ثمة خيط جليٌّ ربط، في الأسبوع الماضي، بين تجميد الهبة السعودية للجيش اللبناني، وقصف تركيا لكرد سوريا، وفشل روسيا في تمرير قرار ضد أنقرة في مجلس الأمن. ترابطت ملفات المنطقة الى درجة التكامل. المستهدفون هم «حزب الله» والجيش السوري والدور الروسي. مع ذلك، فان غبار الجبهات، لم يؤثر مطلقا على استمرار التشاور والتفاوض والتفاهم والتناغم بين موسكو وواشنطن… لا تستغربوا، هكذا هو العالم منذ الأزل، مصالح الكبار تلغي طموحات الدول الصغيرة.

لنتأمل ما حصل:بدا تجميد الهبة السعودية بمثابة عقاب جماعي يراد منه تأليب اللبنانيين على «حزب الله» وتحميله مسؤولية حصارهم اقتصاديا ومنع المال عن مؤسسة ما تزال الاكثر تماسكا ويحبها اللبنانيون أي الجيش. مثل هذا العقاب نفذته إسرائيل عام ۲۰۰٦ حين راحت تستهدف جسورا ومعامل ومصانع ومصالح في مناطق لبنانية بعيدة عن ساحة الصراع مع «حزب الله»، وذلك بغية دفع اللبنانيين لتحميل الحزب مسؤولية الحرب. وربما هي عقاب للجيش نفسه الذي يقاتل بشراسة ضد المسلحين في جرود عرسال وعند الحدود ولا يرمي حجرا على «حزب الله»(بمنطق خصوم الحزب طبعا). كان في سرعة تلقف حلفاء السعودية في لبنان وتأييدهم لقرارها، هدف واضح هو «حزب الله»، تماما كما ان هدف التأييد الخليجي للرياض هو الضغط على إيران وحلفائها. لا شك ان الطرف الآخر لم يقصر بحق السعودية مذ قرر الانخراط في الحرب السورية. لم يوفر أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله فرصة الا وساق أوصافا قاسية ضد قادة المملكة. رفع مستوى التهديد الى ما يشبه تهديده لإسرائيل. نحن اذاً في المنطق الطبيعي لصراع المحاور الإقليمية.(وليس للصراع السني الشيعي، فتركيا مثلا تقاتل الكرد الذين ۹۵ بالمئة منهم سنة).

لكن ما علاقة الهبة السعودية بتركيا؟بموازاة الضغط السعودي هذا، كانت مدفعية تركيا تدك حصون المقاتلين الكرد في سوريا. الهدف المعلن هو منع الكرد من السيطرة على كامل الحدود. هذه السيطرة خطيرة على أنقرة وترفع معنويات ومستوى أحلام مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا نفسها وتعزز الحلم الكردي بقيام كردستان مستقلة. أما الهدف المضمر فهو خلط كل الأوراق لإعاقة تمدد الجيش السوري وحلفائه بغطاء جوي روسي صوب كل الشمال. ليس سهلا على أنقرة ان ترى انهيار ثاني أكبر قلاع دورها في سوريا، بعد ان دمّر الجيش المصري دورها في مصر عبر الإطاحة بالإخوان المسلمين ورئيسهم من السلطة. في الفترة نفسها، تقدمت روسيا بمشروع قرار الى مجلس الأمن ضد تركيا أفشلته دول الأطلسي. نحن إذا أمام جبهة تضم الأطلسي والسعودية وتركيا ودولا أخرى تفعّل ضغوطها لمنع قلب المعادلة في سوريا لصالح النظام وحلفائه. وقد لاحظنا وصول أسلحة متطورة الى المسلحين في الفترة الأخيرة، لكنها لا تمنع التفاهم الأميركي الروسي.

هل عدنا الى نقطة الصفر؟كان يمكن لهذه الصورة أن تشي بأن الأمور مقبلة على تدهور كبير والعودة فعلا الى نقطة الصفر، لكن منطق الكبار يلغي طموحات الدول الصغيرة.

فلنلاحظ إذا التالي:أغضبت واشنطن حليفها التركي رجب طيب أردوغان بقولها انها لا تعتبر حزب الاتحاد الكردي إرهابيا. انتبهوا جيدا: الحزب الأخطر حاليا على طموحات انقرة ليس إرهابيا بعرف البيت الأبيض. المسألة ليست بسيطة. ترافق ذلك مع استمرار الدعم الغربي للمقاتلين الكرد ضد «داعش»، مع شجب للقصف التركي. أما ان يصل الشجب الى مرحلة إنجاح قرار روسي في مجلس الامن ضد أنقرة، فهذا ممنوع. كان أردوغان قد توجه قبل أيام الى أوباما بالقول: «كيف لنا أن نثق بك؟ فمن هو شريكك، نحن أم الإرهابيون في كوباني؟». قالها احتجاجا على زيارة بريت ماكجورك الممثل الخاص للرئيس الأميركي للحرب ضد «داعش» خلال الأسبوع الماضي إلى تلك المنطقة الكردية. ثم تسربت معلومات تركيا عن احتمال اغلاق قاعدة انجرليك. ثم جاءت المفاجأة من موسكو حيال الأسد. قال المندوب الروسي في نيويورك فيتالي تشوركين ان التصريحات الأخيرة للرئيس السوري لا تتسق مع الجهود التي تبذلها موسكو لإنهاء الصراع. لا ندري إذا كان حديثالأسد لصحيفة الباييس الاسبانية، جاء ردا على تصريحات تشوركين ام لا، لكن الرئيس السوري قال بما يشبه الانزعاج او الغضب: لا شك أن الدعم الروسي والإيراني كان جوهريا كي يحقق جيشنا هذا التقدم. أما القول إنه ما كان بوسعنا تحقيق ذلك فهذا سؤال افتراضي. أعني أن لا أحد يمتلك الإجابة الحقيقية عن تلك ال «إذا» مؤكدا مع ذلك، حاجة بلاده لدعم طهران وموسكو لمواجهة ۸۰ بلدا تدعم الإرهاب. هذه المرة الأولى التي يوحي فيها الأسد بأن صموده كان ممكنا حتى من دون روسيا وإيران.

