في دور السينما السورية توجد فترة عرض اسمها «المناظر» تستغرق نحو ربع ساعة، تعرض خلالها مقاطع من الأفلام المقبلة، قبل أن يبدأ الفيلم. في «الربيع العربي» كانت تونس هي «المناظر» وكانت مصر هي بداية الفيلم، كعادة أرض الكنانة منذ القرن العشرين في أن تكون مفتتحة المراحل العربية وخاتمتها (1919 المرحلة الليبرالية مع سعد زغلول، 1952 العروبية مع عبد الناصر، النصف الأول من عقد السبعينيات مع بداية المد الإسلامي). في 25 يناير ـــ 11 فبراير2011، حصلت ثورة فعلية على نظام حسني مبارك، انطلاقاً من تعريف الثورة بأنها «اشتراك أكثر من نصف السكان في مظاهر احتجاجية ضد الحاكم عبر اليد واللسان خلال فترة زمنية محددة». نجحت هذه الثورة في إسقاط رأس النظام، لكن نجاحها الأكبر كان في تدشينها لسابقة تاريخية عند المصريين من خلال فرضها لرقم جديد في السياسة هو «قوة الشارع» بالتوازي مع قوة «الخارج الأميركي» و«المؤسسة العسكرية»، اللتين كانتا الأرضية التي استند إليها حسني مبارك خلال ثلاثة عقود من وجوده في السلطة، وعندما ابتعد هذان العاملان عن مبارك بفعل عامل مراعاتهما للعامل الجديد، وهو «قوة الشارع»، حصلت عملية سقوط رأس النظام عند غروب شمس يوم الجمعة 11 فبراير/ شباط 2011. في فترة «ما بعد 11فبراير»، لم يعد التعبير عن قوة الشارع عبر التظاهرات والاعتصامات في الميادين، بل عبر صندوق الاقتراع. خلال يومي 19 مارس/ آذار 2011 و12 ديسمبر/ كانون الأول 2012 جرى استفتاءان على إعلان دستوري مؤقت وعلى مشروع دستور وما بينهما جرت ثلاث انتخابات لمجلس الشعب ولمجلس الشورى ولرئاسة الجمهورية، فاز في خمستهما التيار الإسلامي، الذي أظهر من خلال هذه الاقتراعات الخمسة بأنه الأقوى في الشارع المصري. حاولت المؤسسة العسكرية فرض معادلات جديدة بوجه بروز قوة التيار الإسلامي عبر محاولتين جرتا قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية: الأولى في نوفمبر 2011 عبر وثيقة مقترحة من نائب رئيس الوزراء المصري علي السلمي لـ«المبادئ فوق الدستورية» حاولت وضع المؤسسة العسكرية خارج سلطة المؤسسات المنويّ انتخابها برلمانياً ورئاسياً عبر جعل اختصاص «المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون غيره بالنظر في كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة»، وهو ما رفضته كل القوى المصرية السياسية من إسلامية وغير إسلامية، ما ساهم في إفشال محاولة لتشريع حالة غير مشرعنة من السلطة الفعلية نجدها في باكستان والجزائر للعسكر من وراء الستارة المدنية. وقد وجدت في تركيا بين عامي 1963 و2010 من خلال سلطات (مجلس الأمن القومي) قبل أن يتجه أردوغان لإصلاحات دستورية قلّمت أظفار المؤسسة العسكرية. المحاولة الثانية جرت يوم 17 يونيو/ حزيران 2012 قبيل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لما أصدر «المجلس الأعلى للقوات المسلحة»، بحكم امتلاكه (مع سلطات رئيس الجمهورية منذ تفويض حسني مبارك سلطاته له يوم 11 فبراير/ شباط 2011) لسلطة التشريع مع حل المحكمة الدستورية العليا لمجلس الشعب المنتخب، «الإعلان الدستوري المكمل»، الذي نصّ على اختصاص «المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتشكيل القائم وقت العمل بهذا الإعلان الدستوري بتقرير كل ما يتعلق بشؤون القوات المسلحة»، مع تأكيده احتفاظ هذا المجلس لما بعد تولي الرئيس لمنصبه بسلطة التشريع لحين انتخاب مجلس شعب جديد وعلى حق هذا «المجلس الأعلى»، في حال نشوء مانع، في تشكيله لجمعية تأسيسية جديدة تصوغ مشروع الدستور الجديد قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي. في 11 أغسطس/ آب 2012 ألغى الرئيس مرسي، بعد واحد وأربعين يوماً من توليه منصبه، هذا «الإعلان الدستوري المكمل»، وأحال المشير طنطاوي وزير الدفاع ورئيس الأركان سامي عنان على التقاعد، وفي اليوم التالي عيّن اللواء عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع، في انقلاب مدني رئاسي على سلطة المؤسسة العسكرية الحاكمة في القاهرة منذ صباح يوم 23 يوليو/ تموز 1952. كانت قدرة الرئيس محمد مرسي على القيام بهذا الانقلاب المدني ضد العسكر آتية من استمرار توحد القوى السياسية المعارضة القديمة لحسني مبارك وراءه، كما حصل في الجولة الثانية ضد المرشح الرئاسي المنافس لمرسي أحمد شفيق الذي فاز بـ48,27%، فيما حصل مرسي على 51,73%. ومن تفضيل واشنطن لحليفها الجديد، أي الإسلام السياسي، على حليفها المصري القديم، أي المؤسسة العسكرية. على الأرجح كان هذا هو الذي دفع الرئيس مرسي إلى خطوة جديدة، ربما هي التي أودت به بعد سبعة أشهر وعشرة أيام، لما استغل الاتفاق الأميركي ــ المصري على جهود التهدئة في حرب نوفمبر/ تشرين الأول 2012 بغزة، من أجل إصدار إعلان دستوري جديد بيوم 21 نوفمبر «جعل سلطته وقراراته خارج نطاق الطعن أو الاستئناف القضائي»، وأعطى نفسه سلطة تعيين النائب العام، وسلطات استثنائية «إذا قام خطر يهدّد ثورة 25 يناير». منذ ذلك الوقت انقسم الشارع المصري، وبدأت قوى النظام القديم بالتحرك والاقتراب من معارضي مرسي في «جبهة الإنقاذ» التي تشكلت آنذاك. وقد كان لافتاً أن يصدر الفريق السيسي في تلك الفترة دعوة باسم القوات المسلحة يدعو فيها «أطراف الأزمة» إلى الحوار، حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» (12 يوليو/ تموز 2013)، بدأت بعيد ذلك الإعلان الدستوري، في 21 نوفمبر 2013، في نادي ضباط البحرية عند النيل اجتماعات لرجال أعمال محسوبين على نظام مبارك، منهم المحامي هاني سري الدين محامي أحمد عز، مع قيادات «جبهة الإنقاذ» ومع ضباط يمثلون المؤسسة العسكرية لدراسة الخطوة التالية ضد نظام الحكم القائم بقيادة الإسلاميين. تمّ الاتفاق على تكرار سيناريو 11 فبراير 2011، الذي مورس ضد مبارك، وأن يطبق ضد مرسي وفق المعادلة الآتية: «إن امتلكت المعارضة القوة الكافية لإنزال محتجين كثر للشارع، عندها سيقفز العسكر للواجهة ويزيحون الرئيس بالقوة». يذكّر مقال الصحيفة الأميركية بأنّ المفاتيح الانتخابية القديمة لنظام مبارك قد ساهمت بفعالية في حشد التوقيعات لحركة تمرّد بين أبريل ويونيو 2013، وبأنّ الأساليب التي اتبعت من المجموعات التي أحرقت مقارّ «الحزب الوطني»، قبيل أيام قليلة من سقوط مبارك قد تم تكرارها ضد مقارّ «الإخوان» في الأسبوع الأخير من حكم مرسي مع إغماض عين البوليس والجيش. في تظاهرات 30 يونيو ضدّ مرسي كان من الواضح الحجم الكبير للمعارضة ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، الذين كان هناك سلم نزولي لأصواتهم الانتخابية خلال أشهر عام 2012 في ثلاثة اقتراعات نيابية ورئاسية، ثم في استفتاء الدستور، قبل أن تؤول الأمور إلى هبّة جماهيرية ضد «الإخوان» كان من الممكن أن تنتهي إلى تكرار سيناريو 25 يناير ـــ 11 فبراير2011. لم تجر الأمور هكذا: انقسم الشارع المصري بين ساحتين في ميدان التحرير وميدان رابعة العدوية، ولم تكن هناك غالبية جماهيرية في «اليد واللسان» كانت مستعدة لأن تستمر حتى تحصد بيديها ما بُدئ به في 30 يونيو. على العكس من هذا، اتجهت حشود ميدان التحرير نحو دعوة العسكر للنزول ضد حكم مرسي، وهو ما لم يتأخر العسكر به وليقوموا بانقلاب 3 يوليو، الذي هو في الحقيقة استعادة لسلطة كانت للمؤسسة العسكرية في عهد مبارك وقبله وقبله، ثم حصلت ثنائية بين «الشارع» و«العسكر» في فترة ما بعد مبارك، قبل أن يحسم مرسي الأمور لمصلحته ويقيم السلطة المدنية في يوم 11 أغسطس 2012. من هنا كان انقلاب 3 يوليو 2013 نهاية لثورة 25 يناير 2011، تماماً كما عاد آل بوربون للحكم في عام 1815 بعد 26سنة على ثورة 1789 الفرنسية، وعاد الملك الإنكليزي للحكم العام 1660 بعد إحدى عشرة سنة من نجاح ثورة البرلمان في قطع رأس والده. في إنكلترا تجاوزت ثورة 1688 ـــ 1689 ما حصل العام 1660، وفي فرنسا احتاج الأمر لثورتين في عامي 1830 و1848 قبل أن تنتكس الأمور من جديد مع تجاوز الجمهورية عبر تنصيب لويس بونابرت نفسه إمبراطوراً وتجاوزه للديموقراطية، ولم تستقر الأمور في بلاد الغال وتتحقق أهداف الثورة الفرنسية لـ«سلطة الشارع» و«العلمنة» إلا في عام 1905.