تُكمل الازمة السورية الشهر المقبل عامها الثالث، ولا يزال الحلف الغربي - الإقليمي الذي يعمل حثيثاً لإسقاط سوريا يبدل الوجوه والتكتيكات أملاً في بلوغ أهدافه، وسط تخبط مستديم فرضه صمود سوريا وحلفائها أمام كافة الضغوط من جهة، وتشتت صفوف الفريق المقابل من جهة أخرى.
وقد مثّل انسحاب الأمير بندر بن سلطان مدير الاستخبارات ورئيس مجلس الأمن الوطني السعودي من إدارة الملف السوري تطوراً مثيراً للإهتمام، ليضاف الى " ضحايا " تلك الحرب الذين أجبروا على التقاعد او التنحي بسبب إخفاقهم في تحقيق مهمة إسقاط النظام السوري، وكان منهم: أمير قطر ورئيس وزرائه، الرئيس المصري المعزول محمد مرسي الذي عجّلت دعوتُه ل " لجهاد " في سوريا بسقوطه على يد الجيش المصري، رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الذي فشل في وضع سوريا تحت جناح الباب العالي الجديد وهو يصارع الآن لمنع امتداد تداعيات الحرب السورية الى أراضي تركيا. ولا ننسى السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد الذي تزعم منذ بداية الأحداثرعاية " الثورة " ضد النظام، وهو يتنحى الآن مع " رفاق دربه ": سليم ادريس وآخرين في الإئتلاف المعارض.لقد أُعلن بهدوء عن إحلال الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية السعودي مكان الأمير بندر منسقاً للسياسة السعودية إزاء سوريا.تم هذا الإعلان عبر وسائل إعلام غربية وليس من الرياض، ربما لضرورات يمليها حفظ ماء وجه بندر ووجه القيادة السعودية في آن معاً، وتم ربط الأمر بأسباب صحية لمدير الاستخبارات السعودية، من دون معرفة كيف يتم ملء الفراغ في موقعه الاستخباري والأمني الرفيع. وجاءت زيارة وزير الداخلية السعودي الى واشنطن، حيثعومل معاملة القادة السياسيين الكبار، لتكون مناسبة للصحافة الأميركية لنشر خبر هذا التغيير المهم في السعودية. والسبب ليس غريباً، ذلك ان التغيير المشار إليه ليس حدثاً سعودياً داخلياً بقدر ما هو مطلب أميركي بعد تلمّس حجم الكارثة التي وصلت اليها سياسة الرياض في سوريا على يد بندر. وتكمن مشكلة الأخير في نتائج عدة: لقد غذّت إدارته للملف جماعات متشددة بناءً على افتراض أنها يمكن ان تفيد في المعركة التي وضع ثقلَه الشخصي فيها من دون حساب للوسائل والتكاليف؛ كما أهمل جانباً حساساً من الحسابات السعودية الداخلية تسببَ في ازدياد انخراط الشباب السعودي في الحرب مدفوعاً بحملة تجييش داخلية تم غض الطرف عنها. وجاء الأمر الملكي بتجريم هذا الإنخراط ليمثل إقراراً لا سابق له بخطورة الموضوع، من دون لحاظ أي دور لبندر ومعه أخوته في وزارة الدفاع في المعالجة.وثالثالنتائج ان بندر خاطرَ بتعريض العلاقات المحورية مع الولايات المتحدة للإهتزاز عندما وجه انتقادات علنية لدورها في سوريا وهدد باللجوء للتحالف مع قوى كبرى أخرى في صفقات التسلح وغيرها لحمل واشنطن على الاضطلاع بدور حاسم في الحرب الدائرة. كان الجو في الرياض حينها في ذروة التعبئة من اجل الفوز بمعركة إسقاط النظام في سوريا، لكن عائدات الحملة جاءت بالغة السوء على الحكم السعودي، وكان لا بد من تأمين استدارة تبدأ ب " الأمر المالكي " وتمر بالتضحية ببندر لتقديم وجه مقبول لدى الأميركيين.