الثورة الإسلامية في إيران انتصرت في العام 1979، وكانت الانطلاقة الكبرى نحو تغيرات جذرية في بنية المجتمع وأشكال حياته على مختلف الصعد. هل وصلت الجمهورية الإسلامية إلى تحقيق أهدافها الكلية والشمولية بعد 35 عاماً، وبالدرجة الأولى هل أضحى المجتمع الإيراني إسلامي الهوية والمسلك الاجتماعي والتربوي وحتى العلمي إلى حد ترضى عنها دماء الشهداء الذين دفعوا ثمن هذا النصر الإسلامي التاريخي؟!!.. تعرّفنا منذ مدة على "الخطة العشرينية" العلمية يعمل عليها نحو 500 عالم إيراني من مختلف الاختصاصات والاتجاهات، و"وثيقة التحول البنيوي في التربية والتعليم" هي جزء من هذه الخطة العشرينية. وإن كان لهذا دلالة فهو برهان ساطع على استمرارية الثورة الإسلامية المباركة في إيران حيث ما زلنا نشهد انقلابات ثورية في ميادين شتى تثبت فيها إيران الإسلامية أنها تسير نحو تطور مطرد مع مضي السنين. حول هذه الوثيقة ومدارها التربوي والعلمي أحبننا في موقع المنار أن نتقاسم وقرائنا الكرام هذه الاستفادة العلمية والحضارية من التجربة الحية التي تخوضها حاليا الجمهورية الإسلامية في إيران في مناسبة ذكرى انتصار الثورة الخامسة والثلاثين. لأجل هذا الهدف إلتقينا مع الدكتور محمد عليق، الأستاذ الجامعي والاختصاصي في فلسفة التربية الإسلامية ومدير لجنة التأصيل التربوي في مدارس المهدي (عج). هدف أساسي: أسلمة العلوم الإنسانيةموقع المنار:العمل على وثيقة التحوّل النبوي في التربية والتعليم " في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران "، لماذا لم يبدأ فور إنتصار الثورة؟ لماذا انتظر كلّ تلك السنين لينطلق، وهل هذه الوثيقة هي نفسها الخطّة العشرينية[أفق ۱٤۰٤ ه. ش]؟الدكتور عليق:شكراً لكم على اهتمامكم بهذا الموضوع الجديد والأساسي في عالم التربية الإسلامية وهذا الإنجاز الحضاري الكبير. ينبغي لنا أن نفكّك أولاً بين مسألتين هامّتين: المسألة الأولى:هي عملية إنتاج وصياغة " فلسفة التربية الإسلاميّة الجديدة " وهي جهد علمي وبحثي عظيم قامت بها مجموعة من المؤسسات والشخصيات العلمية(فقهاء، فلاسفة، تربية ومعلّمون ومدراء وأصحاب تجاربفي علوم التربية والفلسفة الإسلاميّة والعمل المدرسي والمناهج…) تحت إشراف سماحة الإمام الخامنئي والذي يعتقد أننا بحاجة لفلسفة تربية إسلاميّة تليق بفكرنا وحياتنا وأهدافنا، وأنّ الفلسفات التربويّة والمناهج المستورد لا تناسبنا. وهكذا كان فقد قام المجلس الأعلى للتربية والتعليم والمجلس الأعلى للثورة الثقافيّة ووزارة التربية وغيرها من المؤسسات المختصّة ولمدة عقد من الزمن بإجراء حوالي ۷۰ دراسة وبحثنظري وعملي على يد(۵۰۰ عالم ومتخصص تربوي من أهم الشخصيات الحوزوية الجامعيّة والتربويّة) وصولاً إلى صياغة فلسفة تربية إسلاميّة تحدّد ماهية التربية الإسلامية وخصائصها وأهدافها وأصولها ومبانيها وأساليبها على المستوى النظري وترسم مسارات عمليّة للتحوّل التربوي المطلوب.