ما إن تتباهى السلطات الإسرائيلية بنجاحها في تخفيض حدّة الهبَّة الشعبية الفلسطينية في جهة، حتّى تنفجر في وجهها في جهة أخرى. وبرغم إجراءات القمع المختلفة، ميدانياً كإنشاء الأسوار ونصب الحواجز أو الإعدامات الميدانية لمنفذي العمليات أو المشبوهين بتنفيذها، أو حتى القانونية المتشدّدة، تواصلت الهبَّة في وجهيها الشعبي والفردي. وانتقلت حدة الاشتباكات الشعبية من القدس إلى الخليل في مشهد ينفي الادِّعاءات بقرب السيطرة عليها. وفي هذا السياق، تزداد حدّة الخلافات بين المستويين السياسي والعسكري حول سُبُل التعامل مع هذه الهبَّة، إذ يشدّد الجيش الإسرائيلي على الضرر الذي أصاب التنسيق الأمني مع السلطة والذي يجعل من المتعذر العودة إلى فترات هدوء طويلة. وفي الأيام الأخيرة، يسعى الجيش الإسرائيلي لتصعيد إجراءاته القمعيّة خصوصاً في الخليل التي انتقل إليها مركز ثقل الصدامات الشعبية مع الاحتلال. وعدا الاقتحامات المتكررة للأحياء الفلسطينية في الخليل، يقوم الجيش و «الشاباك» بحملة اعتقالات واسعة ليس فقط ضدّ من يشاركون في المواجهات، وإنّما أيضاً ضدّ من تعتبرهم إسرائيل محرّضين عليها. وقد عزّز الجيش الإسرائيلي بشكل كبير تواجده في المدينة وخصوصاً على مداخلها بهدف الضغط على سكانها لمنع الصدامات وعمليات الطعن التي تصاعدت كثيراً في المدينة، لا سيما أنَّ أغلب عمليات الطعن داخل الخط الأخضر في الأسابيع الأخيرة، نفّذها فلسطينيون من أبناء مدينة الخليل. وبحسب المعلق العسكري في «هآرتس»، عاموس هارئيل، فإنَّ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لاحظت تراجعاً معيناً في الأسبوعين الأخيرين في حدّة النشاطات الشعبية الفلسطينية في إطار الهبَّة الجارية، برغم استمرار عمليات الطعن. وذهبت هذه الأجهزة حدّ توقّع أنَّ العمليات لم تعد جارفة بالمعنى الشعبي، كما تراجعت مشاركة الفلسطينيين من مناطق ٤۸ في الهبّة، وهو ما كان يمثّل عنصر قلق بالغاً للمؤسسة الإسرائيلية، إلى جانب احتمالات التصعيد مع قطاع غزَّة. ولكن هذه الأجهزة تضيف أنَّه حتّى لو تحقق لاحقاً الهدوء النسبي على الأرض، فإنّه سيكون من الصعب إعادة الأمور مع السلطة الفلسطينية إلى ما كانت عليه سابقاً. وبحسب هذه الأجهزة، فإنَّ الوضع الداخلي في السلطة ضعف مكانة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومعركة خلافته والإحساس بعدم جدوى المسار السياسي - لن يسمح بالحفاظ لفترة طويلة على هدوء نسبي في الأراضي المحتلة حتى لو خفتت الهبَّة الحالية لفترة من الزمن. ووفق هارئيل، فإنَّ أجهزة الأمن الإسرائيلية تعزو تراجع العمليات في شرق القدس إلى مزيج من تأثيرات الاتفاق مع الأردن على «صيغة كيري» بشأن الحرم، وشدة الإجراءات التي اتّخذتها إسرائيل ضدّ الأحياء العربية. ومن المعروف أنَّ الشرطة الإسرائيلية نصبت حواجز على مداخل العديد من الأحياء العربية، ونفذت عمليات اعتقال واسعة في صفوف الشبان، إذ اعتقلت خلال تشرين الأول الماضي وحده، ما يزيد على ۷۵۰ شاباً في القدس. وفي كل حال، انتقلت مظاهر الهبَّة الشعبية بشكل أساسي من القدس إلى مدينة الخليل حيثالاشتباكات يومية هناك. كذلك تجري في مناطق الاحتكاك المعروفة بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال ومستوطنيه، اشتباكات دائمة في مناطق عدة في الضفة الغربية سواء قرب بيت لحم أو حول نابلس وجنين وطولكرم. لذلك، فإنَّ تقديرات الاحتلال حول خفوت الهبّة وتراجعها ليست دقيقة، وهناك من يعزو الهدوء النسبي إلى حالة الطقس أكثر من أي شيء آخر. فمبرّرات الهبَّة ودوافعها، لم تتغير بل إنَّها تزداد حدة. ومهما يكن الأمر، فإنَّ أشد ما تخشاه إسرائيل هو أنَّ استمرار الهبَّة سيدفع، وبشكل أساسي، أعضاء تنظيم «فتح» للانضمام إليها، وهو ما يشكّل نقطة حاسمة في تحديد