عودة السعودية للتكيف:تلقف الأميركيون تكليف محمد بن نايف بالتعبير عن ارتياح غير عادي. فالرجل - من وجهة نظرهم - " موثوق " و " صاحب كفاءة " في إدارة الملف الأمني وتحديداً ضد تنظيم القاعدة في السعودية واليمن وهو لا يحبذ الألاعيب في هذا الشأن، لا سيما ان بصمات " القاعدة " تركت أثراً في جسده عند محاولة اغتياله عام ۲۰۰۹. بل ذهبت الأوساط الأميركية الى تقدير انه سيكون له دور ذو شأن في المملكة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تراجع همّة الملك والمسؤولين الكبار الآخرين. ومن الملاحظ هنا ان نجاح أي مسؤول سعودي في إدارة الملف السوري من شأنه ان يعزز رصيده داخل أوساط الأسرة الحاكمة. وهذا الامر تم التداول به يوم تكليف بندر، كما سينطبق على بن نايف في المستقبل. وثمة تلميحات الى ان رئيس الحرس الوطني الامير متعب بن عبد العزيز النجل الأكبر للملك السعودي سيكون له دور أيضاً في رسم السياسة السعودية تجاه سوريا والعلاقات مع أميركا والملف الامني، ما يعزز فرص محمد بن نايف ومتعب بن عبدالله في ترتيب شؤون الخلافة في المملكة. وهكذا تغدو الحرب في سوريا ميدانَ سباق للفوز بدور مؤثر في توازنات العائلة الحاكمة.إذاً، لتعيين الأمير بن نايف ثلاثة أهداف:۱ - إعادة المواءمة بين الأهداف والتكتيكات السعودية والأميركية في سوريا، بما يعني طي صفحة الأمير بندر الذي وسمه مسؤولون أميركيون بأنه " متعجرف " واعتبروا سلوكه في الملف السوري مشكلة، بحسب ما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال. وهنا تبدو السعودية مضطرة الى مسايرة أداء الإدارة الأميركية برغم الشكوى من أنها لا تستخدم كل طاقتها(العسكرية تحديداً) لإسقاط النظام في سوريا. ۲ - تمهيد الأجواء لإعادة الدفء الى العلاقات السعودية - الأميركية التي يشوبها الفتور بل والتباعد على ضوء إعادة رسم الإدارة الأميركية في عهد أوباما العديد من سياساتها في الشرق الأوسط والانسحاب التدريجي لاعتبارات جيواستراتيجية، مما أثار مخاوف وهواجس لدى الرياض من تخلي واشنطن عنها. وأنيط بالأمير محمد بن نايف مهمة لعب دور قناة الإتصال الأساسية بين الجانبين في الوقت الحالي، ومن ذلك الترتيب لزيارة الرئيس الاميركي اوباما الى السعودية في شهر آذار / مارس. ۳ - إعطاء اهتمام أكبر لمكافحة تنظيم القاعدة بكل فروعه وتشعباته العابرة للحدود. ويبدو الأميركيون أكثر تحديداً للمخاطر الحالية على هذا الصعيد. فهم يدركون أن الساحة السورية باتت بالنسبة للكثير من " القاعديّين " مجرد ساحة تدريبٍ عسكري وتواصلٍ قبل العودة الى البلدان التي جاؤوا منها، بانتظار التحرك في وقت ما في المستقبل. كما يشير الأميركيون الى " جبهة النصرة " على أنها تمثل خطورة كامنة، ولا يبالون بتطمينات مسؤولين في الائتلاف المعارض او مسؤولين خليجيين ممن يعتبرون ان بالإمكان التعامل مع " النصرة " وتوظيفها في معركة إسقاط النظام السوري، كما في تقليص نفوذ تنظيم " الدولة الاسلامية في العراق والشام " المعروف اختصاراً ب داعش ".