المسألة الثانية:وهي التي تفضلتم بالسؤال عنها وهي وثيقة استراتيجيّة تحدّد ماهية التحوّل التربوي وآلياته وبرامجه وسياساته وأهدافه العلميّة و… إلخ باسم " وثيقة التحوّل البنيوي في التربية والتعليم في الجمهوريّة الإسلاميّة ". - وقد قمنا في المؤسسة الإسلاميّة للتربية والتعليم – مدارس المهدي - بترجمة هذه الوثيقة وكذلك المباني النظريّة(أي فلسفة التربية الإسلاميّة الجديدة) ونقوم بمطالعتها والاستفادة من هذه التجربة – هذه الوثيقة هي برنامج عملي للفكر التربوي الإسلامي وأساليب تحقّقه في المجتمع. وقد تمّ صياغتها وإقراراها من قِبَل سماحة الإمام الخامنئي والمجلس الأعلى للثورة الثقافية منذ حوالي سنتين. ويتمّ الآن العمل على تخطيط وإجراء جميع البرامج الثقافيّة والتربويّة والمدرسيّة والتربية العامة(الإذاعة والتلفزيون وأئمّة الجماعات والمساجد والوزارات والقطاعات المختلفة وفق هذه الوثيقة)، وهي تنسجم مع الخطة العشرينية[أفق ۱٤۰٤ هش] وهدفه وصول إيران إلى المرتبة الأولى علمياً واقتصادياً وسياسياً في منطقة غرب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط… - بالنسبة للسؤال حول توقيت هذه الوثيقة والفلسفة، فلا بدّ من التذكير بأنّ أصل هذه الثورة بيد الإمام الخميني كان قائماً على التغيير والتحوّل التربوي والثقافي وفق القيم الإسلاميّة والإرادة الشعبيّة، منذ أيام الانتصار الأولى تمّ إنشاء لجان عليا في الجامعات لانتاج علوم إنسانيّة إسلاميّة تناسب الثورة والمجتمع الإسلامي. ولقد بدأ هذا المسار ومن ثمّ تمّ تعديله وإصلاحه مراراً خلال تجربة التعليم والتربية والجامعات، إلى أن ظهرت مجموعة كبيرة من الباحثين الأكاديميين والحوزويين المختصّين في مجال فلسفة التربية والعلوم التربويّة والمناهج ممن لديهم خبرة عمليّة أيضاً وتكاملت الصورة، وتمّ رصد الأخطاء والنواقص، وتمّت عمليّة التحوّل الكبير بإشراف وهداية سماحة الإمام الخامنئي وصولاً إلى المشهد الحالي، في ما نراه من تميّز في المستوى العلمي والصناعي وانتاج العلوم والنظريات التربويّة. وتكفي إشارة المعاهد الغربية نفسها إلى أنّ مستوى سرعة نمو العلوم في إيران هو ۱۳ ضعفاً عن متوسط النمو العالمي!. إيران بلد متعدد القوميات يمشي في خارطة تشمل الجميعموقع المنار:ماذا عن الخارطة العلميّة الشاملة للجمهورية الإسلاميّة وهل يمكن لها مع وثيقة التحوّل البنيوي في التربية والتعليم أن تمهّد الطريق للتحولات الكبرى المنشودة في مسييرة الثورة والجمهوريّة الإسلاميّة؟ كيف يمكن لوثيقة تربويّة أن تؤدي هذا الدور الخطير في بلد يحمل هذه الأهداف السامية والتحديات الخارجيّة وتعدد القوميات…؟الدكتور عليق:الخارطة العلميّة الشاملة هي أيضاً عمل تخطيطي وعلمي كبير ويختصّ أكثر بالجامعات والأهداف التخصّصيّة وانتاج العلم والمجالات المطلوبة للوصول إلى اهداف[أفق ۱٤۰٤ ه. ش] بشكل عملي ومنهجي. – وكذلك فقد قام الأعزاء في هيئة التعليم العالي في التعبئة التربويّة بترجمتها ونشرها للاستفادة منها - وهي تتكامل مع وثيقة التحوّل التربوي، وبطبيعة الحال، ليست الوثائق فقط هي التي تؤدّي إلى التحوّل المنشود ولكنها خطوات كبرى ناتجة عن قيادة وإشراف دقيق وعلمي على مسار الثورة الإسلاميّة وفق رؤية الإمام الخامنئي؛ حيثيعد الثورة مسار: ۱ - قد بدأ في القيام بالثورة وإسقاط نظام الشاه