كان مثل الخارج من شجار في منزل العائلة، كاتماً انفعاله ليقول للعالم الخارجي إن كل شيء على ما يرام. لم تنجح محاولة وزير الداخلية الألماني توماس دو مايزر لإظهار ضبط النفس. نطق بضع جمل، بقي وجهه متماسكاً، لكن ما لبثت كلماته أن سقطت في التوتر. «أزمة اللاجئين»، كما يسميها الاتحاد الأوروبي، جعلت آلة صنع القرار شبه معطلة. لا شيء يعمل تقريباً. البيت الالماني غير قادر على ضبط خلافاته، فلا يكاد يحلّ مشكلة سياسية حتى يسقط في أخرى. القضية الآن هي الخلافات حول وضع اللجوء الذي يجب أن يعطى للسوريين، مع التلويح بتجميد لم الشمل العائلي لهم. أما الخلافات السائدة في البيت الأوروبي، فلم تعد محصّنة من رواج النكاية: المعارضون يعرقلون تطبيق سياسات يرفضونها، ثم يهللون متحدثين عن فشلها. النتيجة من طينة تلك الظروف: اتفاقية «شنغن» باتت مهددة فعلياً بالانهيار، والعد التنازلي ليس أمامه سوى أيام قليلة. أمام تلك الظروف، كانت الجملة الأكثر ترداداً بين وزراء داخلية التكتل، خلال اجتماعهم الطارئ في بروكسل أمس، هي «الوقت ينفد». التوتر الذي غلّف ظهور الوزير الألماني مفهوم. عملياً، هو من يتحمل مسؤولية اندلاع الخلافات ضمن الائتلاف الحاكم في بلاده. الرجل يُعتبر من الجناح اليميني في «المسيحيين الديموقراطيين»، حزب المستشار الالمانية أنجيلا ميركل. خرج فجأة ليقول إن اللاجئين السوريين يجب أن يتم منحهم «الحماية الثانوية». يعني ذلك عدم إعطائهم وضع «لاجئ»، بل منحهم تصريح إقامة مؤقت لمدة سنة. وفقاً لذلك، اعتبر أنه يجب أن يشمل تجميد لمّ الشمل العائلي السوريين أيضاً، بعدما كان مقرراً أن يشمل مجموعة محدودة، كإجراء للتعامل مع التدفقات الكبيرة. أثارت كلمات دو مايزر سجالاً جديداً في برلين، برغم أن أياماً قليلة مرت على إنجاز تسوية أنهت سجالاً حاداً في سياق قضية اللاجئين. سارع المتحدثباسم الحكومة إلى أخذ مسافة عن موقف الوزير، معلناً أن سياسة ألمانيا تجاه اللاجئين السوريين «لا تزال على حالها». كلمات لم تقنع سيغمار غابرييل، رئيس «الحزب الديموقراطي الاشتراكي» الشريك في الائتلاف الحاكم. أكد أن قضية تخفيض وضع اللجوء للسوريين، وتجميد لم الشمل، هي مسائل لم تناقش معهم إطلاقاً. منتقداً مجمل نهج حزب ميركل، خصوصاً مواقف وزيرها، قال إن «اليد اليمنى للحكومة لم تعد تعرف ما تفعله يدها اليسرى». المتحدثالحكومي عاد ليقول إن تجميد لم الشمل يمكن أن يشمل السوريين، نظراً للانشغال الآن بالتعامل مع طلبات لجوء من هم في ألمانيا. تراجع دو مايزر قليلاً، ليقول إن النقاش يدور الآن في إطار منح السوريين «الحماية الكاملة»، أي وضع اللاجئ. لكن يبدو أنه يعاند التخلي عن فكرة تجميد لم شمل السوريين. خلال حضوره للاجتماع بنظرائه، سألته «السفير» عن موقفه الجديد، فقال إنه لا يزال على حاله: «نحن نناقش موضوع لم الشمل العائلي للسوريين في