تزدحم لائحة المناسبات الدينية عند الشيعة الامامية، ولكن يبقي لذكري الاربعين الواقع الفريد و المتميز. انها الذکری التی تختتم عاشوراء مشهدیاً من ناحیة الأحداث و الوقایع، لتبدأ عاشوراء من نوع آخر، عاشوراء ذاتیة من نوع الحق الخالص، اذا فالاربعین نقطة بدایة و نهایة. تطل هذه الذکری سنویاً عندما تصطف ارقام الرزنامة مشیرة الی 20 من صفر. عندها یبدأ العروج الی کربلاء کربلاء النفس قبل کربلاء الارض، فلکل منا کربلائه و لکل منا عروجه الخاص لیری عن کثب حسینیة و یزیده، لیشاهد المسافة بین الحق و الباطل و یهاین حبات الرمل التی قد شوشت علیه وضوح رؤیته یوما ما. فلکربلاء یوم الاربعین لحن لیس کمثله من الألحان فإذا کان لحنها یوم العاشر شهادة، فإن لحنها یوم الأربعین صبر و ثبات و تضحیة. إنها ذکری یوم الذی اختتم رحلة نضالیة ناجحة بالشکل و المضمون، سیرة لایمکن ان یغفل عنها التاریخ النضالی و إن حاولت تغیبها الأحقاد و السیاسات. فی یوم الأربعین نری کربلاء الأشد ألماً و وجعاً نری کربلاء بکل عیون المجتمع و تتعدی دائرة النضال تلک الساحة التی غرقت دماً یوم العاشر و دموعاً یوم الأربعین لتفدو کل ساحات الارض کربلاء ... و کل ما دنت هذه المناسبة اکثر تبدأ أنظارنا بالسفر نحو محطات العبور من الارض نحو السماوات الی هناك و لن اقول هناك فکربلاء لیست ارض حدث لذکری ما، کربلاء تختصر إنسانیتنا جمیعاً هی صورة من صراع الانسانیة الازلی کربلاء هذه موطن کل شیء. فالشوق لها هو شوق لإنسانیة أضعناها فی الدخان المتصاعد من هذه المدن، شوقنا الی الحق الذی غیبته ستائر من الغیوم السوداء المسمرة فوق رؤسنا. شوقنا الی الراحة التی سلبتنا ایاها طرطقات الآلات. هو شوق الی کل ما غاب عنا. نحن نبحث فی کربلاء عن کل ما تفتقده أنفسنا، نحن نری الماضي و الحاضر و کذلك المستقبل فی کربلاء، لأنها تجسد صراعنا القدیم الیومي و ایضاً المستقبلي مع کل ما یدور حولنا و بداخلنا. و هکذا یری کل منا کربلاء تخصه و إن تشابهت الأحداث و الأسماء و التواریخ ولکن یبقی هناك شیء ممیز فی رؤیة کل واحد منا ... تضیق الکلمات و تتقلص مساحات الکلام الواسعة و تجف ینابیع البلاغة أمام ینبوعها المعطاء و یبقی الصمت جلیس کل زائر و متحدث عن کربلاء الحسین و زینب و لایبقی سوی یضع تمتمات خجولة هادئة تمطتي أمواج اللامکان و اللازمان. إنها وبحق الذکری التی لم تغب مع مغیب الإمبرطوریات و الخلافات و الممالك ... هی تلك الذکری التی لم یترك الزمن علیها بعضاً من آثاره و کل ما حاول غبار السنین الترسب علیها أزاحة ضجیج الزائرین فکان الأربعین متجدداً فی کل زمان و مکان.