ماذا يعني كل هذا؟هذه أمور ليست عابرة ولا هي زلات لسان. هي تعني، اننا أمام محطة مفصلية في الحرب السورية قد لا تتوافق تماما مع أحلام الدول الصغيرة. يمكن ترتيب عناوين هذه المرحلة على النحو التالي: ضرب الإرهاب الداعشي بالدرجة الأولى. ترتيب حل سياسي تفاوضي يرضي الجميع، بحيثلا تكون تركيا والسعودية خاسرتين تماما، ولا تكون إيران والجيش السوري و» حزب الله» رابحين تماما. ولكن الأهم من هذا وذاك، هو تقاسم الأرباح بين أميركا وروسيا، او على الأقل توازن المصالح. توافق الروس والأميركيون على المسار السياسي في سوريا. تستمر واشنطن في القول بان لا مكان للاسد في المرحلة المقبلة، وتستمر موسكو في التأكيد على أن هذا يقرره الشعب السوري. وهم يحاولون الآن اشراك الجميع في الحل «التوافقي». تتكفل أميركا بالضغط على حليفها السعودي والتركي، ويتكفل الروسي بالضغط على الأسد وطهران. تعرف واشنطن وموسكو حدود الانتصار ولكنهما تعرفان أكثر حدود التفاهمات. لا تريدان لأحداهما ان تلغي الأخرى. لو انتصر الأسد وحلفاؤه فهذا يعني انتهاء الدور الأميركي الاطلسي الخليجي التركي في سوريا. هذا مستحيل خصوصا بعد التفاهم الإيراني الغربي. اما بالنسبة لروسيا فان هزيمة الأسد ونظامه وحلفائه، تعني انتهاء الدور الروسي في كل المنطقة. هذا مستحيل أيضا لأن بوتين لم يأت الى المنطقة لينهزم او ليهزم حلفاءه. لا بد من شيء بين الاثنين. ليس في صالح النظام السوري وقف الحرب في لحظة يراها مفصلية في الشمال. فالعالم اقتنع بجدوى الجيش السوري في ضرب الإرهاب. ها هو المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية تيد كروز يقول: «إذا ما أطحنا الأسد فإن «داعش» سيستولي على سائر سوريا» وينصح أوباما بضرب داعش وليس الإطاحة بالحكومات. ودونالد ترامب المرشح الأكثر صخبا بين الجمهوريين يرفض هو الآخر سياسة إطاحة الأنظمة. ولعل ثمة من يعتقد بان تركيا نفسها ستحتاج الى التنسيق مع دمشق او مع حلفائها لاحقا لوقف تقدم الكرد. أما روسيا الداعمة للاسد ونظامه فهي ستستمر في ذلك، لكنها وكما فعلت حين اقنعته بتسليم السلاح الكيماوي، او بالذهاب الى المفاوضات، تقنعه الآن بضرورة القبول بوقف اطلاق النار. لا يمكن ان تضغط الا اذا كانت قد حصلت في الكواليس على ضمانات أميركية حول الاستمرار بقبول الدور الروسي الكبير في ضرب الإرهاب. وهي ستضمن عدم تخطي الكرد الخطوط الحمراء رغم مصلحتها الحالية في هز العصا لتركيا، كما ستضمن حدود الدور الإيراني. لاحظنا أن الأسد نفسه الذي تحدثعن استكمال المعركة حتى استعادة السيطرة، قال، في ما يهدف الى تسهيل المهمة على حليفه الروسي، انه قابل بوقف اطلاق النار لكن بشروط. يتضح مما تقدم، ان الأمور بين كيري ولافروف تسير كما هو مرسوم لها، وان بوتين واوباما مستمران بالاتفاق على المراحل المقبلة في سوريا، أما الإخراج بالنسبة للدول الإقليمية فهذه مسألة بحاجة لوقت لاشراكها جميعا في هدف واحد معلن هو: ضرب الإرهاب، وهدف أكبر مضمر، هو المساهمة في رسم حدود النفوذ الجديدة لاميركا وروسيا في المنطقة. هذا طبعا اذا صدقت نوايا الكبار.

المصدر: السفير