محاطاً بأعضاء كتلته، يجلس وليد جنبلاط هادئاً في مقعده في القاعة العامة لمجلس النواب. بينه وبين المرشح الرئاسي هنري حلو مقعدان يشغلهما الوزير وائل أبو فاعور والنائب علاء الدين ترو.
كثر يتقدمون نحوه لإلقاء التحية، يقف أحياناً، وغالبا ما يرد بابتسامة غامضة. يكنّ للنائبة جيلبرت زوين وداً خاصاً. يسعى إليها في مكانها للتحية متخطياً كل من صادفهم في الطريق. عند زوين تصبح الابتسامات أكثر وضوحا ولا يُطفأ الشوق إلا بالقبلات. في مقعده الذي غالباً ما يفتقده في الجلسات العامة، انتظر جنبلاط وصول صندوق الاقتراع إليه. أسقط المغلف الذي يحمل اسم هنري حلو بكل ثقة في صندوق الاقتراع. اطمأن إلى نجاحه في اللحظات الأخيرة في الحفاظ على صورته الوسطية، ودوره المحوري في الاستحقاقات الكبيرة. رفع اسم حلو، معتذراً من كل من دق بابه من المرشحين طالباً التأييد. انتخب من يراه أهلاً للمنصب الأول، متحرراً من تهمة الانتماء لهذا المحور أو ذاك. لم يعرف عن جنبلاط يوماً «حبه» لسمير جعجع أو لميشال عون، إلا أن ذلك لم يكن له وزن يوم الانتخاب. بالنسبة له، فإن كتابة اسم جعجع على الورقة البيضاء، هي في أقل تقدير إعلان انتماء إلى صفوف «۱٤ آذار»، وهو أمر مرفوض، بغض النظر عن اعتبارات «البيك» الأخرى. كان يمكن للورقة البيضاء أن تكون هي الحل لو كان الصراع بين عون وجعجع، إلا أنها عندما غدت تمثل «۸ آذار» سقطت وظيفتها بالنسبة له. هذا لا يعني أن اختياره لحلو جاء لإنقاذ ماء الوجه بل لثقته بحاجة البلد إلى أمثاله.ما معنى الرئيس القوي؟يأسف جنبلاط، في حديثه ل «السفير»، لكل ما يقال عن تبنيه لمرشح «ضعيف»، تماماً كما يأسف للأصوات الطائفية التي تصدر من هنا وهناك، مصادرة حقه بأن يكون له مرشح. يراقب أداء المستفَزين من ترشيح خرج من كليمنصو، لكنه يثق بأن هذه الأصوات لا يمكن أن تنجح في الانتشار. ببساطة لأن أحداً «لا يستطيع التشكيك بمارونية حلو وجذوره المسيحية». هو ابن بيار حلو صاحب الباع الطويل في العمل النيابي والوزاري والذي لم يكن كرسي الرئاسة الأولى بعيداً عنه، وهو أيضاً حفيد ميشال شيحا عراب الدستور اللبناني. بالنسبة ل «البيك» من البديهي لهذه الصفات أن تطغى على كل ما عداها. لا يعير وزناً لبقاء نائب عاليه في الظل في معظم سنوات نيابته العشر، أو لما يُحكى عن ضحالة نشاط النائب وإنجازاته. كثر يرون أن لا قيمة لمعيار كهذا في بلد معظم نوابه غير معروفين لا بالشكل ولا بالاسم. يبتسم جنبلاط عند بدء الحديثعن المرشح القوي، يعود بالذاكرة إلى الوراء، سائلاً عما آلت إليه عهود الرؤساء الأقوياء. يستثني الرئيس فؤاد شهاب، مستشهداً ببشارة الخوري الذي بدأ عهده قوياً وأنهاه بكتلة نيابية مؤلفة من ۷ نواب أو بكميل شمعون الذي انتهت ولايته بحرب أهلية.«إعلان بعبدا» أسقط التمديدينتقد من يطرح عناوين كبرى من المرشحين. يقول إن سلاح «حزب الله» ليس على طاولة النقاش المحلية، وهو خاضع لاعتبارات تتعلق بالسياسة الدولية والإقليمية. يذكر أنه سبق وطرح ضرورة تصويب وجهة البندقية. يقول إن هذا هو أقصى الممكن حالياً. أما «إعلان بعبدا» الذي تطرق إليه يوم ترشيح حلو، فيوضح أنه يصلح ليكون خريطة طريق عندما تنضج الظروف لا اليوم. من هذا المنطلق، يعتبر أن إصرار الرئيس ميشال سليمان على تطبيقه فوراً كان السبب في سقوط حظوظ التمديد. يشكك