لا يمكن تناول وتحليل دوافع وظروف واهداف العنف والارهاب الذي استشرى في العراق بعد الاطاحة بنظام صدام في التاسع من شهر نيسان/ ابريل من عام 2003 بمعزل عن ظاهرة عالمية خطيرة لم تكن ابعادها ومضامينها الشاملة قد تجلت وتوضحت بما فيه الكفاية قبل عقد التسعينيات، او تحديدا قبل تدمير مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة الاميركية في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر من عام 2001، ارتباطا بظروف واوضاع ومعطيات الصراع في الساحة العالمية الذي حكمته جملة حقائق ومعادلات سياسية. واذا كان تنظيم القاعدة بزعامة المعارض السعودي "اسامة بن لادن" قد مثل العنوان الابرز للعنف والارهاب في العراق خلال الاعوام التي تلت سقوط نظام صدام، فإن هذا التنظيم لم ينشأ ويترعرع في البيئة العراقية، وإنما نشأ وترعرع في بيئات اخرى، وفي ظل ظروف قد تكون في جوانب منها مشابهة لظروف الفوضى والاضطراب التي خلفها سقوط نظام صدام ووقوع العراق تحت قبضة الاحتلال. في ذات الوقت فإن المفصل الاخر للعنف والارهاب في العراق، والمتمثل ببقايا حزب البعث المنحل، يعتبر في واقع الامر جزءا من منظومة اوجدها النظام السابق، وهي اخذت بعد سقوط ذلك النظام تعمل في الظلام وتحت الارض بنفس الادوات والاساليب والوسائل السابقة، بعدما كانت تعمل في ظل أطر رسمية وقوانين وسياقات هي التي تقررها وتقرها وتضعها بما يتناسب وينسجم مع الضرورات والاعتبارت السياسية والامنية للسلطة لا لابناء الشعب. ومثلما يقول الباحث زهير المخ في كتابه المشترك مع كل من الدكتور احمد ابو مطر والدكتور خالص جلبي، والموسوم (الاسلام والعنف .. الواقع وتحدي الارهاب، وأزمة البناء التعليمي) "ان الارهاب جاء الى العراق مسلحا بعموميات لا يصح البتة وصفها بالبرنامج او حتى مقدمات برنامج في مواجهة الاحتلال، وبدا باكرا انه يؤمن بأسلوب انتزاع الادوار والمواقع عبر تحويل العراق الى حقول للقتل اكثر مما يؤمن بالتنافس السياسي، وبالتالي اوجدت ممارساته الاولى في الذبح المجاني بأنه قادر ان يخيف اكثر مما هو قادر ان يقنع". وبالفعل فإن ذلك هو ما حصل بالضبط، وكانت مصاديقه العملية تتجلى وتتضح يوما بعد اخر، ولم يكن عسيرا على أي متابع ان يجمع حصيلة كبيرة لاسماء جماعات رفعت راية المقاومة والجهاد ضد المحتل لترتكب ابشع الجرائم بحق الناس الابرياء تحت تلك اللافتة العريضة. وللاسف فإن مشاهد القتل والتدمير بقيت تتكرر حتى الان، واذا كان ايقاعها قد انخفض في فترة من الزمن، فإنه عاد الى الارتفاع مجددا، وقد بدا ذلك واضحا خلال الشهور الماضية، فبينما كانت الجماعات الارهابية تحتاج الى فترة شهر او اكثر للتخطيط وتنفيذ عمليات ارهابية واسعة، فإنها باتت تستهدف مناطق ومدنا عديدة في وقت واحد كل اسبوع او اقل من اسبوع في بعض الاحيان. ولا ترتبط فاعلية وقوة الجماعات الارهابية بما تحظى به من دعم واسناد سياسي وعسكري ومالي واستخباراتي من اطراف اقليمية ودولية عديدة، وانما يرتبط ايضا بطبيعة الازمة ـ او الازمات السياسية ـ في البلاد، وضعف اداء المنظومة العسكرية والامنية العراقية، واختراقها من قبل الجماعات الارهابية، وعدم تصفيتها من عناصر حزب البعث المنحل والاجهزة القمعية للنظام السابق. ولخداع وتضليل اكبر عدد من الناس، يلاحظ ان اسماء معظم الجماعات الارهابية، التي تصف نفسها بـ"المقاومة" اما مستمدة ومستقاة من التراث والتاريخ الاسلاميين، او انها تشتمل على صبغة اسلامية، ما يعني انها ذات اتجاه سلفي متشدد، ويمكن القول بعبارة اخرى اتجاه تكفيري، واما مستمدة ومستقاة من تراث