جاءت تفجيرات باريس قبيل اجتماع فيينا الدولي حول سوريا؛ لعل هذا شكل دافعا للمزيد من تقارب المواقف حول الارهاب وكسر حدة المكابرة التي ميزت السياسات الغربية تجاه موضوع الارهاب والملف السوري وغيره من الملفات الساخنة، بحيثبات يشعر رعاته انهم بدأوا يذوقون مرارة الكأس التي كان الارهاب يذيقها لمناطق مختلفة في الشرق الاوسط جراء سياساتهم، وبات لزاما ان يكون ما سمي التحالف ضد الارهاب اكثر جدية. ومن المعلوم ان فرنسا كانت رأس حربة في المواقف المتطرفة تجاه الازمة السورية والحكومة السورية وزايدت في ذلك على الولايات المتحدة. دعم اميركا وفرنسا وبريطانيا ودول عربية جماعات مسلحة لاسقاط انظمة هنا وهناك ادى اليوم الى واقع ان جزءا كبيرا من هذه الجماعات بات ينقلب على داعميه وهذه الجماعات التي خرجت من رحم التنظيمات التي دعمها الغرب هي التي نفذت عمليات الارهاب في فرنسا.

تداعيات الهجمات

لقد احست كل اوروبا بمجملها بالخطر حتى قال وزير الحرب البريطاني امس ان ما حصل في فرنسا موجه ضدنا ايضا ونحن في " معركة واحدة ". لا شك ان هناك تداعيات داخلية وخارجية بدأت تنبئ بها هجمات " ۱۱ ايلول " الفرنسي. هجمات باتاكلان واخواتها قال هولاند انها خططت في سوريا، هذا الموقف سيكون مؤشرا الى ان هناك تغييرات مرتقبة في السياسة الفرنسية تجاه المنطقة والارهاب والملف السوري واذا لم يحصل ذلك سيكون هناك قصر نظر في السياسة الفرنسية.

هذه المعالم التغييرية يبدو ان بوادرها الخارجية والداخلية هي على الشكل التالي:

- تكثيف غارات فرنسية على معاقل لداعش في سوريا

- تصريح هولاند امس ان عدونا الاساسي في سوريا هو داعش وهذا يدل على اتخاذه منحى قد يكون اكثر مرونة في الملف السوري وهو ما قد ينسحب على المواقف الغربية ككل.

- توعد الرئيس الفرنسي " بملاحقة الإرهاب أينما حل " داعيا السلطات التشريعية في بلاده إلى إدخال تعديلات دستورية تسمح بذلك بمواجهته.

- اعلن أنه يجب تعزيز القدرات الأمنية والقضائية في مواجهة الإرهاب.

- اعلان حالة طوارئ ۳ اشهر

- اجتماع البرلمان الموحد

يقول المختص في الشؤون الفرنسية الدكتور وليد عربيدان " الاعتداءات في باريس جاءت لتؤكد على المخاوف التي طرحت في السابق بأن ارتداد الارهاب سيكون على الامن القومي الفرنسي نظرا للسياسة التي انتهجتها باريس مع المعارضات في عدة دول. وهذا الشق من الاعتداء يجب النظر اليه في اتجاهين:

اولاً على الصعيد الداخلي تراكم سياسات اجتماعية واقتصادية تصب في صالح " صعود الاسلاموفوبيا ".

ثانيا السياسات الخارجية وأن فرنسا التي تحارب الارهاب في مناطق عدة مثل مالي وليبيا كان لها موقف متمايز ازاء الازمة السورية وكان موقفها معارضا للرئيس الاسد ودعمت بعض الحركات المعارضة التي صنفت ارهابية كجبهة النصرة وبعض الحركات الاخرى. هذه السياسة ولدت وصول الارهاب الى عقر دار فرنسا التي لم يكن لديها موقف حازم تجاه الازمة السورية ".

يضيف عربيد ان " هذا ولّد اتجاهين: سياسة الحكومة الفرنسية التي تقول انه يجب ازاحة الاسد بالقوة وشق سياسي اخر تنتهجه بعض المعارضة الفرنسية التي زارت الرئيس السوري ".

لكن ازاء التطورات الجديدة يقول عربيد " اعتقد هناك موقفا فرنسيا متجددا رأيناه بعد الاعتداءات عندما سارعت لضرب معاقل داعش في الرقة بسوريا بقوة بالامس وعندما ارسلت حاملة الطائرات شارل ديغول لتشارك في العمليات ضد تنظيم داعش… وهذا يدل ان هناك اتفاقا تحت الطاولة من الدول الكبرى على استئصال داعش ".

العنوان الرئيس في السياسات الدولية ومنها فرنسا سيكون في المرحلة المقبلة هو الارهاب ولكن بحسب عربيد " هناك سياسات شد حبال فما حصل في فيينا انه مؤتمر حول سوريا ولكن الجو القائم كان سياسات وعلاقات دولية وعلينا ان ننتظر لنرى ان كان هناك سلة لحل للمشاكل العالقة في الشرق الاوسط ".

في الفترة القادمة كما يتوقع متابعون هناك احتمالات تكرر مثل هذه الاعتداءات وقد دلت الاجراءات الفرنسية المتصاعدة على توقع مثل ذلك، وليس هذا التخوف متعلقا بفرنسا فقط بل ينسحب على اوروبا وهناك تاثير ايضا للمخاوف الامنية على وحدة الاتحاد الاوروبي فهل يبقى موحدا في ظل الظروف الامنية وفي ظل اغلاق الحدود البرية والجوية للحفاظ على الامن؟ سؤال له حيز ايضا في ظل التطورات.

المصدر: المنار