اشتدت حدة الهبة الشعبية الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع ومناطق ٤۸ باستمرار التظاهرات والصدامات وتنامي الدوافع الفردية لتنفيذ عمليات شعبية. وازدادت أعداد حالات الطعن التي ينفذها فلسطينيون في القدس وداخل الخط الأخضر، ما زاد في زعزعة شعور الإسرائيليين بالأمان الشخصي. واضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يوم أمس في افتتاح دورة الكنيست الجديدة للحديثعن «حرب إرهابية» تُشن ضد إسرائيل. ولا يبدو في الأفق أي ملمح للتهدئة خصوصاً بعدما طلبت الحكومة الإسرائيلية من وفد «الرباعية الدولية» عدم القدوم الى المنطقة في الظروف الراهنة. واستغربت وسائل الإعلام الإسرائيلية وتيرة حالات الطعن التي أظهرت حجم الارتباك في صفوف الإسرائيليين ممن صاروا يخالون كل عربي أو عربية وكأنهم قادمون لطعنهم أو دهسهم. وقاد هذا إلى استهداف أشخاص لم يثبت أنهم ينوون طعن أحد أو حتى كانوا يحملون أدوات للطعن. وكان ملاحظاً أن متوسط أعمار المشاركين في عمليات التظاهر والصدام والطعن يقل عن العشرين عاماً، ما دعا بعض المعلقين الى اعتبارهم «جيل أوسلو». وواضح أن حدة العداء وشموله كل مناطق فلسطين يظهر فشل إسرائيل في تحييد أي من القطاعات المهمة في الشعب الفلسطيني، ما يؤكد القناعة بأن إسرائيل تعادي الفلسطينيين جميعهم. فكل الفلسطينيين، داخل الخط الأخضر وخارجه، في الضفة والقدس والقطاع، يعيشون الهم ذاته من مصادرة حريات وأراض ومحاولة تدمير هوية، والأهم منع الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في تطوير أنفسهم على أرضهم بحرية. ويشعر كثير من الفلسطينيين، خصوصاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالاغتراب عن مواقف السلطة الفلسطينية التي تبدو هذه المرة أكثر من أي وقت مضى في ورطة كبيرة، فهي من ناحية ترى أن انزلاق الهبة الشعبية نحو العنف قد يسمح لإسرائيل بالبطش بالسكان وتقييد السلطة أكثر وأكثر، وهو ما تعتبره كارثة يجب تجنبها. ولذلك لا يخفي الرئيس الفلسطيني محمود عباس خشيته من فلتان قد يضطر الشعب الفلسطيني عموماً وقضيته لدفع ثمنها. وهو يخاطب في كل يوم تقريباً أجهزة السلطة، خصوصاً الأمنية، وتنظيم فتح بالعمل على ضبط الوضع وعدم تسهيل التظاهرات والصدامات. ومع ذلك تحاول السلطة تأكيد حق الجمهور الفلسطيني في مقاومة الاحتلال ولكن بأشكال محددة. لكن «جيل أوسلو» يجد نفسه في موضع آخر غير موضع السلطة الفلسطينية. وهو يريد التحرر من الاحتلال وممارسات المستوطنين بمنطق لا يفل الحديد إلا الحديد. وهذا منطق يراه «المخضرمون» صبيانياً في ظل الظروف العربية القائمة. فالفلسطيني، من واقع تجربته، يعجز عن حسم المعركة مع الإسرائيلي من دون توفر الحاضنة العربية. وهذه الحاضنة مشغولة حالياً بأمور أخرى لا تقل أهمية، في نظرها، عن الشأن الفلسطيني. ولذلك فإن السلطة الفلسطينية لا تراهن على التحركات الشعبية وديمومتها بقدر ما تراهن على ما تعتبره ورقة رابحة وغير مكلفة تتمثل في الضغط الدولي عبر تحريك المفاوضات بالتهديد بحل السلطة. وبهذا المعنى يمكن القول إن الهبة، بوتيرة محدودة، أمر مقبول على السلطة الفلسطينية، وهي مرفوضة من السلطة وإسرائيل على حد سواء إن خرجت عن تلك الحدود. ويمكن القول إن سلطة «حماس» في قطاع غزة، وإن أيدت وشجعت الهبة في الضفة الغربية، بل وعلى حدود غزة، لا ترغب في أن تمتد لتدفع إلى حرب جديدة. وهذا أيضاً حال الإسرائيلي في تعامله مع القطاع حيثليس صدفة أن اسرائيل قررت، أمس، وللمرة الأولى، إدخال مواد بناء لآلاف الفلسطينيين، ليس في إطار إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما لأغراض النمو الطبيعي. وبرغم محاولات إسرائيل إظهار أنها تتخذ إجراءات للتهدئة فإن المنحى العام في جوهره تصعيدي وردعي. فقد أقرت الحكومة الإسرائيلية مشروع قانون لتشديد العقوبات على راشقي الحجارة وزجاجات المولوتوف. كما تبحثالحكومة قراراً بعدم إعادة جثامين الفدائيين إلى ذويهم. وكل هذا من دون الإشارة إلى التوسع في الاعتقالات ولأقل الأسباب. وكان قائد الشرطة الإسرائيلية في القدس قد أشار قبل يومين إلى وجود أكثر من ۳۰۰ معتقل من أبناء القدس في التظاهرات الأخيرة، وأن حوالي نصفهم من القاصرين. وفي كل حال، من المتوقع أن تزداد حدة الإجراءات الإسرائيلية خصوصاً بعد بدء الدورة الشتوية للكنيست. وبعد عودة أعضاء الكنيست من إجازتهم الصيفية سوف تزداد المزايدات في صفوف اليمين ما قد يدفع الحكومة إلى تشديد إجراءاتها. وفي افتتاح دورة الكنيست أعلن نتنياهو أن «الإرهاب لن يهزمنا، بل نحن من سيهزمه. وموجة الإرهاب الحالية سنهزمها… ونحن نعمل من أجل إخراج الحركة الإسلامية عن القانون. وقد شددنا إجراءات إطلاق النار، وعززنا القوات وصادقنا على مشروع قانون عقوبة الحد الأدنى». وطالب نتنياهو الكتل البرلمانية، خصوصاً المعارضة بتأييد مشروع قانون تشديد العقوبات قائلاً: «إن ما وجهنا هو الإقرار العميق بأننا نخوض نضالاً محقاً. وسوف نخرج الجناح الشمالي للحركة الإسلامية عن القانون. ولن تكون حصانة لمن يشجع الإرهاب». واتهم أعضاء الكنيست العرب بالتحريض، واعتبر أن حنين الزعبي ورفاقها يشجعون على الإرهاب. ومع ذلك حاول نتنياهو إنكار محاولات إسرائيل تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي وأعلن أن هذه «دعاية كاذبة» وهي كذبة خطيرة. وقال إن إسرائيل تحافظ على الأماكن المقدسة لكل الأديان «فلولا إسرائيل لجاء متعصبو الإسلام ودمروا الأماكن المقدسة كما يفعلون في أرجاء الشرق الأوسط». من جهة أخرى كشفت «هآرتس» النقاب عن أن وفد الرباعية الدولية ألغى زيارته التي كانت مقررة غداً للمنطقة. ونقلت عن ديبلوماسي غربي قوله إن تأجيل الزيارة جاء بعد اتصال هاتفي من رئيس الحكومة الإسرائيلية لوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني عارض فيها الزيارة وقال إنها لا تناسب الظروف القائمة. وأشارت «هآرتس» إلى أن الزيارة قد تتم بعد أسبوعين. المصدر: السفیر