مثل كثير من الأكراد في جنوب شرق تركيا، كانت شيوجي جيزيجي(۲۲ عاما) تعتقد أن الرئيس طيب إردوغان سيخفف حملته العنيفة ضد المسلحين الأكراد بعد أن استعاد حزبه الأغلبية في انتخابات جرت في نوفمبر تشرين الثاني.بعد ثلاثة أيام من الانتخابات قتل زوجها - الذي كان قد عاد لتوه من رعي الغنم على مدى سبعة أشهر - بالرصاص في الشارع بعدما حوصر وسط تبادل لإطلاق النار عندما غامر بالخروج من المنزل طلبا للمساعدة لأطفالهما أثناء حظر للتجول. وأصيبت عمته إصابة قاتلة بعد دقائق بعدما هرعت إليه. وقالت جيزيجي وهي تضع طفلتها التي تبلغ من العمر عامين في مهدها أسفل صورة زوجها " كنت دوما أدعو من أجل السلام.. كنت أدعو الله أن يساعد الأتراك والأكراد. " واضافت " بعد ما حدث.. لم يعد لدي أي أمل. فليفعل الله ما يشاء. لقد تخلى عنا الجميع. " وقبل انتخابات الأول من نوفمبر تشرين الثاني كانت وجهة النظر السائدة بين الأكراد أن إردوغان قد دبر صراعا جديدا مع حزب العمال الكردستاني لكسب أصوات القوميين الأتراك ومساعدة حزب العدالة والتنمية الذي أسسه للعودة للحكم بمفرده بعدما خسر الأغلبية المطلقة في انتخابات سابقة في يونيو حزيران. ويرفض إردوغان الاتهام بتدبير مثل تلك المؤامرة. لكن بعد قرابة شهرين من الانتخابات الثانية التي منحت حزب العدالة والتنمية أغلبية مطلقة أكبر مما كان متوقعا لا تزال مساحات كبيرة من جنوب شرق البلاد ذي الأغلبية الكردية يخضع لحظر التجول. والمعارك التي كانت تدور في السابق في الريف تدور حاليا في مناطق حضرية كثيفة السكان. وبدلا من تخفيف إردوغان لحملته الأمنية فقد توعد هذا الأسبوع بأن قوات الأمن سوف " تبيد " المسلحين في " بيوتهم ". وتحرس مدرعات الشرطة اليوم مداخل حي تيكيل الذي تسكنه الطبقة العاملة في بلدة سلوان وتنتمي إليه جيزيجي. وتملأ الثقوب الناجمة عن الرصاص واجهات المباني السكنية في حين يجللها السواد من الداخل بسبب الحرائق. وتقول عبارة على جدار يكاد يغطيها طلاء أبيض " أنياب الذئب ذاقت طعم الدم. احترسوا. " ويقول سكان إن التهديد كتبته الشرطة. وتقول مؤسسة حقوق الإنسان إن أكثر من ۱۳۰ مدنيا قتلوا في جنوب شرق تركيا منذ أن تخلى حزب العمال الكردستاني في يوليو تموز عن وقف لإطلاق النار دام عامين. ولم تعلن الحكومة عن عدد للوفيات بين المدنيين لكنها تقول إنه تم " تحييد " ۳۰۰۰ متمرد في تركيا وفي معسكرات للمتمردين في شمال العراق. وقال راجي بيليجي مدير مؤسسة حقوق الإنسان في ديار بكر أكبر مدن جنوب شرق تركيا إن الحكومة اعتبرت السلطة التي اكتسبتها من النصر الانتخابي تفويضا لتشديد الحملة الأمنية بدلا من أن تستغل ذلك لاستئناف عملية السلام. وأضاف " الناخبون قالوا: ‘قاتلوا‘. أظهرت الانتخابات أن الحكومة تتمتع بتأييد لحملتها.. ولذلك فلماذا تتوانى؟ لكن مع امتداد العنف إلى المدن فإننا نخشى أن نتخطى عتبة الحرب الأهلية. " وأثناء حديثه أمكن سماع دوي لإطلاق النار من حي صور بالمدينة الذي يخضع لحظر تجول منذ أسبوعين. ومن المستحيل دخول صور بسبب إغلاقه غير أن المنظر من عند حاجز للشرطة على أطراف الحي يظهر نفايات متراكمة في الشارع ومتاجر مغلقة.