فيما يتمدد فرض "نظام مكافحة الإرهاب" إلى مناطق لم يطلها من قبل، صدر عدد من التشريعات الروسية الطارئة، حاولت معالجة قضايا الإرهاب وقائياً. لكن على الرغم من ذلك، ترى الباحثة العلمية في "المعهد الروسي للأبحاث الإستراتيجية" غالينا خيزرييفا، أن "السلطات الروسية لم تدرك عمق التهديد قبل سنة 2013. بل يخيل إليّ أن السلطة لا تزال لا تعي ما هي درجة عالمية المشروع الإسلامي وماذا يعني بالنسبة إلى روسيا". وتركز خيزرييفا على "أولئك الذين يعودون من البلدان الإسلامية، ومن غير المهم أكانوا يدرسون أم يقاتلون هناك، فهم فور عودتهم، ينشئون بنية مضادة للنظام الاجتماعي في روسيا. ربما آن أوان إعادة النظر في القوانين بشكل عام". وتحذر خيزرييفا من عودة المقاتلين الإسلاميين من سوريا إلى دائرة خانتي مانسيسكي ذات الإدارة الذاتية. "وقد جاؤوا إلى قاعدة جاهزة أعدها أولئك الذي خرجوا من معتقل غوانتانامو وأقاموا في بشكيريا وسيبيريا وتتارستان وفي القوقاز"، متخوفة من أن "إقامة نظام اجتماعي مضاد بالنسبة لهم باتت مهمة من الماضي". فهم "يقيمون نظاما خاصا بهم عن طريق دعم النظام الحالي مؤقتاً. فيما نحاول أن نقيم معهم حوارا ثقافيا ودينيا، مع بشر لا ثقافة لديهم عمليا ولا دين". وترى أن "الإسلاموية، أيديولوجيا غير قابلة للاتفاق، فهي من حيث المبدأ معدة للحرب. وأنا واثقة من أنه طالما لم يفت الأوان بعد، فيجب اعتماد قانون يمنع الوهابية". باحثون آخرون، يتهمون المجتمع الروسي باللامبالاة تجاه الخطر المحدق بالبلاد، ومنهم الأستاذ المساعد في "جامعة العلوم الإنسانية الموسكوفية الحكومية" رومان سيلانتييف، معتبراً أن المجتمع الروسي لا يتحلى بالمسؤولية المطلوبة، وأدى ذلك إلى نشوء وهابية أممية في روسيا. هي شكل من اتحاد المجرمين والمتعصبين والمتطرفين الدينيين والمستجدين في اعتناق الدين. وقد تزامن ذلك مع اقترح النائب الأول لرئيس "لجنة الاتحادات الأهلية والمنظمات الدينية" في البرلمان الروسي "الدوما" ميخائيل ماركيلوف، على السلطات وضع قائمة خاصة بالمعاهد الإسلامية الأجنبية الممنوعة لترويجها آراء دينية متطرفة، من أجل منع الطلاب الروس الدراسة فيها. فإلى جانب الإرهابيين المتوجهين للقتال في سوريا، يتوجه الآلاف إلى تحصيل العلوم الدينية، ويعودون إلى الديار الروسية. وقد لوحظ تنام مضطرد في أعداد "المعاهد الإسلامية" في مناطق مختلفة من روسيا الاتحادية. وقد بات الباحثون والمشرعون الروس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بضرورة التمييز بين مصطلحي "الإسلام" والأسلمة". ومصطلح "الأسلمة"، الذي يراد منه "الإرهاب" أحياناً، عبر ربط غير موفق، تفضل الباحثة في شؤون الإسلام خيزرييفا، استخدام "الأممية الوهابية في روسيا"، بديلاً عنه. ويصر ماركيلوف على "ضرورة وضع قائمة بالمعاهد الأجنبية التي تمنح تعليما دينياً، والتي يقوم الشباب عند مغادرتها هنا في روسيا بنشاط غير قانوني، إذ يحصلون على تعاليم وشرح غير تقليدي للإسلام في معاهد تدريسية منفصلة في السعودية وباكستان وقطر وتركيا ومصر، وهذه المعاهد معروفة". وقال إنه "يجب على ممثلي وزارة التعليم والبحوث وأجهزة الأمن الروسية الخاصة المشاركة في إعداد قائمة عامة اتحادية للمعاهد الدينية غير المرغوب فيها". إلا أن تعبير "غير المرغوب فيها"، فضفاض. ويقتضي