وجهة الهبَّة. فالكثير من أعضاء «فتح» هم أيضاً أفراد في السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ولديهم الكثير من الأسلحة. وبرغم أنَّ أجهزة الأمن الإسرائيلية تعتقد أنَّ حركة «حماس» ومنظمات فلسطينية أخرى تبذل جهدها لتنفيذ عمليات بأسلحة نارية ضدّ الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، إلَّا أنَّ انضمام «فتح» إلى المعادلة سيغيّر الوضع على هذا الصعيد وقد يدفع الأمور نحو ما بدت عليه في الانتفاضة الثانية. ومثلما تبخّر الحديثعن «موجة» الإرهاب، وصار الكلام عن الموجة ممجوجاً بسبب تواصلها، صار بعض المعلقين الإسرائيليين ينظرون إلى الهبّة على أنَّها «انتفاضة من نوع جديد». ويلحظون أنَّ ما يميّز هذه الهبَّة كونها غير موجهة من أعلى وبالتالي يصعب على أحد أن يأمر بوقفها، والأخطر أنَّ لا أحد يرى نهاية قريبة لها. وواضح أنَّ حال الهبَّة، بشكلها الراهن، يدفع الكثيرين في إسرائيل إلى التخوف من احتمال التعود عليها وعدم السعي لإيجاد حلٍّ يزيل أسبابها. وربَّما أنَّ هذا بالذات هو ما يزيد حدّة الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري. فالعسكر الذين يؤمنون بأنهم يبذلون أقصى ما لديهم لتوفير مناخ تستطيع الحكومة من خلاله التوصل إلى تسويات مريحة لإسرائيل، يشعرون بأنَّ حكومة نتنياهو مرتاحة لاستراتيجية «إدارة النزاع». وهذا هو سبب تزايد انتقادات القادة العسكريين السابقين والحاليين للوضع الراهن ومطالبتهم الحكومة بالعمل من أجل التوصل إلى تسوية شاملة قدر الإمكان قبل فوات الأوان. وهذا هو المعنى الحقيقي للخلاف الذي وقع في جلسة الحكومة الإسرائيلية الأخيرة بين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال هرتسي هاليفي، وعدد من وزراء اليمين، وعلى رأسهم وزير الهجرة الليكودي زئيف ألكين. وقد خرجت المؤسسة العسكرية للدفاع عن هاليفي، فأعلنت عبر المراسلين العسكريين أنَّه برغم عدم نيتهم الانجرار إلى سجال سياسي مع الوزراء، إلَّا أنَّ موقفهم من رئيس السلطة الفلسطينية لم يتغير. ويرى العسكريون أنَّ أبو مازن، وخلافاً لأقوال السياسيين، لا يحرّض ولا يشجع على العنف، وأنَّه على العكس من ذلك، يعمل على منع العنف. وشدّد مصدر عسكري لصحيفة «معاريف» على أنَّ أبو مازن والسلطة وأجهزتها يُعتبرون عاملاً كابحاً للعنف، بل إنَّ عباس أبدى شجاعة في موقفه الرافض للعنف سواء بتنفيذه اعتقالات أو بمنعه التظاهرات. ويقول هذا المصدر إنَّ موقف هرتسي هاليفي ينبع أساساً من «عمل أبو مازن ضدّ الإرهاب أثناء حملة الجرف الصامد. وبحسب مصادر في المؤسسة الأمنية، فإنَّ أبو مازن يمنع الإرهاب وقد أمر أيضاً بعدم المس بالتنسيق الأمني مع إسرائيل». وكان عباس قد أكَّد، أمس، أنَّ السلطة الفلسطينية تعمل من أجل إعادة الوضع القائم في المسجد الأقصى إلى ما كان عليه قبل العام ۲۰۰۰، أي تحت السلطة الكاملة للأوقاف الإسلامية. وفي كلمة ألقاها عند بدء اجتماع للجنة التنفيذية ل «منظمة التحرير الفلسطينية» في مدينة رام الله، قال: «نعمل حالياً مع الأخوة في الأردن من أجل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه تماماً قبل العام ۲۰۰۰»، مضيفاً أنَّ «الاعتداءات الإسرائيلية لا تزال مستمرة على أبناء شعبنا، خصوصاً في المسجد الأقصى المبارك، بالإضافة إلى اعتداءات المستوطنين»، فيما جدَّد تأكيده على مطالبة وضع نظام حماية دولية بصورة عاجلة للشعب الفلسطيني. وأطلقت شرطة الاحتلال النار على فلسطيني، أمس، بعدما دهس بسيارته عنصرين من حرس الحدود الإسرائيلي شمال الخليل، ما أدى إلى إصابة أحدهما بجروح خطيرة للغاية، واستشهاد منفذ العملية. ووقع الهجوم في منطقة حلحول بالقرب من مفترق طرق رئيسي يربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. المصدر: السفير