وكان أفراد الشرطة المقنعين يحملون البنادق ويجوبون المنطقة مرورا بالقلعة الرومانية الضخمة في ديار بكر التي تعود للقرن الرابع والمدرجة على قائمة التراثالعالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(يونسكو) والتي لحقت بها أضرار بالغة حاليا. وفي الشهر الماضي قتل المحامي طاهر إلجي بالرصاص عند مسجد تاريخي في الحي. وعقد الصراع في تركيا الحملة الدولية ضد تنظيم داعش في سوريا. ويرتبط أكراد تركيا البالغ عددهم ۱۵ مليون نسمة بشدة بأبناء عمومتهم الأكراد في سوريا والذين أثبتوا أنهم أقوى الحلفاء على الأرض للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة التنظيم المتشدد. وتركيا عضو في التحالف لكنها مناهضة للأكراد السوريين حيثتعتقد أنهم يثيرون النزعة الانفصالية داخل أراضيها. وقوض العنف محادثات السلام التي روج لها حزب العدالة والتنمية يوما على أنها أفضل فرصة حتى الآن لإنهاء واحد من أطول عمليات التمرد في أوروبا. وقتل زهاء ٤۰ ألف شخص منذ أن حمل حزب العمال الكردستاني السلاح ضد الدولة في عام ۱۹۸٤ سعيا للحكم الذاتي. وهجر حزب العمال الكردستاني هذه المرة ساحات معاركه الريفية التقليدية لينقل المعركة إلى المدن حيثجند جيلا جديدا من المسلحين الذين يحفرون خنادق ويستخدمون أسلحة ثقيلة في مناطق سكنية لإبقاء الشرطة بعيدا. وإذا كان هدف تحول حزب العمال الكردستاني إلى الحرب بالمدن هو إجبار السلطات على العودة للمحادثات فإنه سيكون قد فشل حتى الآن. فقد فرضت السلطات حظر التجول مرارا وقطعت الكهرباء والمياه والاتصالات الهاتفية من أجل اجتثاثالمسلحين. وتعهد رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو وهو في طريقه إلى بروكسل هذا الأسبوع بملاحقة حزب العمال الكردستاني إلى أن يتم " تطهير " المنطقة. وتطمح تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.وقالت كاتي بيري مقررة الشأن التركي في البرلمان الأوروبي عقب زيارة الأسبوع الماضي " تحدثانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على الجانبين. " ووصفت نصب حزب العمال الكردستاني لحواجز الطرق بأنه " غير مقبول " كما وصفت الرد عليه بأنه " مفرط ". وتابعت تقول " يبدو كعقاب جماعي. يكمن الخطر في أنه سيدفع المزيد من الناس إلى تبني آراء متطرفة. " وتقول بيانات رسمية إن نحو ۱.۳ مليون شخص في ۱۷ بلدة ومدينة تأثروا بفرض حظر التجول ۵۲ مرة حتى الآن. ويقول حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد إن ما يصل إلى ۲۰۰ ألف شخص شردوا بسبب القتال. وقال كريم كانبولاتين رئيس بلدية سلوان إن ۱۱ ألفا فروا من المدينة. وتولى كانبولاتين منصبه في أغسطس آب عندما انضم سلفه إلى نحو ۲۰ رئيس بلدية سجنوا بتهمة " تقويض وحدة الدولة " بعدما أيدوا دعوات للحكم الذاتي للأكراد. وقضى رئيس البلدية الجديد نفسه عشر سنوات في السجن بدءا من عام ۱۹۹۲ في سن ۱٦ عاما بتهم تتصل بالإرهاب خلال مرحلة سابقة من التمرد. وقال " علمني السجن أن الحل للمسألة الكردية يجب أن يكون سياسيا. هذه الحرب لن تنتهي إلا بالسلام. " وتقول السلطات المحلية في سلوان إن ۱۵ مدنيا تتراوح أعمارهم بين تسعة و۷۵ عاما لقوا حتفهم في أثناء حظر التجول الذي فرض ست مرات منذ أغسطس اب في البلدة البالغ عدد سكانها ۸۵ ألفا. وبدأ أحدثحظر للتجول في اليوم التالي للانتخابات. وكان إنجين(۲٤ عاما) زوج جيزيجي قد عاد لتوه من رعي الغنم في مراع تبعد ۱۰۰ كيلومتر إلى الشمال. وقضى الزوجان ليلة يحميان فيها أطفالهما الثلاثة في المطبخ مع احتدام معركة في الخارج. وفي الصباح أبلغ إنجين زوجته جيزيجي أنه سيذهب لطلب المساعدة. وبعد دقائق سقط قتيلا وأصيبت عمته عصمت(٦۳ عاما) أيضا. وكان من المستحيل الوصول إلى مستشفى في ظل إغلاق الطرق. وقالت الأرملة "رأى الأطفال كل شيء".وأضافت قولها "يستيقظون من نومهم ليلا ويصرخون.. يقولون: ‘إنهم قادمون من الجدران. المصدر : رويترز