حزب البعث الصدامي، ونظامه الذي خلف ارثا سياسيا وثقافيا وفكريا سيئا شكل نتاج وحصيلة خمسة وثلاثين عاما من الظلم والتسلط والاستبداد. ومن الامثلة على النوع الاول، جيش المجاهدين، وجيش الصحابة، وكتائب الفاروق، وجيش محمد، وفيلق عمر، وأنصار الاسلام، ومن الامثلة على النوع الثاني، مجاهدو صدام، وفدائيو صدام، وكتائب ثورة العشرين، وقيادة قوات المقاومة والتحرير في العراق، وحزب العودة، والجبهة الوطنية لتحرير العراق. وأياً يكن عدد وعناوين الجماعات الارهابية ومسمياتها فإنه من الصعب جدا وضع احصائية دقيقية، لاسباب عديدة من بينها ان هناك اسماءً وهمية لا وجود لها على ارض الواقع، يراد من طرحها وترويجها تضخيم صورة ما يسمى بـ"المقاومة" كجزء من الحرب النفسية، او ان بعض الاسماء والعناوين ظهرت لفترة زمنية قصيرة ثم اندمجت مع بعضها البعض. ولعل التجربة الديمقراطية الجديدة في العراق والتي لم تكن مسبوقة في جوانب كثيرة منها لا في العراق ولا في محيطه العربي، كانت احد العوامل المحفزة لجعل العراق ساحة خصبة للعنف والارهاب، وقد تظافرت جهود وامكانيات اطراف عديدة خارجية وداخلية للدفع بذلك الاتجاه الخطير، بيد ان المفارقة التي لم تكن متوقعة، هي ان "السحر انقلب على الساحر" كما يقولون، ومن كان يصدر الارهاب للعراق، اصبح هدفا له بعد انطلاق ما يسمى بـ "ثورات الربيع العربي". ـ فهناك المنظومات الحزبية والامنية والاستخباراتية والعسكرية والعشائرية والمناطقية التي شكلها وأوجدها نظام صدام، ووجدت نفسها بين ليلة وضحاها في العراء بعدما كانت ترفل بنعيم السلطة وامتيازاتها وهيبتها ونفوذها، وهي لم تكن على استعداد للقبول بالواقع الجديد الذي ربما لم يسلبها ما كانت تتمتع به فحسب، بل انه جعلها مطلوبة ومطاردة قانونية وسياسياً واجتماعياً. ـ وهناك المحيط العربي الذي وجد نفسه في قبال اوضاع واستحقاقات غريبة وغير مألوفة عليه، ولا نعني هنا الاحتلال الاميركي ـ الاجنبي للعراق، فمجمل مكونات المحيط العربي لم تكن في يوم من الايام تتحسس من الوجود الاميركي العسكري وغير العسكري كثيراً الا ما ندر، بل نعني هنا التجربة السياسية الجديدة في العراق، التي بدت وكأنها أمراً طارئاً وشاذاً على ذلك المحيط. فالمعروف والقائم منذ زمن بعيد هو وجود نظم سياسية تقليدية محافظة تقوم على اساس مبدأ توارث السلطة سواء كانت ملكية أو اميرية او سلطانية او حتى جمهورية، ولم يكن خيار التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحقيقية العامة خياراً مقبولاً لدى النخب السياسية الحاكمة في العالم العربي. وبروز تجربة ديمقراطية حقيقية في ذلك المحيط يعني فيما يعنيه تهديداً واقعياً لتلك النظم التقليدية، ان لم يكن آنياً فعلى الصعيد المستقبلي, وحينما تظهر مثل تلك التجربة في العراق فإن عوامل القلق وهواجس الخوف لدى المحيط العربي تتزايد باعتبار ان الممارسة الديمقراطية تتيح للأغلبية لعب الدور الاكبر في رسم وصياغة سياسات البلاد. من هنا بدأ ضخ الاموال والاسلحة يأخذ طريقه الى العراق بطرق ووسائل عديدة وعبر قنوات مختلفة، وباتت حملات تجنيد الارهابيين الانتحاريين في دول عربية متعددة امراً مألوفاً يتحدث به الشارع بدون كثير من الحرج والتردد، وثقافة "الجهاد" في العراق والاستشهاد هناك باتت توجه من على منابر الجوامع والمساجد وحلقات الوعظ والارشاد الديني ويتبناها وعاظ السلاطين وكبريات المؤسسات الدينية القريبة من بعض دوائر ومراكز القرار في هذه العاصمة العربية او تلك. واجهزة المخابرات اضطلعت بدور غير قليل في هذا الشأن, وكذلك المؤسسات والشخصيات الدينية