وقطع التبعيّة للإستكبار الأميركي. ۲ - ثمّ تكامل لإقامة النظام الإسلامي وهو عبارة عن تقديم رؤية شاملة للإسلام الذي يقود كل ميادين الحياة مضافاً إلى دعم وتأييد شعبي ومشاركة للجماهير في تقوية هذا النظام وحمايته. ۳ - مرحلة الدولة الإسلاميّة: وهي دولة القانون والمؤسسات والنظام وتوزيع السلطات والانتقال إلى الدولة القويّة المقتدرة علمياً واقتصادياً وسياسياً وصولاً إلى دولة العدالة الاجتماعيّة التي تقضي على كل مظاهر التمييز والفقر والعطالة عن العمل وتنشر التقدّم المتوازن وتكافؤ الفرص. ٤ - مرحلة المجتمع الإسلامي إذ أنّ الناس والشعب تتفاعل أكثر فأكثر مع القيم الإسلاميّة فيصبح رائداً متكاملاً متضامناً ينعم بالإمكانات الماديّة والمعنويّة للحياة الطيّبة " وفق النظام المعياري الإسلامي " وعملياً ينقل الثورة إلى المرحلة التالية وهي: ۵ - مرحلة الأمة الإسلاميّة إذ يكون المجتمع الإسلامي " هو نموذج للحضارة الإسلاميّة الجيدة " التي ينادي بها الإسلام المحمديّ الأصيل وينشر تجربته لكل الشعوب والمجتمعات والدول التي تبحثعن قدوة ونموذج للعدالة والتنمية والسعادة المادية والمعنويّة. واعتقد أنّ كلّ هذه الجهود العلميّة والتربويّة والخطط والبرامج الحاليّة تركّز على مرحلة الدولة القوية المقتدرة الساعية للعدالة الاجتماعيّة. ونلاحظ القفزات النوعيّة الجبّارة التي حدثت على المستويات العلميّة والصناعيّة والسياسيّة والثقافيّة وخاصة انتاج العلوم الإنسانيّة الإسلاميّة والتي تعدّ " فلسفة التربية الإسلامية " الجديدة من أهم إنجازاتها وتستحق الدراسة والمطالعة والبحثمن قبل العلماء والأكاديمين ومتخصّصي التربية والعلوم الإنسانيّة في العالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي حيثتتحدى هذه التربية الإسلاميّة الجديدة كل النظريات الغربية في التربية والتي ظهر ضعفها ونقصها في الغرب والشرق معاً…التحول التربوي: هوية المتربي أساسموقع المنار:كيف يمكن توصيف دور السيادة الشعبية الدينية قيمةً أساسيةً في بناء " هوية المتربي " والتي تمّ ربطها بدور الفرد والجماعة ومفاهيم الاختيار والمشاركة السياسية والاجتماعية والحرية المسؤولية؟.الدكتور عليق:هذا التحول التربوي جاء في سياق مسار عام يقوده الإمام الخامنئي في الجمهورية الإسلامية لتحقق سلسلة " بناء الحضارة الإسلامية الجديدة " التي طرحها سماحته لتكون مسارا نظريا لحركة الثورة الإسلامية؛ من قيام الثورة الى تشكيل النظام الإسلامي ومن ثم بناء الدولة الإسلامية وصولا الى تحقق المجتمع الإسلامي والذي يصبح بدوره مصداقا لمفهوم الأمة الإسلامية التي تتحول الى نموذج وقدوة ورائدة في بناء الحضارة الإسلامية. في ضوء هذه النظرية يأتي مفهوم السيادة الشعبية الدينية بشكل طبيعي ليشكل البيئة السليمة الواعية والناضجة التي تتبنى الفكر وتمارس العمل بحرية لتصنع النموذج وترسم المستقبل " النموذج الذي قدّمه النظام الإسلامي بخصوص سيادة الشعب الدينية، وآثاره على مستوى السياسة العالمية، كان تجربة ناجحة دون شك. الكيان الذي تؤثّر فيه أصوات الشعب وإرادته وشخصيته ومطالباته لرسم مستقبل المجتمع، وكون