معايير الدعم.. أميركياًعلى هذا الصعيد، فرض الأميركيون وجهة نظرهم في شأن التعامل مع المجموعات المسلحة العاملة في سوريا، فقد وضعوا أمام وزير الداخلية السعودي ورؤساء أجهزة استخبارات تركيا وقطر والأردن وفرنسا وغيرهم ممن حضروا اجتماعاً تنسيقياً في واشنطن قبل نحو عشرة يام تصنيفاً جديداً للمجموعات المسلحة التي ستتلقى الدعم مستقبلاً، على أمل ان يغير ذلك من النهج الحالي القائم على إيجاد مواقع نفوذ لكل جهة مزوِّدة للسلاح والمال بما يعكس عقلية الإستتباع والزبائنية. وجرى فرز المجموعات معيارياً الى ثلاثة أقسام: فريق يستحق الإمدادات باعتباره " معتدلاً "، وفريق آخر غير مؤهل لذلك بسبب ارتباطه ب " التطرف "، وفريق ثالثتحتاج أهليته الى مناقشة إضافية، حسب مسؤولين أميركيين وحلفاء لهم شاركوا في الإجتماع. ولم تذكر وسائل الإعلام الأميركية، ومنها " وول ستريت جورنال " و " واشنطن بوست "، التي تناولت مضمون هذا الاجتماع شيئاً عن كيفية تطبيق هذه المعايير على الأرض، غير انها أشارت الى " وثيقة حية " سيتم تحديثها باستمرار كلما تغيرت تحالفات المسلحين، ما يعني ان تطبيق هذا المعيار او ذاك على مجموعة من المسلحين قابل للتغيير بحسب تلبيتها لمجموعة من شروط العمل(عودة العقلية الزبائنية على نطاق أميركي – إقليمي " موحد " هذه المرة).والى جانب ذلك، هناك خلافات تفصيلية هامة. فالسعوديون يتحدثون عن الحاجة الى توريد أنظمة صواريخ ارض – جو محمولة على الكتف للتصدي بشكل فعال ضد الطيران السوري، لكن الأميركيين يقولون إنهم لم يوافقوا على ذلك حتى الآن بسبب الخوف من استخدام هذه الصواريخ السهلة النقل والإستخدام ضد مصالح أميركية او ضد مصالح دول حليفة لاحقاً. علماً ان عدداً من هذه الصواريخ متوافر بالفعل بين أيدي المجموعات المسلحة ويتم استخدامه على نطاق او آخر ضد الطائرات السورية. كما يريد السعوديون إقامة منطقة حظر جوي فوق مناطق سورية في الشمال والجنوب، تماماً كما حصل في العراق في تسعينيات القرن الماضي، لكن الأميركيين يتحفظون على هذا المنحى لأنه يعني احتمال التورط المباشر في الصراع، على غرار السيناريو العراقي، وهو خط التزامت ادارة اوباما عدم تجاوزه لحسابات مختلفة. وبدلاً من ذلك، صاغت واشنطن مع حلفائها في مجلس الامن مشروع قرار لإقامة " ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية " لإثبات فعالية دورها أمام حلفائها من جهة، ولتوفير أداة ضغط على الحكومة السورية تفسح في المجال أمام المجموعات المسلحة التي تمت محاصرتها في مناطق عدة لكي تتنفس وتحسن ظروفها القتالية بما يبتعد بها عن مسار المصالحة والتسويات الذي باشرت به الحكومة في مناطق عدة. وبرغم ان هذا القرار يدعو ايضاً لفك حصار يفرضه المسلحون على مناطق أخرى، ومنها نبل والزهراء في ريف حلب، فإنه قد يشكل ركيزة أميركية لتفعيل العمل ضد الحكومة السورية مستقبلاً من الباب " الإنساني "، يضاف الى إعادة التهديد ب " عواقب " بين فينة وأخرى على خلفية اتهام سوريا بعدم بالإلتزام بالتخلص من السلاح الكيماوي.