الكاتب: عمر معربوني

وفي كلام متصل بالموضوع أكّد رئيس شعبة الإستخبارات السابق الذي عُيّن قائداً للجبهة الشمالية افيف كوخافي أنّ المنطقة مقبلة على حرب كبيرة لا محالة وأنّ " إسرائيل " ستكون ساحة من ساحات هذه الحرب.

وقد وصف كوخافي المنطقة الشمالية المحاذية للبنان وسوريا بأنها ستكون في عين العاصفة، وممّا أورده أنّ مهمته ستكون مواجهة حزب الله وإحتمالات بروز حالة مقاومة في الجهة السورية للحدود مع فلسطين المحتلة، رغم أنّه في مكان ما أشار الى حزب الله المنهك بسبب حربه في سورية وهو أمر لا يحاكي الحقيقة الكاملة.
في كل الأحوال وقبل الدخول الى مقاربة الموضوع لا بدّ من ذكر مسألة هامة جدّاً وهي أنّ أي حرب يسبقها متابعة أمنية وإستخباراتية لتشكيل بنك أهداف يتألف عادة من منشآت مدنية وعسكرية ومواقع القيادة والسيطرة ومنصات الصواريخ وطرق الإمداد والقيادات وغيرها ممّا يساهم فيحال ضربه في الإنتصار على العدو.

ويبقى أنّ الإختبار الحقيقي يبدأ مع إندلاع الحرب ويستمر حتى نهايتها، وهو أمر سبق أن تمّ اختباره في الصراع بين حزب الله و " إسرائيل " في أكثر من مواجهة، وكان آخرها العدوان على غزّة الذي استمّر ل۵۵ يوماً.
قد يستغرب البعض اعتبار العدوان على غزّة هو إختبار لقدرات حزب الله الاّ اذا رجعوا في السياق الى العلاقة التي تجمع حزب الله مع فصائل المقاومة الفلسطينية في كل المجالات ومنها المسائل الأمنية والعسكرية والعلمية.
فمعركة ال۵۵ يوماً في غزّة لم تكن في الجانب العسكري الاّ إختباراً لتكتيكات القتال في المناطق المفتوحة وتحت الأرض، وكذلك استخدام الصواريخ متوسطة المدى من أنفاق معدّة بشكل جيد ومرتبطة بشبكة عنكبوتية من الأنفاق تتضمّن مواقع لتصنيع الصواريخ وأخرى للتخزين ضمن الشروط العلمية.

وإذا كانت المقاومة الفلسطينية استطاعت أن تصمد ۵۵ يوماً في ارض مفتوحة ومطوقّة من كل الجهات ولا تتجاوز مساحتها ۳٦۰ كلم، فليس هناك ادنى شك ان حزب الله الذي تتحرك قواته على مساحة تتجاوز ٦٤۲۵ كلم مربع(محافظات البقاع والجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية) وتتصّف بتضاريس معقدّة من الجبال والوديان، إضافةً الى إمتلاك حزب الله لطرق إمداد مفتوحة بإتجاه سورية، وإمكانيات وقدرات علمية تتمثّل بآلاف المهندسين والتقنيين في مجالات مختلفة من الهندسة المدنية الى هندسة الإتصالات وهندسة الميكانيك والكهرباء والإلكترونيات وغيرها من الإختصاصات الموضوعة في خدمة المعركة.

من المؤكد أنّ حزب الله يتواصل مع قيادة المقاومة الفلسطينية في غزّة وقد انتقلت له كامل التجربة التي حصلت خلال العدوان الأخير بكل تفاصيلها تماماً كما نقل حزب الله تجاربه لمقاومة غزّة بعد سنة ۲۰۰۰ وخلال عدوان ۲۰۰٦ على لبنان.
الأمر الأهم الذي منع الجيش الصهيوني من تحقيق أهدافه في لبنان وغزّة هو اعتماد المقاومة اللبنانية والفلسطينة على عامل السرية في كل النواحي، إضافةً الى الإعتماد على شبكات الإتصال الارضية البدائية التي لا يمكن إختراقها الا بوضع أدوات تجسّس خاصة على شبكة الأسلاك، وهو أمر يمكن اكتشافه بسبب الدوريات المستمرة للكشف على الشبكات.

