استنفرت موسكو والمجموعة الغربية أجهزتها الدبلوماسية والعسكرية في تصعيد غير مسبوق في العلاقات الدولية، لم نشهده حتى خلال مجريات النزاع السوري، فالأزمة هنا في أوكرانيا تتعلق بصراع جيوسياسي، له موروثاته التاريخية وتبعاته المستقبلية، في منطقة استراتيجية، شكلت على مر التاريخ جزءاً من التوازنات الأوروبية. المواقف الغربية حول أزمة اوكرانيا وما تبعها من توتر حول السيادة على شبه جزيرة القرم، لا تخلو من لغة العقوبات التأديبة بحق موسكو، فيما خطاب الكرملين محافظ على نبرته العالية، ضد أي تهديد للمصالح القومية الروسية، أو بما يعرف إصطلاحاً بـ “المجال الحيوي الروسي”. وإن لم يكن مفاجئاً رد الفعل الروسي العسكري والسياسي على إسقاط الرئيس فيكتور يانكوفيتش، نظراً لإستراتيجية أوكرانيا والقرم، يبدو أن الإدارة الأميركية لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من التوتر بين الشركاء الدوليين، الذين تفاهموا على حل النزاعات بالحوار، تلك القاعدة التي أرستها مفاعيل الأزمة المالية العالمية المستمرة منذ العام 2008. في أوكرانيا، تتحرك روسيا وفق محددات أولها حماية مصالحها وثانيها الدفاع عن السكان الناطقين باللغة الروسية والذين يشكلون ما نسبته 58 % من سكان جمهورية القرم، و20 % من مجمل التركيبة السكانية في البلاد، ويتواجد الروس في المناطق الشرقية من أوكرانيا بكثافة. وإذا توجهنا نحو العامل الديني، نرى أن حوالي 40 % من السكان يتبعون بطريركية كييف، فيما ما يقارب الـ 30 % يتبعون بطريركية موسكو، وهذا ما يشكل دافعاً جديداً للقيادة الروسية بالتحرك في الدفاع عن مواليها في أوكرانيا. ومن وجهة نظر الغرب، فإن حجته في مقاربة الوضع في أوكرانيا تتركز في الحفاظ على وحدة الأراضي الأوكرانية، من خلال دعوة موسكو إلى الإلتزام بالتعهدات، في إشارة واضحة إلى مذكرة بودابست الموقعة في العام 1994، بين أوكرانيا وروسيا والولايات التحدة وبريطانيا، والتي تقضي بـِ: * احترام استقلال أوكرانيا وسيادتها على أراضيها * حماية أوكرانيا من العدوان الخارجي وعدم توجيه عدوان عليها * عدم وضع ضغوط اقتصادية على أوكرانيا للتأثير في سياساتها * عدم استخدام أسلحة نووية ضد أوكرانيا من هذه الخلفية، تعتبر الدول الغربية نفسها راعية هذا الإتفاق، ومن واجبها التحرك ضد روسيا بالحفاظ على وحدة أوكرانيا من شبح التقسيم الذي بات يلوح بالأفق، وبالتالي ضد ضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، ما قد يؤجج مشاعر الإنفصال لدى القوميات الأوروبية، ويؤسس لتفكك القارة القديمة من جديد، وولادة حرب عنوانها الأساسي “القومية والدين”. ويعتبر إقليم كاتالونيا الواقع جنوب شرقي إسبانيا أبرز الحركات الأوروبية الداعية إلى الإنفصال وإعلان الإستقلال عن الحكومة في مدريد. وللكاتالونيين لغتهم الخاصة ونمطهم الثقافي، ولديهم نزعة مقاومة تعود إلى أيام الجنرال فرانكو، الذي حكم البلاد منذ العام 1939 حتى وفاته عام 1975. نزعة الكاتالونيين الإنفصالية ليست الوحيدة في القارة العجوز، ففي المملكة المتحدة (بريطانيا)، هناك اسكتلندا التي تحمل في اعماقهما تاريخاً من الصراع الاسكتلندي – الانكليزي.وفي بلجيكا لا يزال الصراع على أشده لغوياً وعنصرياً بين المتحدرين من أصول فرنسية كاثوليكية، والمتحدرين من أصول هولندية بروتستنتية. وبروكسل، حيث يتمركز الصراع، هي عاصمة الاتحاد الأوروبي. أما في روسيا، فالحال ليس أفضل من القارة الأوروبية، فهذا الإتحاد أمام تحد في أوكرانيا، في الدفاع عن الناطقين بالروسية بإعتبارهم مواطنين، وإذا لم يتحقق هذا الأمر، قد تتحضر البلاد لسيناريوهات سيئة، منها إعادة إحياء الحركات الإنفصالية ذات النزعة القومية والدينية، خصوصاً وأن روسيا تضم 83 كياناً يتمتع كل منها بحكم شبه ذاتي في إطار موسع هو الإتحاد الروسي. أبرز الجمهوريات التي تشهد توتراً في روسيا هي الشيشان، على الرغم من الهدوء التي تنعم به في هذه الفترة، كما أن عدوى الإنفصال قد تنتقل إلى أذربيجان وأوزبكستان وقزغيزيا في القوقاز، القريبة جغرافياً من اوكرانيا، وفي معظمها جمهوريات يدين مواطنوها بالديانة الإسلامية. ويسعى كل طرف إلى تجريع الآخر كأس التقسيم المر، فالدول الأوروبية والولايات المتحدة تريد جعل تغيير الحكم في أوكرانيا، مقدمة لسحب دول أخرى من الفضاء الروسي، ولائحة الدول تطول في الحسابات الغربية. وعلى رقعة الشطرنج الدولية، لكل اللاعبين حساباتهم الخاصة، والحق في الدفاع عن مصالحهم بالطريقة التي يرونها مناسبة ضمن التصور الواقعي للامور. وهذا التصور يقول إن الحروب الإنفصالية والقومية قد لا تحدث في الامد القريب، لكنها أمر مطروح، والمفاهيم الغربية في الدفاع عن حقوق الشعوب في خطر، كما أن “الحق” الروسي في حماية مصالحها والناطقين بلغتها أمام تحد هو الآخر. سؤالان مطروحان ومشروعان في آن، هل يعود الشركاء إلى الطاولة المستديرة لمعالجة المشكلات الدولية كما جلسوا أبان الأزمة المالية العالمية، وتهيئة الأجواء من أجل التوصل إلى حل قانوني يرضي الأطراف كافة في أوكرانيا؟ أم يكمل كل طرف ما بدأه من تصعيد، قد يؤدي إلى إنفجار الوضع في لحظة تاريخية مفصلية، حيث تسود التوترات أكثر من منطقة جيوسياسية؟.