المانيا، وحينما نتوصل إلى نتائج سنعرضها على العامة». تجميد لم الشمل سيؤثر على عائلات كثيرة، لجأ أفراد منها إلى المانيا على أمل أن تلتحق بهم أسرتهم. هذا الاجراء تنص عليه المعاهدات الدولية حول اللجوء. إيقافه سيجعل الحل الوحيد هو استقدام العائلات بطريقة التهريب ذاتها، مع المخاطرة بحياتهم في رحلة البحر. هذه الحقائق سيحاول الأوروبيون العمل كأنها غير موجودة، نظراً لتناقضها الكبير مع دعواتهم لإبعاد اللاجئين عن «شبكات التهريب المجرمة». المواقف المتباينة، إخفاق الاوروبيين في التوافق على سياسة مشتركة، بات يهدد ما يقدم على أنه أكبر منجزات الوحدة الأوروبية. ساعة العدّ التنازلي تقلب الأيام بانتظار منتصف الشهر الحالي. حينها ستنتهي مهلة الشهرين التي يتيحها نظام «شنغن» أمام إقامة الرقابة الحدودية. إنها متاحة فقط في ظروف أزمات، يمكن معها إعادة الحدود جزئياً داخل منطقة التنقل الحر بدولها ال ۲٦. النمسا هي أول دولة ستواجه انتهاء هذه المهلة، لكونها الأبكر في فرض الرقابة على معابرها مع سلوفينيا استمرار النمسا في فرض الرقابة سيكون الانتهاك الأول، ما يفتح الباب أمام سابقة يقتدي بها الآخرون. الحكومة النمساوية لا يبدو أن لديها بديلاً، حتى الآن، كما أن توضيحات مسؤوليها تشير إلى اليأس من حلول عاجلة. حينما سألت «السفير» وزيرة داخلية النمسا جوانا ليتنر عن القضية، ألقت المسؤولية على الدول التي تشكل حدوداً خارجية لمنطقة «شنغن»، تحديداً اليونان، المواجهة للبوابة التركية المفتوحة. من دون السيطرة على حدود اليونان، «لا يمكن إيجاد حل أوروبي فعال»، كما قالت ليتنر: «من الحاسم ضمان أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ليمكننا وضع وتشغيل نظام النقاط الساخنة(مراكز تجميع اللاجئين)، ليمكننا التمييز بين اللاجئين من الحرب وبين المهاجرين الاقتصاديين من الدول الآمنة، ثم توزيعهم عبر الحصص»، قبل أن تشير إلى المصير المشؤوم لاتفاقية «شنغن» من تعطّل تلك السلسلة: «حتى يحدثكل ذلك، نحن مجبرون على حماية حدودنا الوطنية». كل المطروح الآن هو التوصل لصفقة مع تركيا. ذلك ليس ممكناً إلا بعد مساومة شاقة. لذلك يعرض الأوروبيون، للضغط على أنقرة أيضاً، تعزيز إمكانات وكالة القرابة الحدودية «فرونتكس»، لحماية الحدود البحرية لليونان. كيف سيتم ذلك؟ لا أحد لديه تصور واضح. أي مطاردة لقوارب اللاجئين المطاطية، المحتشدة بما يفوق قدرات استيعابها، ستشكل خطراً كبيراً عليهم، كما أنه لا يمكن إعادتهم إلى تركيا من دون موافقتها. انتهى الاجتماع الوزاري على انعدام إمكانية اجتراح حلول عاجلة. هكذا خرج وزير خارجية لوكسبمورغ جون أسلبورن، بعد ترؤسه الاجتماع، معلناً أن «شنغن في خطر»، ليكرر خلاصة «الوقت ينفد». مثال الإخفاق حاضر كل يوم. الدول يمكن أن تذعن للضغوط، من اجل قبول قرارات تعارضها، لكنها ببساطة لا تنفذ. هذا