يبدو أنّ العقلانيّة قد غابت عن شرقنا الأوسط الإسلاميّ والعربيّ، ويبدو أنّ المنطق الوحيد السائد هو الذي يطغى على انتحاريي «داعش». لا «أحد يصلّي على النبيّ» كما يقول التعبير الدارج، مع أنّ أغلبيّة الناس مسلمون. فبعد موجة من التفاؤل بحلحلة للأمور مع قدوم العام ۲۰۱٦، بعد بيانات فيينّا وقرار مجلس الأمن ۲۲۵٤ في سوريا، وفي اليمن مع وقف إطلاق النار وجولات تفاوض جنيف، وفي ليبيا مع الجهود لتوحيد الحكومتين وإنهاء عصر الميليشيات… ها هي الأوضاع تتفجّر من جديد، بعد أن تمّ تجنب تفجّر الصراع الروسي التركيّ، لكن هذه المرّة وبقوّة بين العربيّة السعوديّة وإيران، كي توضع المنطقة برمّتها على حافة انتحارٍ جماعيّ أكبر وحروبٍ أوسع لا يعرف أحدٌ نهاياتها ومآلاتها. وعلى إيقاع نشيد الموت، تغرق المنطقة في استنزاف ذاتها وتدمير ما بنته خلال زمنٍ طويل، بحججٍ واهية تنتمي إلى عصورٍ مضت، مذهبيّة أو امبراطوريّة أو غير ذلك… البلدان الكبرى تهتزّ. فإيران تستنفد ذاتها والسعودية مثلها، وتركيا تخاطر بتنميةٍ لطالما انتظرت فرصتها التاريخيّة، فما بالنا بالبلدان الأضعف التي تعيش تحوّلات عظمى وأضحت مرتعاً لفوضى تُرعب مآلاتُها القاصيَ والداني. كلّ المنطقة، عدا إسرائيل التي تمثّل عنوان مرحلة جنون «الهويّات القاتلة» هذه(كما جاء في عنوان كتابٍ لأمين معلوف) والتي سبقت إلى ترسيخها، هي لم تعُد تعاني سوى من انتفاضة… سكاكين. ولا خطر عليها. فرمزيّة «فلسطين» كعنوانٍ «للمظالم» و «للثورة» ولما هو مشترك ويوحّد أبناء المنطقة، ولما يستحقّ التضحية، قد تلاشت إلاّ في ما ندر! وعلى غرار انتحاريّي «داعش»، يبدو قادة المنطقة وكأنّهم يتقدّمون بكلّ إصرار نحو القتل و «الشهادة». باحثين عن جنّةٍ في عالمٍ غيبيّ آخر. وروايتهم تلعن هيمنة «المؤامرة» على هذا العالم، التي أخذتهم إلى هذا وأجبرتهم مكرَهين على الإساءة لضحاياهم. لقد نسوا أنّ «مؤامرات» المصالح لم تتوقّف يومأً ولكن ما تغيّر هو المنطقة ذاتها. ونسوا أقوال معروفة ومفعمة بالحكمة كتلك التي تفوّه بها أمين الريحاني عندما قال: «إذا شئت أن تعرف عدوّك الألد فتّش عليه في نفسك»، و «إذا وقعت بين شرّين فابتعد عن الاثنين». ما لا يعيه أهل المنطقة أنّ التحوّلات التي يشهدونها اليوم هي تحوّلاتهم جميعاً، وإن اختلفت الظروف والمواقيت. ويبدو أنّهم قد نسوا أوائل القرن العشرين، حين بدأت «الثورة» دستوريّة في إيران العام ۱۹۰٦، وقوميّة عسكريّة في تركيا العام ۱۹۰۸، وتحرريّة في المشرق العربي العام ۱۹۱٦، وسلميّة وطنيّة في مصر العام ۱۹۱۹، وكذلك تحرريّة وطنيّة في العراق العام ۱۹۲۰ وفي سوريا العام ۱۹۲۵ ثمّ في فلسطين العام ۱۹۳۹. تلك الأحداثكلّها كانت نتاج تحوّلات اجتماعية كبرى وانقلابات واسعة في رؤية الذات، كما رسّخت وعي المنطقة الجماعيّ وترابطها التاريخيّ أصلاً. عنوانا التحوّلات الجديدة التي انطلقت في تونس ومصر العام ۲۰۱۱ هما الإنسان والمجتمع وحقوقهما وحريّاتهما تجاه الحاكمين لا «الهويّات» الدينيّة أو القوميّة. وهي تشمل كلّ أجزاء المنطقة دون استثناء. ومن الخطير أن يستخدمها جزءٌ في صراعه مع جزءٍ آخر. وهذه الحريات والحقوق هي بالتحديد التي يتمّ انتهاكها في سوريا اليوم، بعد خمس سنوات، باسم الهويّة أو المذهب أو الاستقرار، أو أقلّ من ذلك كلّه باسم الحفاظ على سلطة عائلة أو شخص. لقد أضحى الإنسان هو الأرخص في ظلّ القتال والفوضى. والمجتمعات ومساكنها وسبل عيشها تدمّرت، بما يُنذر بفوضى أكبر لا أفق لها. ما هو الرهان الذي يستحقّ هذا كلّه؟ ولماذا يتراكض الجميع نحو الموت والانتحار؟ وماذا بعد العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ ومن يقدر أن يعقلِن كلّ هؤلاء «الانتحاريين الكبار»؟ المؤامرات ستستمرّ. ولكن الخطر الأشدّ هو في أن يفقد أبناء المنطقة الأمل في تهدئتها وعقلنة قادتها وجماهيرها الغاضبة، وأن يفقد العالم أيضاً الأمل بذلك، وأن تُترك المنطقة وحدها لجنونها. فليقتلوا بعضهم بعضاً إلى ما شاء الله! أو إلى ما شاء «انتحاريّو» العالم العربيّ والإسلاميّ. المصدر:السفير