العالم عينه على العراق بعد ترشيح الدكتور حيدر العبادي لرئاسة الوزراء خلفا للسيد نوري المالكي وانتشار نفوذ داعش. لغط شديد ساد عملية الانتقال بسبب تشبثالمالكي بحقه الدستوري، ولكن منطق الحكمة وتغليب المصلحة العامة سيطر على الموقف، فوافق على الانسحاب. الرجل يعلم انه سيكون ملوما فيما لو تعقدت الامور بسبب رفضه ترك المنصب، مع الاعتراف بانه كان الاكثر نصيبا من الاصوات من بين جميع المرشحين في الانتخابات البرلمانية التي اجريت قبل شهرين. وخلال الاسبوعين الماضيين سلطت الاضواء مجددا على العراق أكثر من اي وقت مضى. فالجميع يطمح في تغير سياسي يؤدي لاستقرار امني ونهاية لظاهرة الارهاب غير المسبوقة في اية منطقة من العالم. الغربيون عقدوا الآمال بتحقق ذلك على شخص الدكتور العبادي. هذا مع علم هؤلاء ان العراق اصبح ساحة لخوض الحروب بالوكالة، وان الهدف النهائي من ذلك تقسيم هذا البلد العربي المسلم القادر، من حيثالامكانات البشرية والمادية، ان يكون واحدة من اقوى دول العالم. ولكن من اجل مصلحة قوى الاستبداد الاقليمية والأمن الاسرائيلي واستمرار الهيمنة الغربية على المنطقة خصوصا العراق، فثمة " تفاهم " غير معلن على السماح لاوضاع العراق بالتدهور حتى يصل مرحلة التفكك والتقسيم.
منذ سقوط نظام صدام حسين كان العراق ساحة لعدد من الظواهر: اولها اختياره لاطلاق أبشع أشكال النعرات الطائفية التي اتخذت ابعادا دموية وحشية قل نظيرها في اي مكان. فحين ترفع الرؤوس المقطعة على الاعمدة وعند تقاطع الشوارع، وحين يستعرض الذباحون رؤوس ضحاياهم بفخر، فان ذلك يمثل مستويات هابطة يفترض ان الانسانية تجاوزتها منذ قرون. وحين تستباح حرمة البلاد على ايدي اجهزة الامن الدولية، فيتم تحريك هذه الفئة او تلك، وتعلن الدول الغربية بوضوح وبدون تردد، عزمها على تسليح الميليشيات ذات المنحى المذهبي او العرقي، ثم يطلب من رئيس الوزراء الجديد ان يبسط نفوذه على البلاد، فان ذلك استسخاف للعقل البشري والذكاء الانساني. وحين تسلط أجهزة الاعلام العالمي، ومن بينها الممول بالدورلار النفطي، لقلب الحقائق وبثالاشاعات والتحريض ضد الحكومة المركزية واختلاق الدعاوى الباطلة، فان الهدف من ذلك كله، ضرب اهم مشروع ديمقراطي في الشرق الاوسط. فالمطلوب، وفق مشروع قوى الثورة المضادة، عراق ضعيف، ومقسم، وطائفي، وعرقي، واستبدادي، لتأمن انظمة الاستبداد على عروشيها. فبعد ان تمكنت هذه القوى من ضرب كافة محاولات التغيير الثوري ضمن ما سمي " الربيع العربي " بقي العراق وحده القادر على تحدي المنظومة السياسية الشيطانية التي تهيمن على دول العالم العربي. فعلى مدى قرون تعايش اهله بقدر غير قليل من الانسجام على اختلاف اعراقهم واديانهم ومذاهبهم. عاش العربي مع الكردي، والشيعي مع السني، والمسلم مع المسيحي، واليزيد مع الصابئي. وبعد التغيير الذي حدثفي إثر التدخل العسكري الغربي ضد نظام صدام حسين، استطاع العراقيون، مرة اخرى، التعايش ضمن دستور كتبوه جميعا، بدون استثناء، وصوتوا عليه. وبرغم زرع ألغام خطيرة في النظام السياسي، خصوصا المحاصصة وتسليط سيف " البند السابع " ووجود القوات الاجنبية، الا ان العراقيين واصلوا مسيرتهم وسط أكبر حقل ألغام في المنطقة.