إطار هذا التحرّك متمثّلاً بالقيم المعنوية والإلهية، هو الشيء الذي تحتاج إليه الإنسانية اليوم، وتعاني من غيابه. هذه الحروب، وحالات الاستكبار والظلم، والهوّة الطبقية، ونهب ثروات الشعوب، والفقر المذهل الذي يسود شطراً هائلاً من سكان العالم، كلّه نتيجة غياب المعنوية. حالات الفساد والشعور بالعبثية، والتهتّك التي تشاهد لدى شتى أجيال الإنسانية على مستوى العالم، كلّها بفعل ضمور المعنوية. " فلسفة التربية الإسلامية الجديدة تهدف الى ترسيخ السيادة الشعبية الدينية للتقدم لتكون هدفا ووسيلة للوصول الى التحولات الكبرى على صعيد صناعةالإنسان وتربية المجتمع وفق المعايير الإسلامية لتحقق " الحياة الطيبة " وفق التعبير القرآني.لماذا الربط بين المدرسة والمراكز الثقافية والعلمية؟!موقع المنار:من مفردات الاستراتيجيات العامة في هذه الوثيقة ما مفاده: تثبيت وتقوية تعاون المدرسة مع المراكز الثقافية والعلمية المحلية(في الأحياء) خاصة المسجد والمراكز الدينية والحوزات العلمية والمشاركة الفعالة للمدراء والمعلمين والتلامذة في البرامج المحلية وكذلك الحضور المنتظم والمؤثر لعلماء الدين والمبلغين من ذوي التجارب والكفاءة في المدرسة، كل هذا البند يعدّ رؤية جديدة للتفاعل بين المدرسة والمحيط الاجتماعي والثقافي، إلى ما يهدف تحديدا؟! ولماذا هذا الربط أصلاً؟.الدكتور عليق: هذه الوثيقة للتحوّل التربوي تنطلق من فلسفة تربوية إسلاميّة جديدة والتربية هنا لا تعني تربية الأطفال والتلاميذ فحسب، بل هي تربية المجتمع والإنسان المربي، مفهوم التربية هو بالمعنى القرآني يشمل هداية الإنسان والمجتمع وهذا ما نلاحظه في التعريف الذي تمّ صياغته حول ماهيّة التربية الإسلاميّة، بهذه الرؤية للتربية الإسلاميّة يصبح المجتمع بجميع مؤسساته وقطاعات وعناصره مسؤولاً ومكلّفاً عن التربي، كل إنسان مسؤول عن تربية نفسه، وكذلك عن مساعدة الآخرين لتربية أنفسهم، الزواية هنا اوسع من عمل مدرسي أو تربية الأهل للأولاد، في هذه النظرة البديعة والتي لم يسبق لأي نظرية تربوية أن طرحتها الله هو مربّي والإنسان متربي، والرسول أو المعصوم مربّي والموالي له متربي، الانسان مربي لنفسه التلفزيون مربّي والجمهور متربي.. وهكذا فالتربية تشمل الجميع وهي واجب الجميع بدءً من القائد ووصولاً إلى أصغر فرد أو جهاز في المجتمع الإسلامي، والثقافة الإسلاميّة الناتجة عن هذه التربية "الحياة الطيبة" هي لغة وسياق وقضاء للجميع وعليهم أن يخططوا وفق هذه الرؤية لتقاسم الأدوار وتكاملها بين المسجد والمدرسة والإذاعة والحوزة والجامعة والوزارات، لأن ساحات التربية الستة تشمل كل أبعاد الحياة للإنسان منذ ولادته وحتى انتقاله إلى الحياة الآخرة ولأنّ الجميع يؤثّر بشكل وبآخر على عناصر التربية (التعقّل- الإيمان- العلم- العمل- الأخلاق) مع التأكيد على محوريّة مسؤوليّة الإنسان نفسه في تربية نفسه وتنظيم علاقاته مع نفسه(كجسد وروح ) وربه والآخرين والكون. التكامل ما بين المؤسسات والقطاعات يوفّر الأرضيّة المناسبة ويكثّف الجهود للوصول إلى السعادة المنشودة مادياً ومعنوياً للإنسان والمجتمع. بقلم : زينب الطحان