وبالعودة الى موضوعنا الأساسي لا بدّ من الإشارة الى أنّ أغلب القادة الصهاينة اعترفوا بعدم جدوى التعرض للمنشآت السكنية والمدنيين، والذي هدفوا من خلاله الى إحداثتمرد ومواجهة بين المدنيين والمقاومة، وهو الأمر الذي حدثعكسه تماماً في غزّة وفي لبنان.
وهذا ما استدعى أن يصرح البعض من قادة العدو أنّ تصفية قيادات المقاومة سيكون على رأس بنك الأهداف الإسرائيلي، رغم أنّهم باعتقادي سيمارسون نفس الطريقة في استهداف المدنيين والبنى التحتية لأنهم ستفاجؤون كما في كل مرّة أنهم لا يمتلكون بنك أهداف محدّد فيما يخص الجوانب العسكرية.
فعلى مساحة ٦٤۲۵ كلم مربع وهي المساحة التي يتواجد فيها حزب الله، لم يشاهد أحد من اللبنانيين مواقع علنية لحزب الله ولا لمنصات صواريخه وغرف العمليات والقيادة، وهو أمر مثير للجدل خصوصاً اذا ما علمنا القدرات الأمنية لحزب الله ومستوى السريّة في تعاطيه مع كل الملفّات والحملة التي قام بها بعد عدوان ۲۰۰٦ مع الأجهزة الأمنية اللبنانية في ملاحقة وكشف شبكات التجسس الإسرائيلية وتفكيكها، وكذلك عمليات الرصد الدقيقة للمواقع التي يمكن للإسرائيليين وضع أجهزة مراقبة وتجسس فيها، واكتشاف العديد منها وأهمها ما تمّ إكتشافه في صنين والباروك وأكثر من منطقة.

لا أحد في العالم يمكنه الإدعاء أنّه يمكن أن يؤمن الأمن الكامل، ولكن النسبة التي يؤمنها حزب الله تعتبر عالية جداً والسبب الرئيسي فيها هو إعتماده على جسم بشري عقائدي ملتزم، ما يؤمن له ادنى نسبة من الإختراق وهذا ما يبدو جليّاً في العدد القليل جدًا للعمليات الأمنية التي يتعرّض لها الحزب.
وإن كانت " إسرائيل " غير قادرة كما في السابق على تعيين بنك أهداف عسكرية وأمنية فإن بنك أهدافها في اي حرب قادمة لن يكون مختلفاً عن اي بنك أهداف وضعته، وهو بالتأكيد سيكون خالياً من اي أهداف عسكرية لعجز اجهزة استخباراتها عن الوصول الى معلومات دقيقة حول بنية حزب الله العسكرية وتشكيلاته ووسائطه الإستخباراتية والعسكرية.

ولكن الوضع بالنسبة لحزب الله في اي حرب قادمة سيكون مختلفاً تماماً، فسيكون بمقدور الحزب استهداف كل أنواع الأهداف داخل فلسطين المحتلة سواء كانت مدنية او صناعية او عسكرية.
فبعد عدوان ۲۰۰٦، وانطلاقاً من تجربة المقاومة في مجال الصواريخ ارض – ارض، أصبح من المؤكد أنّ الحزب بات يملك اعداداً كبيرة بآلاف الصواريخ من فئة صواريخ فجر والتي يصل مداها الى ۱۰۰ كلم، وهو أمر لا يمكن الشك فيه كون المقاومة استطاعت في غزة ان تستخدم عشرات الصواريخ من هذه الفئة رغم امتلاكها بحسب ما بيّنت صور التصنيع وقدرة الإطلاق، وهنا لا بد من الإشارة الى أن هذا النوع من الصواريخ قادر على التأثير في الأهداف ذات الطبيعة الخدماتية كمحطات الكهرباء ومصانع البيتروكيماويات ومصافي النفط.
نوع آخر من الصواريخ ترجّح المعلومات أنّ حزب الله يمتلك المئات منه وهو فئة صواريخ زلزال الذي يصل الرأس المتفجر فيه الى ۸۰۰ كلغ ويمكنه ان يُحدثأضراراً بالغة في مدارج المطارات والمنشآت الحيوية كمقرات القيادة والسيطرة والثكنات العسكرية والتجمعات السكنية والموانئ البحرية وملحقاتها وغيرها من الأهداف.