عبر عمليات التثقيف وغسل الادمغة واصدار الفتاوى التحريضية والتكفيرية، اضافة الى وسائل الاعلام العربية المختلفة التي اصبح البعض منها يتحدث باسم ما يسمى "المقاومة" في العراق عبر تسويقه لخطاب الجماعات الارهابية، بعثية كانت، ام تكفيرية، والترويج لرموزها وشخوصها، وتشويه صورة التحولات السياسية في العراق والتقليل من اهميتها ودلالاتها. ـ وهناك المعالجات والحسابات الحزبية والفئوية الضيقة التي ساعدت عن قصد ام من دون قصد على توسيع رقعة الارهاب والدفع به مديات اكبر واخطر الى الامام، قبل ان يتعرض الى ضربات قاصمة في مختلف المناطق ادت الى انحساره وانكماشه وتشظيه الى حد كبير، ليستفيد من استمرار حالة التشظي والانقسام والتناحر السياسي، وتغليب المصالح الفئوية الخاصة على المصالح الوطنية العامة، ويستعيد فاعليته وحضوره مجددا. ولا شك فإن بُنى ومؤسسات الدولة العراقية تمظهرت بعد التاسع من نيسان/ابريل الى حد كبير بتلك المصالح والحسابات الحزبية والفئوية الضيقة، وبالتالي فإن البعض منها تعرض لعمليات اختراق وتغلغل خطير للغاية ساهمت فيها ظاهرة الفساد الاداري، والعكس صحيح ايضا. واذا كان هناك من يقول ان الارهاب في جانب كبير منه هو نتاج تردي الواقع الاقتصادي والامني والحياتي والخدمي في العراق، ونتاج حالة التشظي السياسي، فإنه ربما كان الاصح ان جانبا كبيرا من ذلك يعد نتاج وحصيلة ارهاب متعدد الابعاد والجوانب والاهداف والمضامين. وحينما تسأل أي عراقي بصرف النظر عن مستواه وموقعه وانتمائه المذهبي والقومي والديني، او توجهه السياسي، عن سبل معالجة المشاكل والازمات المعقدة والشائكة التي ما زال العراق يئن تحت وطأتها، فإنه لن يحتاج الى التفكير طويلاً لكي يرد عليك بأنه من دون القضاء على الارهاب والارهابيين لا يمكن التوصل الى حل حقيقي وواقعي وجذري لأي مشكلة من مشاكلنا وأزماتنا الخانقة، وهذا لا يمكن ان يكتب له النجاح من دون معالجة الازمات السياسية. ولعل الانطلاق من هذه الرؤية يعد مدخلاً سلمياً وصائباً لصياغة ووضع حلول ومعالجات واقعية تنعكس بنتائجها الايجابية على كافة مكونات المجتمع العراقي. بيد ان القضية المهمة هنا تكمن في الاتفاق والتوافق بين كافة القوى السياسية والمكونات الاجتماعية على منهج واقعي، ومن ثم السعي الى ترجمة ذلك المنهج على ارض الواقع ـ تحقق بنسب كبيرة على الصعيد النظري بأدنى تقدير ـ من خلال جملة من مبادرات الحوار والمصالحة الوطنية، التي طرحت من خلال زعامات سياسية ودينية مؤثرة، بيد انه على الصعيد العملي ما زال الطريق طويلا، ولعل سبب ذلك هو ان نسبة التأثر بالظروف والعوامل الخارجية اكثر من التأثير فيها، رغم ان تداعيات الواقع العربي خلال العامين الاخيرين افرزت الكثير من الحقائق والمعطيات الايجابية لمصلحة التجربة العراقية. ولا شك ان طبيعة المشهد العراقي الراهن لا تحمل اية مؤشرات او بوادر في الافق، توحي بأن "الازمة" في طريقها الى الحل، او حتى الحلحلة والاحتواء، بل على العكس من ذلك ان هواجس ومخاوف المزيد من التأزم والانهيار باتت تسيطر على العقول والنفوس. فما دامت الاموال والاسلحة تتدفق من الخارج، وما دامت حملات التحريض الاعلامي والسياسي والطائفي قائمة، وما دام حزب البعث المنحل موجودا في كل مفصل من مفاصل الدولة، وما دام الشعور الوطني دون مستوى الطموح كثيرا، وما دام الساسة وأحزابهم يفكرون بالسلطة بصرف النظر عن مقدار الدماء المراقة، والارواح المزهقة، والممتلكات والموارد المدمرة.. ما دام كل ذلك قائما، فإن انتظار الحل، وترقب الانفراج، امر بعيد عن الواقع، وخارج نطاق الممكن.