ومن يريد ان يقرأ التاريخ بموضوعية، فعليه ان يبتعد عن التوصيف غير الموضوعي لاوضاع العراق خلال العقد الماضي الذي تربع نوري المالكي فيه على كرسي رئاسة الوزراء. في هذه الفترة تعرض هذا البلد الكبير للتآمر الاقليمي والاجنبي غير المحدود. وضمن مشروع قوى الثورة المضادة استخدم العراق منطلقا لضرب مشروع " الاسلام السياسي " من جهة، وتنظيم " القاعدة " الاصلي الذي كان يستهدف الغرب اساسا ولم يكن معنيا بالصراع داخل البيت الاسلامي. فانطلقت الشعارات تارة بعنوان " تهميش السنة " واخرى " الهيمنة الايرانية " وثالثة " استبداد المالكي " ورابعا " الدولة الفاشلة " وخامسة " غياب الخدمات "، وتمكنت القوى المتآمرة على العراق توفير مصاديق ميدانية لكل من هذه الشعارات. والاخطر من ذلك ان المخططين ضد العراق، هم انفسهم الذين خططوا لاسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر، والذين استبعدوا حركة " النهضة " في تونس والذين تصدوا للثورة في البحرين. هؤلاء هم انفسهم الذين حرضوا الاسرائيليين لشن عدوانهم الاخير على غزة، وتصدوا لاسقاط مفهوم " المقاومة " بالتشكيك تارة، والاستسخاف اخرى، واستهداف المجموعات التي تؤمن بها ثالثة. وضربت دمشق التي كانت معقلا لاغلب هذه المجموعات، ليس رغبة في اقامة حكم ديمقراطي بديل لبشار الاسد، بل لخلط الاوراق واستدراج المجموعات الداعية للتغيير لمستنقع دموي لا يستطيع ضحاياه الخروج منه. لقد انطلقت في سوريا تحركات شعبية راغبة في التغيير الديمقراطي، كما حدثفي بقية الدول، ولكن تمكنت قوى الثورة المضادة من حرف مسارها وتحويلها الى مجموعات مسلحة ساهمت في تدمير سوريا ذات الحضارة الغنية والتاريخ الانساني والاسلامي الكبير، فتحولت البلاد الى انقاض. لقد تم تدمير اهم معالم الوجود الاسلامي في سوريا متمثلا بالمساجد والفن المعماري الذي اجتمعت فيه الفنون التركية والعربية بالاضافة للرومانية، وقبلها تدمير الانسان. وتم إخضاع مجموعات بشرية في شمال البلاد وشرقها لحكم " داعش " الذي لا ينتمي للعصر الحاضر في شيء، ولا يعرف سوى قطع الرؤوس والايدي ونبش القبور وهدم المساجد وإذلال الناس بالجلد وبتر الاطراف وقطع الرقاب.
العراق، هو الآخر، دخل معمعمة التآمر الخارجي بلا هوادة. والحديثعن " التآمر " ليس ضربا من الخيال او هروبا من الواقع، بل هو عين الحقيقة، بالامس واليوم. وقد استدرج مفكرو " الصحوة الاسلامية " وعلماؤها للابتعاد عن الاسباب الحقيقية لمحنة هذا البلد الكبير. وبدا طوال السنوات العشر الماضية ان طرفين يفترض اختلافهما في المنطلقات الايديولوجية ومنهج التغيير، وكأنهما يعملان بقدر كبير من التنسيق. فقد تحولت المجموعات المسلحة من مواجهة المحتلين الى استهداف الشيعة عموما وقطاعات كبيرة من السنة. ومع حلول العام ۲۰۰۵ بدا واضحا ان بوصلة " الجهاد " قد تغيرت، فكتب رموز " القاعدة " من افغانستان الى ابي مصعب الزرقاوي بضرورة تعديلها والتوقف عن التورط في حرب طائفية، ولم تكن هناك استجابة. وتواصلت الفتنة حتى الوقت الحاضر، حيثتوسعت دائرة الخلاف بين " القاعدة " و " داعش " على هذه الخلفية. وفي موازاة ذلك تناغمت خطابات العديد من الرموز الاسلامية المرموقة والمفكرين مع خطاب التكفير، ولكن من منطلق " التحليل السياسي ". فكانت النتيجة واحدة: حالة استقطاب غير مسبوقة على اسس الانتماء المذهبي، وتراجع المشروع السياسي الاسلامي بعد ان بدا للكثيرين انه أداة للتفرقة والتمزق. الامر المؤكد ان استهداف العراق وتجربته الرائدة التي يراد لها الفشل، سيستمر حتى لو كان رئيس الوزراء " سنيا ". فاستخدام البعد المذهبي انما هو عامل مساعد للتحريض وتشتيت كلمة الامة، ومن يمارس هذا التحريض انما هو اعلام قوى الثورة المضادة ورموزها. ولذلك استهدف نوري المالكي بدعاوى وتبريرات شتى. ولذلك فمن المؤكد ان رئيس الوزراء الجديد، الدكتور حيد العبادي، سيستهدف بشكل اكبر. وسوف تشتد الحملة ضده اذا ما نجح في تحقيق قدر من الوئام الوطني، لان المطلوب ان لا يتحقق ذلك الوئام في ظل نظام ديمقراطي ناجح.