الصواريخ ارض – بحر لن تكون هذه المرة خارج المعركة وستشكل مفاجأة كبيرة في الحرب، حيثبإمكان هذه الصواريخ استهداف القطع البحرية الإسرائيلية سواء كانت في حالة الرسوّ أو الإبحار.
كما أن سيناريو السيطرة على الجليل يشكّل عند الإسرائيليين الهاجس الأكبر هذه الأيام كونه سيكون الضربة القاصمة في بعدها المعنوي والسياسي أكثر بكثير من البعد العسكري، ف " إسرائيل " القائمة على منظومة الردع ستجد نفسها دون قدرة رادعة، وهو الأمر الذي يحاول القادة الصهاينة إيجاد مخارج للتعقيدات التي تحيط بالمسألة خصوصاً أنّ هذه القيادة لن تكون قادرة على التصدي للصواريخ المنهمرة على الكيان بسبب عدم تمكن القبّة الفولاذية من إسقاط إلا أعداد قليلة من صواريخ المقاومة الفلسطينية في الحرب الأخيرة، وهو أمر سيتكرّر في أي حرب مع حزب الله.

والأمر الذي يمكن أن يشكّل المفاجأة الأكبر هو تمكن حزب الله بواسطة صواريخ زلزال من تدمير مدارج المطارات الصهيونية وإخراجها من الخدمة، فكما باستطاعة الصواريخ وقف العمل في المطارات المدنية يمكن لهذه الصواريخ ان تقوم بنفس المهمة بخصوص المطارات العسكرية.
حتى الشاطئ الإسرائيلي لن يكون آمناً في أي حرب قادمة فباستطاعة زوارق الطوربيد والإنزال والغواصات الصغيرة الحجم أن تتسلل الى الشواطئ وتقوم بأعمال الإنزال والسيطرة والتفجير وغيرها، وهو أمر وارد كون هذه الزوارق من النوع المطاطي عديم البصمة الرادارية وكون الغواصات تمتاز بصغر حجمها، وإن استخدمت بأعداد كبيرة فلن يكون بوسع وسائط الدفاع البحرية الصهيونية على التعامل معها نظراً لطول مسافة الشاطئ الفلسطيني.
الطائرات بدون طيار لن تكون بعيدة عن أجواء فلسطين المحتلة في الحرب القادمة وستقوم بأدوار متعددة من الإستطلاع الى القيادة والسيطرة والقصف واستخدامها كصواريخ طائرة يمكن توجيهها الى اي هدف مهما كان دقيقاً.

إذاً نحن امام بنك اهداف واسع جداً خصوصاً أنّ المنشآت المدنية والعسكرية الصهيونية ليست سرية وهي في أماكن معلنة ومكشوفة وباستطاعة أيّ مشغل لبرنامج غوغل ايرثأو أي برنامج خرائط تحديد إحداثياتها بدقة متناهية، فكيف اذا كان الأمر مرتبطاً بحزب الله وقدراته العسكرية والعلمية حيثأثبتت التجربة امتلاكه لمستوى عالٍ من الخبرات في اغلب المجالات.

لا يستطيع أحد أن يعلم ما هي الأهداف وكيف سيتم قصفها وبأي نوع من الصواريخ ولا من أية منصات، ولكننا بالتأكيد نثق كما يثق أيضاً قادة العدو بتصريحات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عندما يقول إنّ أي بقعة من أرض فلسطين المحتلة لن تكون خارج نطاق تغطية صواريخ حزب الله.
مهما طالت الفترة فالحرب بيننا وبين " إسرائيل " قادمة لا محالة وهو المسار الذي فرضه الصهاينة علينا ابتداءً من اليوم الذي احتلوا فيه أرض فلسطين.

المصدر: مسلم برس العربي +(وكالات)