاً مقابل استهداف حكومتهم المدنيين. ومن خلال الحديث مع عدد من الإيرانيين وأصحاب المحالّ والطلاب خصوصاً ، يرسم المرء فكرة جيدة بعض الشيء حول انخراط الرأي العام الإيراني بالأحداث الراهنة. فهم يمثّلون صورة مختلفة تماماً عمّا يصوّره الإعلام الغربي المَدين بالفضل للشركات التي تدفع الضرائب. ولكن هذا ينطبق أيضاً على الإعلام غير الغربي أيضاً. يشعر المرء بالفخر في طهران بصمودها أمام العقوبات السياسية والإقتصادية الأميركية بالرغم من أن جميع السكان قد عانوا من تكاليف الحياة الآخذة بالإرتفاع التي باتت أقرب لوصفها بالتضخّم المستشري. والرؤية المشتركة التي قدّمها المؤتمر إلى جانب النقاشات الجانبية كانت الإعتقاد بأنه في حين وجود عدد من الدول ضمن المجتمع الدولي تمارس الإرهاب بأشكاله المختلفة، بما في ذلك الإرهاب الإقتصادي، إلا أن ما هو غير اعتيادي هو أن الولايات المتحدة تجادل في تاريخها الحديث من العلاقات الخارجية بأنها ملتزمة رسمياً بالإرهاب الإقتصادي الدولي، بوتيرة تفوق غيرها من الجهات حول العالم. وقد لخّص لي أحد الأساتذة الجامعيين تحليله حول تأثيرات العقوبات الإقتصادية الأميركية المفروضة بدوافع سياسية، زاعماً أنها تصل إلى مستوى "الإرهاب الإقتصادي". وقد أشار إلى التأثير الحاد على المستهلكين الايرانيين في متاجر الخضار، وتقلّص الدخل بشكل كبير، وجهود الحكومة للحفاظ على بعض المعونات للتقليص من تأثيرها، والطرق المبتكرة من الحكومة والقطاع الخاص على حدّ سواء التي استطاعت التقليل من بعض العقوبات مع تجنّب عقوبات أخرى تماماً في الوقت ذاته. واضافة الى مع تسببت به العقوبات الأميركية من نشر روح ابتعاد الايرانيين عن بعظهم البعض ، فقد أدّت وبشكل غير متوقع إلى المزيد من المبادرات بين الجيران بهدف مساعدة من يعانون مشاكل اقتصادية. ويجد المرء في الإيرانيين غضبا عارما حول قضية اجتياز "الخطر الاحمر" باستخدام السلاح الكيميائي في سورية والتي قد تتسب بحرب في المنطقة. وكانت النظرة هنا إلى الحملة الأميركية لضرب سورية على أنها تشكل أقصى درجات النفاق لدى الحكومة الأميركية. وقد عبّر أكثر من شخص ممن حاورت عن ازدراء حكومتهم لما قامت به حكومة الرئيس ريغان في أواخر الثمانينيات عندما لم يكتفِ البيت الأبيض بالصمت إزاء استخدام صدّام حسين الأسلحة الكيميائية ضدّ القوات الإيرانية وضدّ شعبه أيضاً، بل قامت الولايات المتحدة آنذاك بتقديم معلومات استخباراتية واحداثيات حول أماكن تواجد الإيرانيين لقتلهم وتوفير الغاز لتحقيق الهدف نفسه. وقد كتبت صحيفة "تهران تايمز" مؤخراً: "لقد اخبر مسؤولو الإستخبارات الأميركية العراقيين عن أماكن تواجد القوات الإيرانية المرسلة إلى العراق، وهم على علم تام بأن القوات العسكرية التابعة لصدّام حسين ستهاجمهم بالأسلحة الكيميائية، بما فيها غاز السارين الذي يقضي على الأعصاب". تأثير هذه الهجمات بالغاز التي تم تسهيل شنها من قبل الاميركيين، كان جليا في كلّ مكان في إيران حيث تظهر الندوب الجلدية والأحوال الصحية المتدهورة لمئات الآلاف من ضحاياها. والسؤال السائد هنا هو التالي: "كيف يستطيع الشعب الأميركي أن يقبل بازدواجية المعايير حيث يكون ضرب الإيرانيين وأعدائه بالغاز ومساعدة الحكومة في ذلك مقبولاً؟" ثمّة حماس واضح ونوع من الفرح هذا الصباح لأن البرلمان البريطاني، مضيفا الى رصيده الضخم ، صوّت ضدّ تحرّك حكومة كاميرون القاضي بالسماح للقوات البريطانية بضرب سورية. وبنظرة تفاؤلية، عبّر سائق سيارة أجرة قائلاً: "هل سيحذو الكونغرس الأميركي حذو البرلمان البريطاني"؟ يبدو أن الإيرانيين يرون ان التصويت البرلماني يشكل انتصاراً لهم لأن القليلين هنا، إن وُجِدوا، يعتقدون أن الهجمات الأميركية على سورية لا تستهدفهم، ذلك أن دور الجمهورية الإسلامية يُعدّ محورياً في مقاومة الإحتلال الصهيوني لفلسطين وأهداف الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة. والرأي العام في إيران إزاء الإحتمالات الخطرة التي تلوح في الأفق كطبول الحرب أصبح تصمّ الآذان في عواصم الدول ولكن الخطابات أقلّ انفعالاً مما كانت عليه في السنوات الماضية. ومما لا شكّ فيه أن هناك الكثير من الأسباب وراء ذلك، بما فيها نتائج الإنتخابات الأخيرة في إيران التي تعتبر هنا إشارة إلى الإستقرار والديمقراطية في المنطقة. وقد أوضحت طهران لـ "جيفري فلتمان" هذا الأسبوع أنها جاهزة لتعاون جدّي من أجل حلّ الأزمة السورية سلمياً. وكما أشار الباحث في جامعة برينستون حسين موسويان، فإن التعاون بين الولايات المتحدة وإيران حول أفغانستان عام 2001 الذي نتج عنه سقوط طالبان والقاعدة (على الأقل لفترة من الزمن)، يشكّل مخططاً لتعاون جديد. وبحسب موسويان: "يجب أن يكون هذا التعاون محصوراً  في المسألة السورية. فالشرق الأوسط يتطلّب إدارة ازمة في الوقت الحالي للتعامل مع هذه الأزمة وغيرها ، وهو ما يعتبر وسيلةً جيّدةً لهذا التعاون". أما أنا فأؤمن بأن معظم الرأي العام الإيراني والأميركي موافق على أن ثمّة إشارات توحي بالتفاؤل خلال هذه الفترة المرعبة من العد العكسي.