حسابات خاصة.. ويأس استراتيجيوتبقى الحسابات الخاصة بكل دولة شأناً يصعب التغلب عليه، فالسعودية مثلاً لم توقف شحنات الأسلحة التي تخرق عباب الليل عبر الحدود الاردنية الشمالية مع سوريا وتتضمن – وفق تقارير استخباراتية أميركية - قاذفات متطورة مضادة للدبابات وأسلحة مضادة للطائرات وعربات مدرعة وأسلحة رشاشة ثقيلة. أما تركيا التي وافقت على فتح طرق إمداد اضافية عبر أراضيها الى المجموعات المرضيّ عنها، فقد رفضت الإضطلاع بدور مباشر، وهي التي ترفض أيضاً اتهامات أميركية بغض الطرف عن تسلل متطرفين عبر اراضيها الى سوريا. وتشير تقارير صحافية الى ان مجموعات محسوبة على " الجبهة الاسلامية " تتحرك عبر الأراضي التركية لمواجهة تنظيم " داعش " في المناطق الحدودية، كما حصل في مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي مؤخراً. وقد اتصل الرئيس الأميركي برئيس الوزراء التركي الاسبوع الفائت ليتفق معه على " أهمية التعاون الوثيق في مواجهة الوجود الإرهابي المتزايد في سوريا "، وفق إفادة البيت الابيض.لا يخفي الأميركيون وحلفاؤهم ان هذه الخلافات مجرد تفاصيل، وذلك انعكاساً لاختلاف أكبر في النظرة الى الصراع. فعلى رغم ان كل جانب تحدث عن تطور في نظرة الفريق الآخر (الخليجيون يتحدثون عن "استعجال" أميركي وتحمّس في التعامل مع الأزمة السورية، والمسؤولون الأميركيون يشيرون الى مستوى جديد من "التعاون" من الآخرين)، بيدَ ان مسؤولين عرباً من "الحلفاء" يبدون عدم ارتياح ازاء التحضير الأميركي للمرحلة المقبلة. هؤلاء يفهمون أن هدف الادارة الاميركية ليس تغليب كفة المعارضة المسلحة على النظام عسكرياً، بقدر ما هو تغيير حسابات القيادة السورية حول إمكان تحقيق انتصار على المسلحين. وإذ يقول مسؤولون أميركيون ان بلادهم ليست الآن أقرب الى مهاجمة سوريا مما كان عليه الحال قبل ذلك، يعتبر أحدهم ان الكلام عن تغيير كبير في السياسة الأميركية في سوريا مبالغ فيه، قائلاً: "هناك تغيير في النظرة، وليس في السياسة". وعلى ذلك فافهم! يتداول المسؤولون الأميركيون هذه الأيام عبارة "خيارات جديدة" للتعامل مع الأزمة السورية، على ان تُطرح امام الرئيس اوباما لكي يتخذ القرار بشأنها. و"الخيارات الجديدة" ليست واضحة بالمرّة، أقله حتى الآن، وقد تكون خليطاً من تكثيف إمدادات السلاح الى المعارضة والدبلوماسية الغليظة (تبني قرارات ضاغطة في مجلس الأمن) والتهديدات بوضع الخيار العسكري على الطاولة، من دون التعهد باستخدامه. غير ان كل ذلك لا يلغي ان أوساطاً أميركية تعبر عن حالة "يأس استراتيجي" وهي تطرح خياراً جذرياً يتمثل في الاعتراف بالهزيمة وقبول ان الرئيس الأسد شريك في استراتيجية مكافحة الإرهاب، ولكن لذلك لمحاذير خطيرة وتبعات على مكانة الولايات المتحدة بين حلفائها. وهنا مكمن التخبط في السياسة الأميركية: خطوة الى الأمام، وخطوة الى الوراء.