التحدي الأكبر بعد الإعلان عن توقف العمليات العسكرية الذي ينتظر السوريين هو ما تعرضت له البنية الاجتماعية والحالة النفسية لمجتمع عاش ويلات حرب على مدى ۵ سنوات. ماذا يبقى للجيل الجديد من السوريين من حياة؟ ما تلبث الأحداث أن تصمت في سوريا وتتبدد أصوات النحيب على فقدان شخص عزيز حتى تحاول الحياة العودة الى طبيعتها، وتلملم الأسر المنكوبة جراحها، ويعلن الموت اكتفاءه من دم أبناء البلد، لتتجه الأنظار مباشرة إلى احصاء حجم الدمار والخراب الذي لحق بالمدن والقرى والبنى التحتية والاقتصاد.بيد أن التحدي الأكبر بعد الإعلان عن توقف العمليات العسكرية الذي ينتظر السوريين هو ما تعرضت له البنية الاجتماعية والحالة النفسية لمجتمع عاش ويلات حرب على مدى 5 سنوات. هذا المجتمع الذي أنتج جيلاً جديداً عاش الحرب والموت بدلاً من الطفولة والسلام واستعاض عن التعليم والتفكير بالمستقبل بالتفكير بسبل النجاة من الموت; جيل كبر قبل أوانه وتحمّل من الهموم ما يكفيه عمراً من الاضطرابات النفسية.اليونيسف أوضحت في تقرير نشر على موقعها الرسمي أنه بالرغم من دخول النزاع في سوريا عامه الخامس لا يزال أكثر من 5.6 مليون طفل داخل البلاد يواجهون ظروفا بائسة، اذ يعيش مليوني طفل في مناطق معزولة إلى حد كبير عن المساعدات الإنسانية إثر القتال بالإضافة إلى تغيّب نحو 2.6 مليون طفل سوري عن المدارس.ويصف المدير التنفيذي لليونيسيف "أنتوني ليك" الأزمة قائلا: أصبحت هذه التجربة المريعة كل ما عرفه أصغر هؤلاء الأطفال إذ تلونت أعينهم بالنزاع والحرمان. أما بالنسبة للشباب واليافعين الذين يمرون بأعوام تكوّن شخصياتهم، لم يشوه العنف والمعاناة ماضيهم فحسب بل باتا يرسمان مستقبلهم أيضا. بمقارنة بسيطة لما كان الحال عليه قبل نشوب الحرب، نرى أن نسبة الأطفال الملتحقين بالمدارس الابتدائية في سوريا هي نحو 90% من إجمالي تعداد الطلاب، وهي أعلى المعدّلات في منطقة الشرق الاوسط."لين" إبنة العشر سنوات، عاشت في ظل حصار فرضته المجموعات المسلحة على بلدتها "نبّل" في ريف حلب الشمالي تقول إنها نجت من الموت بأعجوبة من صاروخ استهدف مدرستها من قبل المسلحين أصيب فيه عدد من أصدقائها بجروح بالغة. ترفض لين محاولات والدتها المستمرة إقناعها في العودة الى المدرسة خوفاً من أن تتكرر التجربة."ابوحسن" من البلد ذاتها اضطر إلى بتر أحد أطرافه المصابة بسبب النقص الحاد في الأدوية جرّاء الحصار، وهو أب لثلاثة أطفال. يصف أبو حسن مدى الحزن والألم اليومي بسبب عجزه عن إعالة عائلته بالشكل الكافي ما دفع ابنه إلى ترك المدرسة والعمل لمساعدته. إن من أهم تاثيرات الصدمة على الأطفال هي الاضطرابات السلوكية التي أاخذ أشكالا متعددة كالقلق الشديد والخوف من المجهول وعدم الشعور بالأمان والتوتر المستمر، فيشعر الطفل أنه مهدد دوما بالخطر وأن أسرته، مصدر قوّته وأمانه، عاجزة عن حمايته.هناك الكثير من المشاهد والأصوات التي ما زالت ماثلة امام الأطفال وعالقة في أذهانهم. لا يجدون لها تفسيراً وكأن كابوساً مزلزلاً قد اتاهم بغتة، واستمر في أعماقهم اصواتاً وتخيلات ساكنة بصمت، تستيقظ بين فينة وأخرى، وتؤثر على السلوكيات اليومية.في ظل هذه الظروف التي يعيشها الطفل، لا بد من التدخل لحمايته والحد من تفاقم هذه المظاهر النفسية والانفعالية الطارئة عليه. يقول مختصّون في علم النفس إان من أهم استراتيجيات التعامل مع الأطفال هي الطمأنينة ومحاولة إعادة الشعور بالأمان، وهو من الحاجات الفيزيولوجية المهمة عند الأنسان وقد صنّف أهميتها بعض علماء النفس بعد حاجتي الطعام والشراب، فإذا لم تُثشبع فسينعكس الأمر بالضرورة على قدرة الطفل على إشباع الحاجات النفسية والاجتماعية الأخرى كالحاجة إلى الحب والتقدير والانتماء.الواقع المؤلم الذي يواجهه الاطفال جرّاء الحروب يحتاج إلى اهتمام كبير من قبل المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الانسان والطفل والمنظمات التربوية في سوريا وتقديم برامج الدعم والتوعية النفسية ومساعدة الأهالي وتدريبهم على كيفية التعامل مع هذا الجيل من الاطفال لإخراجهم من الواقع المؤلم والتخفيف من تأثيره على مستقبلهم، فهم من سيكملون بناء بلدهم سوريا. مريم زم