ما حصل مع اتفاقية إعادة توزيع ۱٦۰ ألف لاجئ، وفق نظام الحصص المؤقت. عمليات نقل اللاجئين في إطاره سجلت بضع رحلات، نقلت شحنة ما لا يتجاوز ۲۰۰ لاجئ من اليونان وايطاليا إلى دول أخرى. استعراض قائمة الالتزام بالاتفاقية يجعل المسؤولين الأوروبيين يتحدثون بخيبة، بعدما راهنوا على إنجاح التطبيق لتحويل النظام إلى آلية دائمة. الغالبية العظمى من الدول المشاركة، أو الملزمة بالمشاركة، إما وفرت أماكن قليلة جداً لاستقبال اللاجئين، في إطار الحصص، أو لم توفر شيئاً بالمرة. فرنسا التي يتفاخر وزير داخليتها برنار كازنوف بأنها أوفت بالتزاماتها الأوروبية، وفرت فقط ۹۰۰ مكان للاجئين، بينما حصتها تفترض استقبالها أكثر من ۲۷ ألف لاجئ. الضغوط التي يستبب بها تدفق سيل اللاجئين، تحديداً على التنافس السياسي الداخلي مع صعود اليمين المتشدد، تدفع بعض الحكومات المعروفة بتعاملها الايجابي إلى ان تغيّر سياساتها. هذا ما يحصل الآن مع السويد، الدولة الأوروبية الأكثر استقبالاً للاجئين قياساً بحجمها. تتوقع السلطات السويدية وصول نحو ۲۰۰ ألف لاجئ هذه السنة إليها. لكن من يتأملون بالإقامة فيها كلاجئين يمكن أن يخيب أملهم، حتى من وصلوا إليها مؤخراً. طلبت حكومتها الآن أن يتم ضمها إلى نظام توزيع اللاجئين، متأملة أن يتم نقل نحو ۵۰ ألف لاجئ منها إلى دول أوروبية أخرى. حينما سألت «السفير» وزير العدل والهجرة السويدي، مورغان جونسون، حول إمكانية تلبية طلبهم، قال إنه متفائل برغم التقاعس الواضح من دول أوروبية كثيرة. موضحاً وجهة نظره، قال إن سبب تفاؤله هو «لأني أرى أن لدى السويد قضية قوية، فلا يوجد دولة فعلت أكثر مما فعلته السويد خلال السنوات الماضية بعد الحرب السورية، لكن هنالك حدوداً لما يمكن للسويد فعله»، قبل أن يضيف «قدراتنا تنفد، يجب أن أقول للناس القادمين إلى السويد: لا يمكننا أن نؤمن بعد الآن مساكن لاستضافتكم وعليكم تدبير ذلك بأنفسكم. لم يحصل أن كنا في وضع كهذا أبدا في السابق». فقدان الاعصاب، الانفلات عن السياقات السابقة لضبط الخلافات، بدأت تظهر بشكل متزايد. رافضو نظام توزيع اللاجئين لم يوفروا أي أماكن لاستقبال حصصهم، بعدما تم فرض القرار عليهم بالغالبية برغم معارضتهم. المجر مع سلوفاكيا وجمهورية التشيك، تقود هذا الفريق، مستنتجين فشل خطط هم أنفسهم يعرقلونها. الوزير الالماني فقد أعصابه، ليس على اللاجئين السوريين، بل على الأفغان الذين أكملت تمزيقهم حرب أميركية دعمتها أوروبا. ما يحصل معهم مثال على ما يمكن أن يحصل للبقية. برغم أن بلادهم ليس مصنفة آمنة، قال دو مايزر إنهم يمثلون «القلق الأساسي» لبلاده، قبل أن يزيد عليهم من إنسانية سياستهم، مؤكداً أنه «لن يتم توزيعهم(على الدول الأوروبية) ويجب أن يبقوا في أفغانستان. سنرسل هؤلاء من أوروبا، من اليونان ومن ايطاليا، مباشرة لإعادتهم إلى أفغانستان». المصدر: السفير