تدخلاً أمنياً مباشراً، لا سيما في ظل تعاظم سلطة الكنيسة الأرثوذكسية في البلاد، وانتشار الجمعيات التابعة لها، والتابعة نشاطاتها بالضرورة إلى سلطة "لجنة الاتحادات الأهلية والمنظمات الدينية" التي يمثلها ماركيلوف. وأثناء محاضرة له بعنوان "التربية الروحية الأخلاقية في المدرسة كوقاية من التطرف الديني"، يحذر من نشر السلفية الذي يعتبر تهديداً فعلياً للبلاد، ومن تعلم طلاب من روسيا لأشكال غير تقليدية من الإسلام. ويأمل أنه "في حالة إعداد اللائحة السوداء سيصبح بالإمكان تقييد الدخول إلى الأراضي الروسية لأولئك الطلاب، الذين اختاروا الذهاب إلى أحد معاهد القائمة السوداء". ويرى ماركيلوف أنه "يتعين التفكير في العقوبات التي يجب اتخاذها حيالهم، فهذا إجراء وقائي سيسمح بشكل ما بتنظيم التعليم الذي يحصل عليه مواطنونا، وفي المقام الأول، من ممثلي الجمهوريات القوقازية عند سفرهم إلى الخارج". نشاط الإسلاميين المتطرفين، لم يقتصر على دعوات تنشر عبر المعاهد، أو المدارس المسجدية، أو الخاصة - البيتية. فقد تنامى النشاط لاستخدام عالم الجريمة. وسخّر عدد من المعتقلين والمساجين الإسلاميين وجودهم وراء القضبان للدعوة لتجنيد المقاتلين من المساجين لمصلحة "إمارة القوقاز". وفي ظاهرة لافتة أسّس أولئك هيكلاً بنيوياً داعماً لأنشطتهم في الدعوة إلى الجهاد، منها فروع لما أسموه "بيت المال" في السجون، لجباية "الأموال الشرعية"، وتسخيرها لدعم المقاتلين، بالإضافة إلى "مجلس شورى إسلامي" للسجون. ويرى مدير "مركز بريفولوجسكي" في "معهد الأبحاث الإستراتيجية الروسي" رئيس سليمانوف أن لدى الدعاة "الإرهابيين" مشروعاً جديداً، يتخطى نشر أيديولوجيا التطرف الإسلامي وسط المساجين الروس وفي عالم الجريمة، مع ما يشكّله ذلك من خطر على الأمن القومي الروسي. واعتبر أن "المهاجرين من آسيا الوسطى وكازاخستان باتوا أكثر عرضة لتأثير الوهابيين، وليس فقط في بلدانهم، بل في روسيا حيث نشر الدعاية الإسلامية أكثر سهولة". إلا أن الصورة الأكثر قرباً، يمكن الاطلاع عليها من غالينا خيزرييفا، المسلمة القوقازية، التي يصفها مراسل "روسكي ريبورتيور" فلاديمير إيمليانينكو، بأنها "امرأة نحيلة في حجاب"، وقد سطّرت بحوثاً كثيرة عما أسمته بـ"الأممية الوهابية"، أي "المجاهدين ضد الإسلام" في روسيا. ولا ترى خيزرييفا مواجهة بين إسلام تقليدي وإسلام متطرف. يسألونني أحيانا: "إلامَ يدعو المسلمون؟" فأجيب "إلى الإسلام". والإسلاميون؟ فأجيب: "إلى الأسلمة". هل تعلمون ما هو الفرق بينهما؟ لا رابط بينهما على الإطلاق. الإسلام، دين. والأسلمة - الوهابية لا علاقة لها بالدين بتاتا. ويتخطى تعبير الباحثة المصطلح نفسه، إلى التمييز بين المقاتلين الإسلاميين و"أصحاب الشركات الوهابية الموجودين في السلطة. وستجدهم في خانتا مينينسكي ذات الإدارة الذاتية، وفي نيجني نوفغورود، وقازان، وداغستان، وإنغوشيا". فـقد "بات قيام الوهابية الأممية ممكناً، في جميع الأقاليم الروسية في العام 2013"، وفق خيزرييفا، باستثناء تشوكوتكا، كونها منطقة حدودية مغلقة. "أما مستودعات الأسلحة العائدة للوهابيين فباتت موجودة حتى في تيومين وفي سورغوتا وأومسك، وفي دائرة يامالا نينيتسكي ذات الإدارة الذاتية. الإسلاميون يتجذرون حيث يوجد نفط وغاز. إنهم يفكرون بصورة إستراتيجية".