جنبلاط في مدى تأثير الانعطافة التي يجريها عون على حظوظه الرئاسية. لا يزال اللقاء الذي جمع عون بالرئيس سعد الحريري لغزاً بالنسبة له، علماً أن لا تواصل حالياً بينه وبين الحريري، بل رسائل متبادلة يتولى نادر الحريري نقلها بين الحين والآخر. في مطلق الأحوال، من استمع لهنري حلو، بعد اجتماع «اللقاء الديموقراطي»، يوم إعلان ترشيحه، ومن ثم بعد انتهاء جلسة الانتخاب، وجد في خطابه تماسكاً وثقة. رجل الظل مقتنع بأنه قادر على تولي دفة البلاد في النور. قال مراراً إنه مرشح التوافق والوسطية والحوار، مشيراً إلى أن البلد هو أحوج ما يكون إلى رئيس يجمع ولا يفرّق.متمسّك بحلو إيماناً منهم بهذه المعادلة، انتخب 16 نائباً حلو، وعلى رأسهم جنبلاط الذي يرفض اعتبار هذا الترشيح بمثابة مناورة. يقطع رئيس «اللقاء الديموقراطي» كل الشكوك بيقين استمرار مرشحه في المعركة. أكثر من ذلك، يتحضر لبدء حملة مكثفة لدعم ترشيح حلو، معتمداً على ثقة كثر بأن إمكانية تسويق أي مرشح من «الأقوياء» تبدو شبه مستحيلة، ما دام كل فريق غير مستعد للتنازل لمنافسه. باختصار، يؤمن جنبلاط بأن النهج الذي بدأ مع تسمية تمام سلام لرئاسة الحكومة لا يزال هو الأفضل لحماية البلد واستقراره، محملاً «حزب الله» و«المستقبل» مسؤولية كبيرة في هذا السياق. بإيجاز، يدعو جنبلاط إلى إزالة كل أسباب التأزّم، من خلال الاتفاق على رئيس جديد يدير الأزمة ويساهم في التقريب بين المكوّنات اللبنانية على اختلافها وكذلك بين القوى السياسية. بالرغم من اقتناع جنبلاط بأن اللبنانيين أمام فرصة جدية لانتخاب رئيس «صُنع في لبنان»، مستفيدين من عدم وجود لبنان في أولويات ملفات المنطقة، إلا أنه لا يحيّد العامل الخارجي تماماً. وقد أشار إلى أنه سيقوم بمسعى توفيقي على الخط الرئاسي، على غرار المسعى الذي قام به وأدى إلى إنهاء الأزمة الحكومية بالوصول الى الاتفاق على تمام سلام كحل وسط. وقال جنبلاط: «ما أسعى إلى القيام به يرمي الى كسر حال التأزم والانقسام بين فريقي 8 آذار و14 آذار»، آملاً «أن أتمكن من الوصول إلى نتيجة». لكنه أقرّ بأن «المهمة السابقة على الخط الحكومي وعلى تعقيداتها، كانت سهلة، فيما تبدو المهمة الحالية بالغة الصعوبة». وبرغم ذلك، كشف جنبلاط أنه رسم خريطة تحرّك في هذا الاتجاه تقوده الى التواصل مع الأميركيين والسعوديين والفرنسيين بما لهم من دور في هذا المجال، إضافة للتواصل مع القوى الداخلية، ولا سيما «حزب الله» والرئيس نبيه بري وآخرين. ولفت الى أنه سيوفد أبو فاعور الى السعودية للقاء المسؤولين السعوديين (وربما للقاء الحريري). استطراداً، يوجه جنبلاط عبر «السفير» دعوة الى الحريري «لكي ينهي فترة غيابه عن البلد اليوم قبل الغد». وقال: «أنا مع أن يعود ويترأس حكومة جامعة (بعد انتخاب رئيس الجمهورية)، فنوفّر بذلك على أنفسنا وعلى البلد الكثير من التأزم والتوتر». يخشى جنبلاط كثيراً من الفراغ الذي يؤدي إلى انتقال صلاحيات الرئيس إلى الحكومة. يعتبر أن ذلك قد يعطل الدولة إدارياً وسياسياً واقتصادياً، و«أي مرسوم سيحتاج إلى توقيع 24 وزيراً، لذلك من الأفضل أن ننتخب رئيسا لا أن نذهب إلى الإرباك». وبالرغم من أن مسألة تأجيل جلسة الأربعاء صارت محسومة، لعدم اكتمال النصاب، لا يزال جنبلاط يأمل أن بالإمكان انتخاب رئيس خلال فترة الشهر المتبقية حتى 25 أيار.