تسيل الكثير من دماء الشعب الفلسطيني بكل فئاته الذين يخرجوا للوقوف في وجه الكيان الصهيوني المغتصب، لنيل الشهادة في سبيل الحرية والكرامة والإستقلال، وبالرغم من ذلك فالإنتفاضة قادمة لا محالة، كون التاريخ يشهد على أن الفلسطينيين وإن صمتوا لسنوات عن جرائم الإحتلال، لا بد أن تدق ساعة الإنتفاضة على كل جرائمه ضدهم.
واليوم تواصل إسرائيل عدوانها على فلسطين وخاصة قطاع غزة مخلفة وراءها أعداداً من الشهداء والجرحى، يأتي هذا العدوان في وقت تشهد فيه المنطقة سلسلة من المتغيرات الدولية والإقليمية، لتثير التساؤل عن أسباب هذا العدوان في الوقت الحالي، إذ يرى البعض أن إسرائيل إستغلت إنشغال العرب بأوضاعهم الداخلية لتقوم بحربها على الفلسطينيين، ويرى آخرون أنها محاولة للحد من عودة القطاع إلى العمق الفلسطيني وتقويض الوفاق الوطني، ويرى آخر أن الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة هي حرب ممنهجة تقوم على عدم إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه، وأن صواريخ المقاومة ما هي إلا حجة تتذرع بها إسرائيل والإدارة الأميركية معها لإبادة الشعب الفلسطيني.
فمشاهد الدمار والقتل اليومي ضد المدنيين العزل، تدفع نحو المزيد من الغضب والإنفجار الشعبي تجاه إسرائيل، وبإختصار شديد فإن مجمل هذه المعطيات والأحداثتدفع نحو إندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة بدأت في شحذ وقودها من عملية إستشهاد الفتى أبو خضير على أيدي المستوطنين، وزادت توقدها من دماء الأطفال والأبرياء الذين سقطوا في العدوان الإسرائيلي الحالي على القطاع،، بالإضافة الى الضعف العربي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، خاصة بعد إنجلاء الأمر في الحرب الحالية ضد غزة، الذي يعد عاملاً أساسياً في تفجر الإنتفاضة خاصة وأن الفلسطينيين فاضوا غيظاً من الصمت العربي، فضلاً عن ضعف الموقف السياسي الفلسطيني الرسمي في التعامل مع مجمل القضايا الداخلية والذي يساهم في تفجر الغضب الفلسطيني.
إن ما آلت إليه الأمة العربية من إنقسام على كافة المستويات، قد ساهم في تعقيد مسألة القضية الفلسطينية، ومع ذلك فان الشعب الفلسطيني في غزه يثبت إنه شعب جبار بصموده وتصديه لهذا العدوان الغاشم، لذلك فإن غزة هي الحصن المنيع بوجه الدولة العبرية وبوجه إجرامها، فلقد أظهرت جدارتها في مقاومة عدو يدوس على الكرامة الإنسانية، ولذلك يمضي نتنياهو بحربه على أهل غزة وعلى أطفالها ونسائها وشيوخها وهو يريد تركيع الفلسطينيين ولوي ذراعهم وإعطاءهم درساً بألا يتمردوا على اسرائيل، وهنا أقول إن هذا الأمر مستحيل، فكم مرة شن الجيش الإسرائيلي حرباً على غزة ولم يفلح في كسر عزيمة الفلسطينيين وبالتحديد أهل غزة الذين ليس عندهم شيء يخسرونه بعد أن حرمتهم إسرائيل من أدنى حقوق الإنسان وبعد أن حولت غزة الى أسوأ من سجن، لذلك لا قوة تستطيع تركيع أهل غزة لإنهم أدمنوا على قهر غطرسة وعنجهية الإسرائيلي، و مواجهة الموت بالصدر العاري فلم يكن ولن يكون الموت يوماً وسيلة لإخافتهم أو لإحباطهم، كونهم زلزلوا الأرض تحت أقدام المحتلين، فأربكت ثوراتهم الكيان الصهيوني وانكشف ضعفه أمام قوة الإرادة الفلسطينية التي لم تنفع كل حملات القمع والإرهاب والإضطهاد في عزيمة الفلسطينيين من المطالبة بحقهم في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
نحن الآن أمام تحدي كبير يتطلب التغيير في الإستراتيجيات والأدوات لأنه لم يعد بالإمكان بالطريقة القديمة أن نصل إلى نتائج ملموسة، فإسرائيل لن تقبل العملية السياسية وكل المبادرات التي تبذل من هنا وهناك للوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، فالخيار الأفضل حالياً للتعامل مع الإحتلال هو العودة إلى الكفاح والمقاومة بكل أشكالهما، وكسر حال الصمت لمواجهة العملية الإستيطانية والتهويد المستمر للقدس..
في إطار ذلك إن الضعف العربي الحالي والإنحياز الأمريكي والغربي لإسرائيل لن يغير حقيقة ولن يضيع حقاً، إذا فرطنا فيه فلن تقبله الأجيال القادمة، نعم لن تحرر المقاومة الفلسطينية بمفردها فلسطين ولكنها ستظل دوماً رأس حربة في وجه إسرائيل تستنزفها وتشكل خبرة لأجيال قادمة أكثر عمقاً في النظام العربي، وبدون الإصلاح الحقيقي على صعيد البيت الفلسطيني أو على صعيد النظام العربي، فإن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ستفرضان مزيداً من الهيمنة على المنطقة بحيثتستمر إسرائيل في سياستها العدوانية التي قد تستهدف مجدداً غزة ودولاً عربية أخرى وعندها يمكن أن يتم تصفية القضية الفلسطينية بشروط إسرائيلية كما تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في عملية إستنزاف الثروات العربية.
وأخيراً ربما أستطيع القول إذا كانت إسرائيل تتصور بأنها ستكسب شيئاً من تلك المجازر والمحارق التي تقوم بها في فلسطين فهي واهمة، ومن الغباء ألا تدرك إسرائيل إن عدوانها قد زاد من رصد الكراهية والبغضاء تجاهها في نفس كل فلسطيني وعربي، ومن قصر النظر ألا تدرك إسرائيل ما ألحقته بأهل غزة من إصابات وجراح ستكون بمثابة جرس إنذار يدق على الدوام مستنهضاً كل الفلسطينيين وسائر العرب لتحرير فلسطين من الصهاينة، وكل أرض عربية سلبت من أهلها ولن يغيب عنها أن الأرض التي دفن فيها الشهيد ستنبت مقاومين ومناضلين أشد بأسا وأشد إصراراً على دحر العدو وإستعادة الحقوق.
وبالتالي أرى أن المرحلة القادمة هي مرحلة الصمود وهي مرحلة تتطلب توفير حاجاتها وشروطها عربياً حتى يتغير ميزان القوى ويكون هناك نظام عربي قادر على تحرير الأراضي المحتلة.