حقائق عديدة لا بد من تسجيلها: اولها ان تكليف العبادي بتشكيل حكومة وطنية جديدة امر ايجابي، ولكن تحقيقه لن يكون سهلا، وستوضع كافة العقبات لمنع ذلك، ثانيها: ان ازمات العراق داخلية وخارجية، وكلاهما مترابطان. فقضايا الامن والخدمات والفساد والمحاصصة والاستحواذ على السلطة، ستظل عوامل ضاغطة على الحكومة المركزية، ولكن ستتصاعد بموازاتها الضغوط الخارجية خصوصا الغربية التي ترى ان العراق " تمرد " على امريكا وبريطانيا عندما وقع اتفاقية " صوفا " مع اصراره على الغاء حصانة الامريكيين من القضاء العراقي. ثالثها: ان الغربيين والقوى الاقليمية ليست جادة ابدا في قيام حكومة عراقية وطنية تحقق الامن والاستقرار لان ذلك يكشف نجاح مشروع ديمقراطي رائد في العراق، وان ذلك النجاح سيصبح مصدر اشعاع يشجع شعوب المنطقة على التحرك من اجل التغيير. رابعها: ان الغربيين استقبلوا ترشيح العبادي بقرارات تهدف لاعاقة مهمته. فما معنى موافقة فرنسا على تسليح الاكراد الذين صعدوا في الاسابيع الاخيرة رغبتهم في الانفصال عن العراق؟ ولماذا تقرر بريطانيا تسليح مجموعات في المناطق السنية؟ أليس ذلك اضعافا للسلطة المركزية؟ وهل هناك حاكم يستطيع توحيد شعبه وراءه اذا توفرت لاطرافه السياسية اسباب التمرد؟ خامسا: ان العبادي ليس " سوبرمان "، وبالتالي فسيبدأ عهده محاصرا بتهديدات " داعش " وداعميها الخليجيين باستهداف بغداد والجنوب، وسيستغل بعض المرشحين للوزارة وجود داعش لدعم مواقفهم التي ينطلق الكثير منها من الاصرار على اعادة هيكلية الحكم الى ما كان عليه قبل التغيير، الامر الذي سيؤدي الى المزيد من التوتر. سادسا: ان المبالغة في تصوير خطر " عناد نوري المالكي " محاولة اخرى لاضعاف السلطة المركزية، بينما الحقيقة ان الخطر على العراق ينجم عن نزعات التقسيم والانفصال، وعن رغبة البعض في الاستحواذ غير المتكافي على العملية السياسية. سابعا: ان من يبحثعن امن المنطقة واستقرارها مطالب بدعم السلطة المركزية في بغداد والغاء التسليح العبثي للميليشيات، وقطع خطوط الامداد للمجموعات المسلحة التي تمارس ابشع اشكال الارهاب خصوصا " داعش "، والتعامل مع بغداد بروح ايجابية جديدة تشجعها على اقامة منظومة شراكة سياسية محلية وعلاقات اقليمية متوازنة، والحفاظ على استقلال العراق الكامل، ومساعدته على تشكيل قواته المسلحة واجهزته الامنية. ان حدثذلك فستكون لدى الدكتور حيدر العبادي، المناضل والمهندس والمتسامح، فرصة لانجاح مشروع سياسي ديمقراطي توافقي في العراق.